رواية بعيدا عن الأرض للكاتبة ديمة الفصل الحادي والعشرون

رواية بعيدا عن الأرض للكاتبة ديمة الفصل الحادي والعشرون
راقبت فيوليت حبات الثلج الأبيض وهي تتساقط من الغيوم الداكنة من نافذة غرفتها الكبيرة، وقد سحرها المنظر وجذبها اللون الأبيض الذي بدأ يفرش الأرض خارجًا ولكن لم تكن الأرض وحدها هي من فُرشت باللون الأبيض بل وأغصان الأشجار العارية. إنها الأيام الأخيرة من ديسمبر، وهكذا اعتاد هذا الشهر أن يودعهم، لطالما أحبت فيوليت هذا الشهر لأنها تظن أن وداعه رقيقٌ للغاية ووديع حيث يغادرهم بأنقى الألوان. كانت فيوليت قد استيقظت توًّا وكانت الساعة التاسعة صباحًا، لاحظت وجود سيارة دانيل أمام باب منزلهم فلقد أخبرها أنه سيحضر اليوم، فذهبت لتغسل وجهها ثم تحضر بعض القهوة لتبدأ يومها. نزلت السلالم متجهةً نحو المطبخ ولكنها استغربت عدم رؤيتها دانيل حتى الآن، فيبدو أنه حضر منذ فترة ومع ذلك لم تره بعد، ربما كان يتحدث مع والدتها أو والدها. اتجهت إلى اليمين بعد أن نزلت السلم وقد كان المطبخ وراء مكان الدرج، لكنها توقفت عند غرفة المكتب الذي تقبع على صف حائط المطبخ وقد سمعت ما استوقفها وأثار فضولها فاقتربت من الباب.
«طلبت منك الابتعاد عنها وقد كان هذا أمرًا مني. »سمعت صوت والدها وهو يصرخ وقد بدا أنه غاضبٌ جدًّا‏.
«وأخبرتك أنها ستبقى شقيقتي ولن أبتعد عنها أبدًا، فأنا لن أكترث لأوامرك». أجابه دانيل بحدة بعد أن تشنجت عضلات وجهه من الغضب.احتدت ملامح ألفريد وهو يستمع إلى رد ابنه الذي اعتبره وقاحة كبيرة منه، وقد رغب أن يبرحه ضربًا لولا أنه ظل يحاول السيطرة على أعصابه، فهو يعرف أن هذا الحل لن يزيد الأمر إلا سوءًا، فدانيل عنيد جدًّا‏ ويزداد عناده أكثر مع تعنيفه.
«سأثبت لك قريبًا جدًّا‏ أنها ليست شقيقتك». قال ثم صمت قليلًا ليتبع كلامه بصوت أعلى وأكثر حدة وهو يكز على أسنانه بغيظ: «فيوليت ليست شقيقتك، فهمت؟ هي لا تنتمي إلينا ولا تنتمي إلى عالمنا، إنها مجرد لقيطة لا نعرف إلى أين تنتمي، ضممتها إلى أسرتي للتغطية على فضيحة يومئذ، هي حتى ليست ابنة ساندرا، هل فهمت؟».اتسعت عينا فيوليت التي كانت تقف خلف الباب تستمع إلى حديثهما بصمت.
امتلأت عيناها بالدموع وخفق قلبها بشدة، كانت جملة واحدة فقط تتردد على مسامعها دون توقف تحاصرها وتزيد من آلامها «إنها مجرد لقيطة». هي حتى ليست ابنة ساندرا ولا تنتمي إلى هذا العالم. وضعت يدها على فمها بغية حبس صوت بكائها ودموعها تتساقط حارةً على خديها. يداها وقدماها ترجفان دون أن تستطيع التحكم بهما، وضيق شديد يجعلها ترغب أن تختفي عن الوجود في تلك اللحظة.
بقي دانيل ينظر إلى والده وقد خارت قواه وارتجفت حدقتا عينيه وقد تحولت نظراته الشرسة إلى أخرى منكسرة وحزينة. لم يكن يستطيع تصديق ما قاله والده.
