رواية وريث آل نصران الجزء الثالث للكاتبة فاطمة عبد المنعم الفصل الثالث والسبعون

رواية وريث آل نصران الجزء الثالث للكاتبة فاطمة عبد المنعم الفصل الثالث والسبعون
لا تغادره صورتها، نظراتها المستغيثة، صوتها وهي تنطق اسمه، من أجلها، لم يكن بشير يدري هل ألامه الجسدية أقوى أم الخوف من فقدانها، اعتاد على الذهاب للمشفى كل يوم منذ تحسن حالته بعض الشيء من أجلها، ولكن علا ورغم إفاقتها مازالت حالتها لا تطمئن سواء الجسدية أو النفسية، رفض كل محاولات عيسى في أخذه معه إلى الاسكندرية، عيسى الذي لم يتركه منذ الحادثة، حتى حين اضطر إلى الذهاب من أجل ملك، وعد بالعودة بعد يومين، لم يتركه فيهما وشأنه أيضًا، يهاتفه عيسى كل دقيقة حتى أصابه الضجر، ويرسل يوميًا أصدقاء له من أجل الاطمئنان، أخر ما توصل إليه أن وجود ممرض لعدة أيام لن يضر، ابتسم بشير على أفعال صديقه التي شرد فيها أثناء جلوسه على المقعد جوار فراش علا في هذا المشفى الذي صار يمقت كل زاوية فيه، مسح على كفها بلطف وما إن فتحت عينيها ولمحته حتى همست باسمه:.

بشير.
منحها ابتسامته، وقبل أن تحاول الحركة طالبها:
خليكي زي ما أنتِ.
لم تفارقه عيناها، رأى ألمها فيهما، وعبراتها وهي تصرح:
أنا تعبانة أوي يا بشير، أنت بجد كويس ولا بتضحك عليا؟
أشار على نفسه يرد عليها مطمئنا:
أنا قدامك زي الفل أهو، متفكريش في حاجة، المهم تكوني كويسة، الدكتور قال إن حالتك بتتحسن، أنا عارف إنه صعب بس علشان خاطري استحملي شوية.

هزت رأسها وهي تتمسك بكفه، وكأنه سيفر منها، ومسد هو على خصلاتها بينما جلس في الخارج عيسى والذي ما إن مر الطبيب حتى استوقفه سائلا عن حالتها، ورد عليه:
احنا بنعمل اللي علينا والله، هي عملت كذا عملية، وكمان متنساش إن وضعها مكانش مستقر لحد وقت قريب، بالإضافة لحالتها النفسية، كل ده طبيعي يخليها لحد دلوقتي هنا، بس كل اللي يهمنا دلوقتي إنها بتتحسن عن الأيام اللي فاتت، ادعيلها.

وقبل أن يرحل توقف ليقول ما تذكره للتو:
وياريت تتكلم مع والدتها، أخر مرة جت تزورها، عملت مشاكل كتير.
أبدى عيسى استغرابه فشرح له الطبيب كل شيء، وما إن انتهى حتى استأذنه يرحل، وبمجرد رحيله، وجد عيسى كوثر أمامه، اعترض طريقها وسعت هي لإبعاده قائلة:
وسع من سكتي، عايزة أشوف بنتي.
أسند عيسى ذراعه على الحائط وهو يلقي على مسامعها:
جوزها عندها جوا، ومبيحبش الإزعاج…
أتت لتقاطعه فأوقفها حين نطق يكمل ما بدأه:.

وتاني مرة لو حاولتي تعملي مشاكل هتصرف معاكي ومش هعمل احترام لسنك، عايزة تاخديها من ورا جوزها وتروحي بيها فين وهي حالتها كده، أنا قولتله بلاش النسب اللي يعر ده بس مسمعش الكلام.
ودافعت عن حقها في ابنتها بانفعال:
دي بنتي.
وبنفس الانفعال رد عليها:
بنتك اللي بغبائك سلمتيها لمحسن ولولا بشير مكانش زمانها لسه عايشة؟
ارجعي من مكان ما أنتِ جاية، أنا فوقتلك بقى خلاص، وبنتك دي تنسيها.

علا صوتها، وتضاعف اعتراضها حتى يمنعه أحد عما يفعل، ولم يعبأ هو بل قال:
غني بقى من هنا للصبح.
وحاولت التريث حتى لا يتطور الأمر أكثر فطالبته بهدوء:
أي حد هنا لو عرف إنك مانعني عن بنتي هيدخلني ليها.
جوزها اللي مانعك، أنا مالي.
قالها ببراءة وكأنه لم يفعل شيء، ومن جديد تحاول معه:
اسألها وهي هتقولك بنفسها دخل أمي.
كان على يقين من أن ابنتها ستفعل ذلك، أغمض عينيه بسأم قبل أن يرد عليها مبتسمًا بتسلية:.

