في أجواء شهر رمضان المفعمة بالروحانية والتجليات الإيمانية، يظل صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، حاضراً بقوة ومرتبطاً بذاكرة المسلمين حول العالم، كواحد من أعظم القراء الذين أثروا في وجدان الأمة الإسلامية. ورغم رحيله في نوفمبر 1988، يبقى إرثه الثمين في تلاوة وترتيل القرآن منارة تستلهمها الأجيال، حيث لقّب بـ”صوت مكة” و”الحنجرة الذهبية” لما امتلكه من جمال الصوت وعذوبته.
الشيخ عبد الباسط عبد الصمد: المولد والنشأة
وُلد الشيخ عبد الباسط عبد الصمد عام 1927 في قرية المراعزة بمركز أرمنت بمحافظة قنا جنوب مصر. نشأ في بيت يعشق القرآن الكريم؛ إذ كان والده الشيخ محمد عبد الصمد أحد مجوّدي القرآن البارزين في قريته. أتم الشيخ عبد الباسط حفظ القرآن الكريم في سن العاشرة على يد الشيخ محمد الأمير، وتعلم القراءات والروايات مع الشيخ محمد سليم حمادة. بفضل موهبته وأصالة أدائه، أصبح سريعاً أحد أبرز مرتلي القرآن الكريم في صعيد مصر.
شهدت مسيرته تحولاً كبيراً عندما توجه إلى القاهرة عام 1950، وتحديداً إلى مسجد السيدة زينب أثناء احتفالها بمولدها السنوي، حيث شارك بتلاوة آيات من سورة الأحزاب وأبهر الحاضرين لأكثر من ساعة ونصف بتغنيه بالقرآن. هذا الحدث كان انطلاقة نحو النجومية التي لم تعرف حدوداً.
ارتباط الشيخ عبد الباسط بشهر رمضان وروحانياته
ارتبط صوت الشيخ عبد الباسط بشهر رمضان المبارك، خاصة عبر تلاواته التي تُبث قبل أذان المغرب عبر الإذاعة المصرية، والتي ما تزال تملأ القلوب بالخشوع والسكينة. كان الشيخ يتميز بإتقانه للمقامات والنغمات التي كان يوظفها بإبداع خلال تلاواته، ما أضفى أجواء استثنائية على ليالي الشهر الكريم.
تقلّد منصب قارئ مسجد الإمام الشافعي عام 1951، ثم مسجد الإمام الحسين عام 1958 خلفاً للشيخ محمود علي البنا، وتزامن ذلك مع تسجيله لأول تلاوة إذاعية لسورة “فاطر” والتي شقت طريقه ليصبح علماً من أعلام التلاوة في العالم الإسلامي.
إرثه وجولاته العالمية في نشر القرآن الكريم
لم يكن الشيخ عبد الباسط قارئاً للقرآن فحسب، بل سفيراً لكتاب الله حول العالم. زار العديد من البلدان الإسلامية والغربية لتلاوة القرآن في كبرى المساجد والمناسبات، من المملكة العربية السعودية، حيث قرأ في المسجد الحرام والمسجد النبوي، إلى الهند، باكستان، المغرب، والولايات المتحدة الأمريكية.
كما حصل على العديد من الأوسمة والجوائز تقديراً لعطائه الفريد، من أبرزها وسام الاستحقاق من سوريا عام 1956، والوسام الذهبي من ماليزيا، ووسام الإذاعة المصرية في عيدها الخمسين، وأوسمة من السنغال والمغرب.
ترك الشيخ عبد الباسط وراءه كنزاً من التسجيلات التي تُعتبر تراثاً دينياً وثقافياً. من أبرز هذه الكنوز المصحف المرتل والمجود، إلى جانب تسجيلات لقراءاته في الإذاعات العربية والعالمية. وقد استمر تكريمه حتى بعد وفاته، حيث خُلدت سيرته باعتباره أسطورة لن تتأثر بمرور الزمن.
باتت ذكرى الشيخ عبد الباسط عبد الصمد حية في قلوب المسلمين، وسيظل صوته رمزاً للإيمان والخشوع، يرافق الأمة الإسلامية في شهر رمضان المبارك وغيره، حاملاً رسالة القرآن الكريم بأعذب الأصوات.