«لن أسامحك أبدًا». قال دانيل بكلمات متبعثرة بنبرة حزينة ومكسورة وداخله يستعر بنار تحرقه وتؤلمه.صعدت فيوليت الدرج بسرعة قبل أن يلحظ دانيل أو ألفريد وجودها، وقد كانت تشعر أنها ستفقد الوعي، لم تكن قدماها ثابتتين، لم تكن تشعر أنها تمشي على الأرض بل في الهواء وعلى وشك السقوط، وقد كانت تشعر أن العالم حولها عبارة عن مكعبات تتفتت وتتفكك أمامها لتهبط إلى الهاوية.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب وأقفلته ثم جلست على الأرضية وبدأت تشهق وتبكي ودموعها لا تتوقف عن السقوط، وقد كانت عبارة ألفريد تتردد على مسامعها مرارًا وتكرارًا كأنها كابوس لا ينتهي، وقد شعرت أن رأسها سينفجر وقلبها يخفق بسرعة وشعور بالاختناق يسيطر عليها.
جلس ليوناردو على مكتبه الصغير بعد أن أعد كوبًا من الشاي؛ فقد كان الجو باردًا جدًّا‏ اليوم بعد تساقط الثلوج. لقد كان يكره الأجواء الباردة والثلوج لأنها تمنعه من الخروج، فاليوم يومٌ من أيام عطلة نهاية الأسبوع ولا يجد شيئًا يفعله. وصلته رسالة اليوم من فيكتوريا ولكنه كان مترددًا بقرار فتحها أو إهمالها بعض الوقت؛ فقد بات خائفًا من أي خبرٍ مشؤوم، لكنها حتمًا قد أرسلت ردًّا على الرسالة التي أرسلها ليلة أمس وقد أخبرها أنه شق طريقه وأنه سيحاول إنهاء المهمة بأقرب وقت ممكن. تجرأ ليضغط على الرسالة لتفتح أمامه ثم بدأت عيناه تتفقد سطور الرسالة.
«جيدٌ جدًّا‏ أنك قد شققت طريقك لأنني لم أكن لأنتظر أطول من المدة السابقة، أما بالنسبة لوالدتك فهي لن تموت سريعًا، لكن القرار بيدك ومن صالحك الاستعجال. على العموم وبالنسبة لي، سأمنحك أسبوعًا آخر وإن لم تنهِ المهمة بعد ذلك فلن أنتظرك أكثر وعندئذ لن أكون آسفة على وفاة والدتك. ».
تنهد ليوناردو بضيق فلقد كان خائفًا من عدم إتمام المهمة في الوقت المحدد خاصةً وأنه لم يتقدم سوى خطوة واحدة حتى الآن، ولن يستطيع إنهاء المهمة بظرف عدة أيام إلا بضربة حظ لم يتوقعها، غير ذلك سيدفع الثمن غاليًا وسينتهي كل شيء وتضيع جهوده هباءً منثورًا.
اهتز هاتفه الذي كان على الطاولة ليوقظه من شروده فتناوله معتقدًا أنها رسالة من ألبرت، ولكن حالما نظر إلى شاشة هاتفه حتى أصيب بالذهول؛ فليس من عادتها أن ترسل إليه رسائلًا في الصباح الباكر. ضغط على الرسالة ثم بدأ بقراءة نصها القصير.
«مرحبًا ليوناردو،كنت أتساءل عمّا إن كان بإمكاننا الخروج اليوم إلى حيث تعيش خارج مدينة الأحلام؛ فأنا متحمسة لرؤية مكان أزهار الأرجوان الذي تحدثت عنه الأسبوع الماضي. هل يمكننا الخروج بعد ساعة؟».