حاضر هسألها، بس قبلها هسألك كام سؤال لو جاوبتي عليهم هدخل اسألها علطول.
انتظرت ما سيقول، وياليته ما قال، لم تكن تدري ما الذي يلقيه على مسامعها وهو يسأل بهدوء:
لماذا في مديتنا؟
يصيدون العواطف والعصافيرا
بدا على وجهها أنها لا تدرك ماذا يريد، وقبل أن تحثه على التوقف، أكمل ما بدأ بنفس ابتسامته:
لماذا نحن قصديرًا؟
وما يبقى من الإنسان حين يصير قصديرًا؟
حاولت تخطيه وهي تهتف بانزعاج غير مصدقة ما يتفوه به:.

قصدير إيه وبتاع إيه اللي بتتكلم عنه ده، وسع خليني أدخل للبت.
وفشلت محاولاتها بسببه، هو الذي يستمر في قطع الطريق أمامها مكملا وصلته الساخرة:
دي أسئلة سألها نزار قباني، أوعدك لو جاوبتي عليهم هدخلك، من غير ما تندهيلي دكتور ولا تعملي مشاكل، وهخلي بشير كمان يسيبها تروح معاكي، بس تقوليلي الأول لماذا نحن قصديرًا؟

لو قال لها أحدهم الآن أن الواقف أمامها هارب للتو من إحدى مشافي الأمراض العقلية ستصدقه، ما هذا الذي يسأله ويرغب في الجواب عليه أيضًا!
وأمام ذهولها هذا داهمها هو:
تيجي نسيبنا من القصدير، وتقوليلي شاكر فين؟
كانت ابنتها في الداخل، وصل إليها صوتها، شعر بشير بارتعادها، زاد تمسكها بكفه وهي تطالبه برجاء:.

متخليهاش تاخدني وتمشي من هنا يا بشير، لو أنت مش عايزيي طلقني، بس علشان خاطري خليني هنا لحد ما أقف على رجلي وأنا همشي، أمي بتقولي هنروح بيتنا، أنا خايفة منه، خايفة من محسن.
قالت جملتها الأخيرة وبدأت في نوبة بكاء لم يعهدها بشير مسبقًا معها، نوبة لم يساعد في إخمادها سوى صوت بشير يخبرها:
محدش هياخدك من هنا يا علا، أنا مش هطلقك، ومش هسيبك، متخافيش من أي حاجة، محسن ده خلاص مبقاش يقدر يقربلك تاني.

احتضنها، ولم تفلته هي، ظلت متشبثة به، وصله صوتها الحزين تسأله:
يعني أنت مش زعلان مني، أنا يومها كنت السبب في كل ده، علشان خرجت من وراك وروحت لماما، بس والله أنا كان نفسي أشوفها و…
قطع عليها طريق الحديث، وأخبرها برفق:
لما تبقي أحسن هنتكلم، متتعبيش نفسك دلوقتي في التفكير، ارتاحي بس.

كالبلسم هو، وجدت فيه ما لم تجده عند أحد، تخشى وبشدة ضياعه، وبكل أسف تعلم أن تواجدها معه سبب في أذاه، ولكن رغم كل شيء وجدت نفسها حين سيطر عليها خوفها تتمسك به هو، تغمض عينيها بسكينة الآن على صدره، بلا عقاقير تجبر ثورتها على الخمود، تجبرها على النوم، وكأن أفضل دواء لها ليس إلا هو، هذا ما أدركته حين شعرت بقبلته على رأسها، وحينها فقط تمنت لو أن العالم يتوقف عند هذه اللحظة بالتحديد، يتوقف هنا.

لم يغادرها إلا حين انتهى موعد الزيارة، ترفض المشفى تمامًا تواجده كمرافق، لولا هذا لما تركها أبدًا، كان عيسى ينتظره في السيارة وما إن ركب بشير حتى سمعه يقول:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أنت قالب وشك كده ليه؟
ولم يرد بل قال:
أنت لازقلي من الصبح ليه، قولتلك خليك، أنا بقيت أحسن على فكرة، كل شوية بس حد جاي يخبط عليا واكتشف أنت اللي باعته، هتفضل طول عمرك موسوس.
ضحك عيسى بتسلية قبل أن يعلق:.

لو كنت جيت معايا إسكندرية كنت رحمت نفسك من وسوستي، عموما أنا جيتلك بنفسي أهو، بس كنت محتاج اطمن على ملك اليومين اللي فاتوا.
أنا مش مصدقتش الحاج المرة اللي فاتت لما قال إنها حامل، مش قادر أتخيل إنك أب، ده منظر أب ده؟
سأله بشير ممازحًا، ورد عليه صديقه:
ده أنا هبقى أحسن أب في الدنيا، خف أنت بس حقد.
ضحك بشير على قول عيسى وأسرع يطالبه:
لو ولد هتسميه بشير أنا اللي حجزت الأول.
وأبدى عيسى اعتراضه يخبره:.

