تشكل العيديّة جزءاً لا يتجزأ من الاحتفالات بالأعياد في العالم الإسلامي، إذ باتت تمثل رمزاً للفرح والعطاء المتوارث من جيل إلى جيل، تجمع العائلات وتُثري ذكريات الطفولة بالألوان البهيجة. تستند هذه العادة الشعبية إلى جذور تاريخية طويلة، امتزجت فيها الأبعاد الاجتماعية والدينية لتمنحها خصوصيتها. فما قصة العيدية وكيف تطورت عبر التاريخ؟
العيدية وتاريخها: من العصر الفاطمي إلى المملوكي
تعود أصول العيدية إلى العصر الفاطمي في مصر، حيث كانت تُعرف بـ”التوسعة”، وتعتبر هدية يقدمها الخلفاء لعامة الناس بمناسبة الأعياد. تمثلت في صورة نقود ودنانير ذهبية وحلوى، إضافة إلى الثياب الجديدة التي كانت تُصنع خصيصاً لهذا الموسم، في تقليد حرص عليه الحكام لتعزيز الروابط مع الرعية. ذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي دور الخلفاء الفاطميين في ترسيخ هذه العادة كوسيلة لاستقطاب قلوب المصريين.
لاحقاً، عرف العصر المملوكي تطوراً لهذه العادة، حيث أصبحت تسمى “الجامكيّة”، وهي مبلغ مالي كان يُصرف بأوامر من السلطان لموظفي الدولة بالإضافة للأطفال والكبار. اشتُق الاسم من الكلمة التركية “الجامة”، التي تعني “الثوب”، في إشارة إلى استخدام الأموال لشراء ملابس العيد.
التحوّل في العهد العثماني: من الدولة إلى الأفراد
مع قدوم العهد العثماني، فقدت العيدية طابعها الرسمي وأصبحت عادة اجتماعية مفصلة داخل الأسر. تحولت العيدية من نقود موجهة من الحكام إلى هدايا متبادلة بين الأقارب والجيران، وكعادة رمزية للتكافل الاجتماعي تضفي أجواء الفرح بين الأطفال والكبار. كان لهذه المرحلة أثر كبير في تعزيز ارتباط العيدية بالتراث الشعبي وتنوع أشكالها تبعاً للثقافات المحلية.
اليوم، تُعرف العيدية في معظم الدول العربية بأسماء مختلفة، مثل “العيّود” في سلطنة عمان أو “مهبة العيد” في تونس، لكنها تحمل المغزى ذاته، وهو إدخال السعادة في قلوب الأحبة، وخاصة الأطفال.
أثر العيدية النفسي والاجتماعي عبر التاريخ
لا تقتصر قيمة العيدية على البُعد المادي فقط، بل تحمل تأثيراً نفسياً واجتماعياً عميقاً. يرى خبراء علم النفس أن العيدية تعزز الهرمونات المسؤولة عن السعادة مثل “الأكسيتوسين”، ما يساهم في تقوية الروابط الأسرية وزيادة شعور الأطفال بالثقة والانتماء. كما تعمل على ترسيخ مبدأ العطاء والإحساس بالمسؤولية لدى الأطفال، حيث تعد فرصة لتعليمهم مبادئ الادخار والاستقلالية من خلال تخصيص أموالهم لشراء الأشياء التي يرغبون بها.
على الرغم من النواحي الإيجابية لعطاء العيدية، يلفت الأخصائيون إلى تحديات عملية قد تنشأ، كربط الطفل السعادة بالمال فقط أو الشعور بالإحباط نتيجة مقارنات مادية بين الأطفال. ومع ذلك، يشدد الخبراء على أن الجوهر الحقيقي للعيدية يكمن في ما تحمله من روح العطاء، الذي يبقى مستمراً رغم اختلاف الأزمنة والظروف.
تظل العيدية أحد أبرز موروثات العيد، إذ ترمز للفرح والتواصل الإنساني، وتُشعر الجميع بالسعادة والامتنان، مما يجعلها جزءاً محورياً من هوية الأجيال المسلمة على مر العصور.