توطدت علاقته الفترة الماضية بفيوليت، فقد بدأت تقضي وقتًا معه وتتحدث إليه كثيرًا، كان يشعر أنه لغزٌ أرادت التعرف عليه وحله. كانت ترغب أن تعرف أكثر عن الجانب المظلم من حياته ولكنه كان متحفظًّا دومًا بالتعامل معها. استغرب طلبها خاصةً وأن الجو في الخارج بارد وأن الثلوج تغطي المكان والوقت غير مناسب البتة لرؤية الأزهار، خاصةً أن هناك احتمالًا كبيرًا أن تكون قد ماتت مع الأجواء الباردة في الآونة الأخيرة، رغم أنها كانت في مكان مغلق للحفاظ عليها أطول وقت ممكن. ولكنه حالما تذكر رغبته التي لا يهمه فيها إن كان الجو باردًا أم لا أو إن كانت تود الذهاب لرؤية الأزهار أو غيرها، الأهم أنها طلبت منه ذلك وأنه كان ينتظر تلك الفرصة منذ مدة.
فكر أن يتصل بألبرت ليخبره ويزوره اليوم برفقتها لتناول وجبة الغداء معها ليكسب ثقتها؛ حتى يتمكن في المرة القادمة من الخروج معها بسرية أكبر وأن ينهي تلك المهمة.
ركنت فيوليت سيارتها بمكان قريب من جامعتهم فهذا ما طلبه منها ليوناردو وقد أخبرها أن سكنه قريبٌ من الجامعة. لقد كان قرارها بالخروج وهو في هذه الحالة مجنونٌ جدًّا‏، ولكنها كانت ترغب بمغادرة البيت بشدة لكن لم تعرف إلى أين عليها الذهاب أو إلى مَن، فهي لا ترغب بمقابلة زملائها فعندئذ عليها التصنع كثيرًا لتخفي ما تشعر به، غير أنهم سيلاحظون اكتئابها وينهالون عليها بالأسئلة التي لا تنتهي وستقع في مشكلة عندئذ. لم تجد أفضل من ليوناردو للخروج معه فهو لا يتحدث كثيرًا، كما أنه لا ينتمي إلى هذا المكان، فلن يكون مثل زملائها. لمحته وهو يقترب وقد ارتدى معطفًا زيتيًا منتفخًا بعض الشيء وبنطالًا أسود اللون كالعادة. اقترب ليفتح باب السيارة ويجلس في المقعد المجاور ثم ألقى التحية عليها فردت عليه تحيَّته.
«إذًا، إلى أين سنذهب؟». قالت فيوليت بعد أن ساد الصمت دقائق.
«إلى منزل خالي، إنه يعيش خارج هذه المدينة ولقد أخبرته أننا سنحضر لتناول الغداء معه، ويمكننا الذهاب بعدئذ إلى مكان الأزهار، كما أن الثلج لم يتساقط بغزارة كما تساقط هنا ويمكننا التحرك بحرية أكبر. ».
استغربت فيوليت حديثه دفعة واحدة أول مرة، وقد بدا لها أنه متحمسٌ لرحلتهم فابتسمت ابتسامة بدت شاحبة بسبب شحوب وجهها، وقد ترك البكاء علاماته على وجهها رغم محاولتها إخفائه بمساحيق التجميل.
– ولكن كيف سنخرج؟ حسب علمي هناك بوابة لا تسمح لنا بالخروج.
– لدي بطاقة خاصة تسمح لي بالخروج.
أومأت فيوليت عندما شعرت ببعض الراحة، كانت كأنها سجينٌ سيغادر السجن فلقد كانت تشعر بالضيق الشديد، وهذا ما جعلها ترغب بالهرب بعيدًا إلى أي مكان. دفعت ناقل السرعة إلى الأمام بيدها وضغطت على المكابح لتنطلق السيارة برحلتها.
وقفت آنجل على رصيف الجانب الآخر من الشارع وهي تسرع بفتح باب سيارتها للحاق بهم. جلست خلف مقود السيارة وأسرعت بوضع المفاتيح وتشغيل السيارة لتنطلق خلفهم قبل أن تفقدهم، ولكن من حسن حظها أن الشارع كان شبه فارغ بسبب تلك الأجواء، كانت تشعر بالنشوة والرضا فلم تتوقع أن يحالفها الحظ إلى هذه الدرجة لتستطيع رؤية ليوناردو وفيوليت معًا بالصدفة. كانت تحب الجلوس في المقهى الذي يبعد عن الجامعة مئة متر، اعتادت القدوم هنا في عطلة نهاية الأسبوع صباحًا لتحظى ببعض الوقت لنفسها برفقة كتاب، رغم أنها لم تحب القراءة يومًا إلا أن تلك الأجواء في ذلك المقهى تدفعها للقراءة ولو قليلًا، ومع ذلك هي لم تكمل رواية كاملة إلا نادرًا. بينما كانت تقرأ اليوم تركت الكتاب من بين يديها فجأة بضجر وبدأت تراقب الطرقات، وعندئذ لمحت ليوناردو بالصدفة وهو يمشي على رصيف الجانب الآخر. هي تعرف أنه يسكن بسكن الطلاب وهو قريبٌ جدًّا‏ من الجامعة، لكن تفكيرها بأنه «يتسكع كالعادة فقط ببساطة» تحول إلى استهجان واستغراب عندما ركب سيارة ما رُكنت بمكان قريب من المقهى على الجهة الأخرى. لقد رأت ليوناردو بضع مرات من قبل وهو يتمشى عندما كانت تأتي خلال الأسابيع الماضية، لكنها لم تعتد أن تراه مع أحد من قبل. حالما بدأت تتفحص تفاصيل السيارة لم تكترث بدايةً، ولكنها بعد أن دققت النظر أكثر عرفت أنها سيارة فيوليت، وكيف تخطئ وهي تراها تركبها كل يوم؟ ومن غيرها قد يتواجد برفقة ليوناردو! لم تكن توقعاتها مجرد شكوك واهية، لقد أصابت. استطاعت أن تصبح قريبة من سيارة فيوليت بعد أن خاطرت وزادت السرعة قليلًا رغم أن الأرض كانت زلقة.
ظلت تتبعهم حوالي نصف ساعة أو أكثر وقد بدؤوا يبتعدون عن المناطق السكنية وبدأ المكان حولهم يخلو من الحياة و قد كانت تتسائل بفضول عن وجهتهم.
خففت السرعة قليلًا بعد أن بدأت تلمح حاجزًا كبيرًا يسد الطريق، ركنت سيارتها بعد أن لاحظت توقف السيارة الأخرى عند بوابة كبيرة. شاهدت ليوناردو ينزل من السيارة ليقترب من جانب البوابة، وما هي إلا دقائق حتى فُتحت البوابة. لم تستطع أن ترى ماذا فعل بالضبط؛ كانت المسافة بينهم لا بأس بها فلقد حرصت على ألا تكون مرئية. عاد ليوناردو ليركب السيارة من جديد ثم انطلقت فيوليت بسيارتها وأُغلقت البوابة من خلفهما فورًا.
تنهدت آنجل بانزعاج عندما أغلقت البوابة خلفهما، لقد خرجا خارج حدود المدينة بالتأكيد وهذا يعني أن فيوليت خرقت إحدى المحظورات عندها. ابتسمت فلقد أدركت مدى روعة تلك الفرصة التي جاءتها على طبق من فضة لتقضي على فيوليت.
كانت فيوليت تحاول المحافظة على هدوئها وعدم إظهار ما تشعر به من توتر بسبب انتظارهم أمام باب ألبرت بعد أن قرع ليوناردو جرس الباب. لقد كانت مهتمة جدًّا‏ بمراقبة كل شيء حولها، كل شيء رغبت أن تتعرف عليه في العالم الخارجي من قبل جعلها تتأمل جميع التفاصيل. لقد بدا لها كعالم تعس للغاية، لم يكن هذا ما تطلعت لرؤيته، كانت تظن أنه سيكون مفعمًا بالحياة ولكن كل ما رأيته هو أشخاص يسيرون كالموتى يتتبعون خطواتهم فقط لا أكثر، حياة هادئة حتى الملل ومنازل شبه مظلمة. لم يكن الثلج هنا بكثافة الثلج في مدينتها. بدأت ذاكرتها تعود لما حدث في هذا الصباح ولكنها كانت تحاول النسيان كل ما قفزت الذكرى إلى رأسها، لم تستطع منع الدموع التي تندفع إلى عينيها في كل مرة تتذكر بها، وربما هذا ما جعلها ترى العالم هنا أكثر ظلمةً مما هو عليه. فُتح باب البيت ليظهر من ورائه ألبرت الذي بدا لفيوليت وكأنه في عقده الخامس بشعره الأسود الأشعث، والذي اكتسى الشيب أكثر من نصفه. حدق بهما ثواني ثم ابتسم و هو يقول:.
«أهلًا، تفضلا. ».
ألقى ألبرت التحية على ليوناردو ثم حيا فيوليت بحرارة ليطلب منهما الجلوس في الصالة على الأريكة. لقد كان هذا أبسط منزل تراه فيوليت على الإطلاق، حتى بناؤه بدا عاديًّا جدًّا‏ عكس المنازل الفارهة في مدينتهم.
«لا أصدق مجيء هذا اليوم التاريخي الذي استطعت رؤية أحد من زملاء ليو». قال ألبرت مبتسمًا وهو يتجه نحو خزائن المطبخ المجاور مباشرةً للصالة. بدأ يخرج بعض الصحون الزجاجية من الخزانة.
ابتسمت فيوليت وهي ترمق ليوناردو ثم قالت:«أستطيع تصديق هذا بسهولة، فلقد رأيت الأمر بعيني. ».
ضحك ألبرت بينما كان منشغلًا بسكب المعكرونة في الطبق المستدير الكبير ثم قال:«ليوناردو لا يتغير أبدًا!».
أثارت جملة ألبرت الأخيرة البهجة في نفس ليوناردو، وقد شعر أن ألبرت يعرفه منذ زمن طويل من خلال حديثه، ولكنه لا يستطيع انتقاص العلاقة بينهما والتي أصبحت قوية في غضون فترة بسيطة، ربما لأنهما استطاعا أن يفهما بعضهما جيدًا، فحتى هو يشعر أنه يعرفه منذ زمن طويل.
«يبدو أنني أصبحت حديث الجلسة، ربما سيكون من الأفضل لو تركتكما وحدكما للتكلم براحة أكبر». قال ليوناردو ساخرًا.
«لا عزيزي الأمر، لا نحتاج إلى هذا؛ فسنتكلم عنك براحة تامة وأنت هنا، لا مشكلة. ».
ضحك كلٌّ من فيوليت وليوناردو على جملة ألبرت، وقد شعرت فيوليت ببعض البهجة بعد أن ضحكت قليلًا. نهض ليوناردو من مكانه ليقف بجانب ألبرت في المطبخ ثم قال:«هل تحتاج إلى مساعدة؟».
ابتسم ألبرت وهو ينحني ليفتح باب الفرن ثم أجابه ساخرًا:«وماذا ستفعل لي إن طلبت منك المساعدة؟ عزيزي، أظن أن رجلًا واحدًا يكفي جدًّا‏ لتفجير المطبخ. ».
ضحكت فيوليت بهستيرية على رد ألبرت، لم يوحِ شكله الذي بدا لها كئيبًا أنه يملك روح الدعابة، رغم أنه يتعامل ببرود حتى مع الدعابات التي يلقيها ولكنها حقًّا تضحك الآن رغم أنها تمر بأصعب لحظات حياتها على الإطلاق، ربما هو كذلك أيضًا، فأحيانًا نستطيع الحكم على الكتاب من عنوانه وهذا ما شعرت به تجاه ألبرت.
بدأ ألبرت وليوناردو يصفان الصحون والأطباق على مائدة الطعام. استأذنت فيوليت لتذهب إلى الحمام وتغسل يديها بعد أن دعاها ألبرت لمشاركتهم وجبة الغداء.
همس ألبرت بأذن ليوناردو بعد أن اختفت فيوليت عن ناظريه:«هل ستنهي المهمة اليوم؟».
هز ليوناردو رأسه بالنفي، فقد جاء كل هذا صدفة ولم يخطط لأي شيء وقد ظن أن هذه المرة غير مناسبة أبدًا، خاصةً وأنه كان من المحتمل جدًّا‏ أن يكشف أمرهما قبل أن يستطيعا الخروج من المدينة، لذلك فضّل أن يتأكد بدايةً قبل أن يقدم على أي خطوة قد يندم عليها لاحقًا.
امتعضت ملامح ألبرت وقد نظر إلى ليوناردو نظرة لم يفهم مغزاها بالضبط، لكنه همس له على عجل وهو يبتسم:«سنتحدث لاحقًا. ».
كانت فيوليت قد خرجت من الحمام وحضرت لتشاركهم وجبة الغداء.
اتسعت عينا جورج وهو يستمع إلى ابنته ثم قال بانفعال:- ما الذي تقولينه؟ هل أنت متأكدة؟
– لقد رأيتهما وهما يغادران المدينة خارجًا، لم أصدق عينيّ ولكن هذا ما حدث.
بقي جورج صامتًا يحدق في الفراغ ولكنه في داخله يشتعل غضبًا، لقد حذرهم مرارًا وتكرارًا من خطورة إبقاء تلك الفتاة بينهم ولكن لم يستمع له أحد، والآن حدثت هذه المصيبة وربما ليست وحدها ابنته التي رأتهما يغادران. أخبرهم برنالد أن ليوناردو مُنح بطاقة تسمح له بالدخول والخروج كما اشترط عليهم ألبرت ولكن حسب كلامه أن الوضع سيكون مراقبًا، ولكن كيف واليوم يوم من أيام عطلة نهاية الأسبوع، وتكون معظم المراكز في إجازة وحتى تكون الرقابة محدودة؟
نهضت آنجل من مجلسها على الكرسي أمام مكتب والدها، ووقفت وظهرها باتجاهه ثم قالت بنبرة اصطنعت بها البراءة:«لقد سمعتهم يقولون شيئًا لم أفهمه. ».
عاد جورج لينظر إلى ابنته ثم سأل من فوره:«ماذا سمعتِ؟».
حاولت أن تتلعثم قليلًا وهي تقول:«أشياء عن رحلات الكواكب وما شابه، لم أفهم ما قصدا بالضبط. ».
انتفض جورج من مكانه ثم قال بتوتر وأوصاله ترتعد:«ماذا سمعتِ بالضبط؟ أخبريني!».
توترت آنجل قليلًا وأجابت متلعثمة:«لا أعرف، قلت لك أنني لم أفهم ما كانا يتحدثان عنه، ثم إنني لم أستطع سماع الكثير. ».
عاد جورج ليجلس مكانه بعد أن خارت قواه وامتعضت ملامحه التي زادت من تجاعيد وجهه.
«حسنًا، اذهبي الآن صغيرتي ولا تخبري أحدًا أبدًا بما رأيت أو سمعت. ».
أومأت آنجل ثم اتجهت نحو الباب لتخرج وتغلقه خلفها.
ظهرت على وجهها ابتسامة رضا ثم تنهدت بارتياح. لم تكن تظن أن أمر تدمير فيوليت سيكون بتلك السهولة، كما أنها أضافت شيئًا من مؤلفاتها لتنهي الموضوع نهائيًّا وتضمن النتيجة. كل ما كان عليها فعله هو استغلال الحادثة السابقة، فلقد عرفت في المرة السابقة أن موضوع الكواكب ذاك قد أثار حنق والدها وجعله يغضب، حتى أنها عرفت أن تغيب فيوليت تلك الفترة لم يكن صدفة، هي تعرف أن هذا الأمر وراءه سرٌ خطير وأن فيوليت قد اقتربت من منطقة المحظور. استخدمت تلك الكذبة كتجربة فقط ولم تعرف إن كانت ستصيب أم لا، ولكن يبدو أن توقعاتها لم تخِب وليس عليها الآن سوى أن تجلس في أول صف لتشاهد ما سيحصل.
رغم أن البرد كان قارصًا في الخارج والثلوج تغطي كل مكان، إلا أن فيوليت أصرت على الذهاب إلى حيث الزهور الأرجوانية بعد أن أنهوا وجبة الغداء. ورغم أنها تعرف أن هناك احتمالًا كبيرًا جدًّا‏ ألا تجد الزهرة على قيد الحياة في هذا الجو البارد، إلا أنها ما زالت مصرة على الذهاب مع جنون الفكرة. لم يكن المكان بعيدًا جدًّا‏ عن منزل ألبرت، وما هي إلا عشر دقائق حتى وصلا إلى إحدى الحدائق بمحاذاة الشارع العام، وقد كانت الشمس على وشك المغيب. كانت الأرض زلقة بسبب تجمد طبقة من الثلج فوقها وبالتالي واجها صعوبةً حتى وصلا إليها. دخلت فيوليت خلف ألبرت من باب سور الحديقة. أول ما وقعت عيناها عليه هو ألعاب الأطفال المغطاة بالثلج والمقاعد كذلك، كان كل شي مكسوًّا باللون الأبيض، وكانت مياه البركة الصغيرة متجمدة فقد كانت تلمع كقطعة ألماس. وقف ليوناردو أمام أحد الأشجار التي تبعد قليلًا عن مكان الألعاب، كانت هناك ساحة مليئة بالثلج:.
«كانت أزهار البنفسج هنا قبل أن يزيلوا عنها العازل الذي يقيها من برودة الخريف و الشتاء». قال ليوناردو مبتسمًا.
بدأت فيوليت تمشي حيث أشار ليوناردو، كانت قدماها تغوص داخل طبقة الثلج. كان الشعور منعشًا جدًّا‏ ومريحًا يذكرها بتخيلاتها الطفولية عندما كانت تعتقد أن بإمكانها المشي على الغيوم، وأن قدميها ستغوصان داخل الغيوم كما تغوص في الثلوج الآن وقد اعتقدت أن الغيوم كالقطن. كانت تخطو خطواتها وعيناها لا تفارقان الأرض كأنها تبحث عن شيء فقدته وسط تلك الثلوج. توقفت وسط المكان ثم انحنت لترى الزهرة الأرجوانية الذابلة من قرب، كانت تلك الوحيدة التي بقيت ذابلة على قيد الحياة دون أن تموت تحت أكوام الثلج. فكرت فيوليت أن تلك الزهرة تعاني الآن كثيرًا لأنها وحدها على قيد الحياة بينما تبكي بسبب شقيقاتها اللواتي ماتوا أمامها، ربما هي حية فعلًا ظاهريًا لكنها ماتت حتمًا منذ أن أصبحت وحيدة تنتظر الموت. النجاة في ظروف صعبة لن تكون من حسن حظك، النجاة لتعيش وحيدًا أو تموت وحيدًا ليس نجاة بل عذابًا. ربما هي أيضًا نجت من مجزرة ما لتعيش في مكان لا تنتمي إليه حيث يشير الجميع إليها بسبب اختلاف عرقها، حتى والدتها في النهاية ليست والدتها الحقيقية. كادت دموعها تسقط وتبدأ بالبكاء متناسيةً موضعها لكن شعورها باقتراب ليوناردو أيقظها.
«من حظك أنك وجدتِ واحدة. ».
كان تفكير ليوناردو الإيجابي عندئذ عكس تفكيرها تمامًا. حاولت أن تخفي أي أثر للبكاء وهي تنهض من مكانها أمام الزهرة الأرجوانية.
«ألا يملك خالك أي عائلة؟» قالت له بعد أن قفز ذلك السؤال مجددًا إلى رأسها، فلم تستحسن طرحه أمام ألبرت.
– لا، ليس لديه، إنه وحيد.
– شعرت بذلك، كما أنه يبدو حزينًا، أعتقد أن لديه مشكلة.
كان ليوناردو يشعر أن لدى فيوليت قدرة على فهم الأشخاص حولها، ربما هذا طبيعي لكنه هو مَن لا يحسن هذا الشيء أو ينتبه إليه، فلم يعتد أن يهتم بأحد لم يحظ هو سوى باهتمام من شخص واحد فقط في حياته.
– إنه كتوم ولا يحب التحدث عن مشاكله، حتى معي.
– أحيانًا نصبح كتومين لأننا لا نجد من يهتم لأمرنا، حاول أن تشعره أنك تهتم له وعندئذ سيبوح لك بما يشعر وستستطيع مساعدته، ومع هذا هو شخص مرح رغم كل شيء.
صمتت قليلًا ثم أتبعت وهي ترفع حاجبيها بشي من الاستنكار:«وأنت، ما مشكلتك؟ أعتقد أنها أكبر من مشكلة خالك حتى. ».
نظر نحوها باستغراب ثم أجاب مستنكرًا:«وكيف لك أن تعرفي؟».
ابتسمت وهي تقول:«من تصرفاتك، لا تشبه خالك أبدًا، فرغم أنني أستطيع أن أرى حزنه إلا أن لديه حسًّا فكاهيًّا مرحًا للغاية، وهو أيضًا شخص اجتماعي نسبيًا. ».
اقتربت فيوليت نحو إحدى المقاعد وبدأت تزيح الثلج عنه ثم قالت وهي تجلس:«حسنًا، أستطيع تفهم خالك لأنه واجه من الحياة ما لم نواجهه نحن بعد فهو أكبر سنًّا، ولكن ما الذي يجعل شابًّا في سنك يشعر من حوله وكأنه يعيش يومه هذا رغمًا عنه؟».
لم يعرف ليوناردو إن كان ما قالته فيوليت عنه توًّا واضحًا للجميع أم أنها هي من تستطيع فهم ما يخفيه الأشخاص من أحزان، فهو يبدأ كل يومٍ من أيامه مجبرًا فعلًا.
قال وهو يقترب ليجلس على الطرف الآخر من المقعد:«أبدو هكذا عندما أتواجد في مكان غير مألوف. ».
رمقته فيوليت بنظرة مشككة ثم قالت:- ربما لا يحق لي التطفل على خصوصياتك، و لكن لا تعش كل يوم مع أحزان الماضي فهذا يجعلك تتعذب مع كل لحظة تتنفس فيها وأنت على قيد الحياة، فهذا لن يفيد كثيرًا.
– ولكن من لم يعايش ألمًا ما لا يستطيع أن يطلب من الآخرين نسيان آلامهم والعيش وكأن شيئًا لم يكن.
جرّت جملة فيوليت لسان ليوناردو على قول ما لم يرغب بقوله، وحاول ردع نفسه عن قوله منذ البداية، لكن رد فعل فيوليت كان هادئًا جدًّا‏ عكس توقعاته وهي تقول مبتسمة:.
«ربما أنا لا أعرف عن آلامك شيئًا حقًّا، ولا ألومك إن اعتقدت أن من يعيش حياة باذخة لا يملك من الهموم والآلام شيئًا، ولكن صدقني، لا أحد يعيش بسعادة غامرة لا تشوبها أحزانٌ أبدًا في العالم بأسره، لكن كل شخص باستطاعته مساعدة نفسه على النهوض. ».
لم يكن ليوناردو ليتوقع أبدًا أن تكون شخصية فيوليت هكذا، فقد اعتقد سابقًا أنها ستكون فتاة سخيفة ومتكبرة تتحدث طوال الوقت عن مقومات الحياة الباذخة، وأنه سيضطر لتحمل ثرثرتها حتى تتم المهمة، ولكن الأمر عكس ذلك، بل ربما تلك الفتاة التي كانت بنظره مدللة لديها آلام أيضًا.
«أعتقد أنكِ لم تكوني بخير هذا الصباح. » قال بعد أن استشعر شيئًا من كلامها وتذكر كيف كانت ملامح وجهها هذا الصباح، لكنه لم يهتم حينئذ لسؤالها.
اتسعت ابتسامة فيوليت لتضحك بجدية تامة على ما قاله ليوناردو، ولكنه استنكر رد فعلها.
«لم أتصور أن تكون النتيجة بهذه السرعة. » صمتت قليلًا ثم أتبعت قائلة «أحيانًا نعيش ونغوص في عالمنا ونعايش أحزاننا لننسى ما نعيشه من حولنا. ».
شاركها ليوناردو الابتسامة دون أن يستوعب تمامًا رد فعله ذاك، ربما لأنه فكر أن كل شخص يقابله يود تعليمه شيئًا وهو طالب نجيب يحفظ الدرس بسرعة.
ركب كلٌّ من فيوليت وليوناردو السيارة عائدين إلى المدينة بعد أن غابت الشمس.