كفاية عليا بشير واحد.
صمت عيسى قليلا قبل أن يقول منبهًا:
على فكرة أمها جت، والدكتور قالي إنها حاولت تاخدها وتخرج من كام يوم، عموما أنا وقفتلها وهي زهقت ومشيت، وأنت أظن كده عامل اللي عليك للأخر، أول ما بنتها تبقى كويسة تبعد نفسك بقى عن العالم دول كلهم.
رأى عيسى في عيني صديقه أن حديثه لا يعجبه ثم أكد بشير ذلك حين ألقى على مسامعه:.

مفيش حاجة اسمها كده يا عيسى، أبعد نفسي يعني إيه، أطلقها يعني؟، أنا علا تهمني حتى لو أنت رافض العلاقة دي، بس لازم تفهم إنها بقت مراتي ومش هطلقها، وبحبها كمان على فكرة، وأنا عارف خوفك عليا، بس أنا مش هتخلى عنها، ومش هخسرك.
بس أنا كنت هخسرك بسببهم.
واجهه عيسى بجملته، وأكمل دون انتظار رد بشير:.

وهي مش هتبقى في حياتك لوحدها، معاها أهلها كلهم، وفكرتك عن إنك هتبعدها عنهم أظن فشلها واضح قدام عينك، مع أول فرصة جريت على أمها واتسببت في اللي حصل.
ولم يجد بشير قول ليجعله يصمت سوى:
لو هتفضل تتكلم في نفس الموضوع ده يبقى بلاها كلام أحسن علشان أنا تعبان.
ومجبرًا صمت عيسى، ذهب به إلى منزله، وأثناء توجه بشير ناحية الغرفة سمعه يقول:.

أنت هتعمل فيها زعلان بقى والجو ده، خلاص يا عم أنا غلطان، أنت حر، اطلبلنا أكل بقى علشان أنا جعان.
حرك بشير رأسه بمعنى ألا فائدة منه، جلس على الأريكة، وأمامه عيسى، ثم سأله:
عرفت صحيح أخر الأخبار؟
بدا التساؤل في عينيه، وأرضى بشير فضوله بقول:
باسم اتجوز ندى.
ضحك عيسى بغير تصديق، وبان هذا في قوله:
لا مش مصدق.
والله اتجوزها، عرفت من واحد صاحبنا.
أكد له بشير المعلومة، وانتظر تعليقه حتى سمعه ينطق:.

والله الدنيا دي غريبة، لو كان من كام سنة حد قالي إن كل ده هيحصل مكنتش صدقت، عموما باسم بيحبها من زمان، ربنا يوفقهم سوا.
سأله بشير بفضول يتشوق لمعرفة جوابه:
أنت زعلان؟
طالعه عيسى باستنكار قبل أن يرد قائلا:.

أنت هتخيب ولا إيه، وأنا إيه اللي هيزعلني يا أخويا، القديم ده كله أنا ماسحه من زمان، وعلى فكرة أنا محبتش غير ملك، لو كان اللي حسيته ناحية ندى ربع بس اللي جوايا لملك، كان زمان مفيش حد في حياتي لحد دلوقتي.
علق بشير مازحًا:
مخلص أوي.
طبعا عندك شك في كده.
جوابه هذا أكده بشير قائلا:
لا طبعا معنديش، وأنا أنسى لما طلقتها كنت عامل ازاي.
أبدى عيسى عدم رضاه عن حديث صديقه وهو يخبره:
بلاش السيرة دي بقى.

أنهى جملته وتناول هاتفه، يرسل لها على تطبيق المحادثات وأتاه ردها سريعًا تعاتبه:
بتنزل القاهرة من غير ما تقولي!
محبتش أصحيكي، صعبتي عليا، أنا على بكرا هتلاقيني عندك.
طمأنها بجوابه، ولم يتوقع أن يكون ردها:
أرجع دلوقتي، ولو عايز تروح تاني خدني معاك.
ود بالفعل لو عاد في التو ولكنه لن يقدر فأخبرها بأسف:
الدكتورة قالت ترتاحي، وأنا مش هينفع أرجع دلوقتي بشير هيزعل، وعندي شغل كمان لازم يخلص.

ترفض رفض قاطع وكأنه يسعى لمراضاة يزيد وليس هي، وبان هذا في قولها:
بشير بقى كويس الحمد لله
وتسببت في قلقه عليها حين أرسلت:
أنا خايفة أوي يا عيسى، كل ما بحاول أنام بحس بحاجة بتخنقني.
تذكر صراخها حين استيقظت من نومها بفزع، لم تطمأن رغم تأكيده أنه جوارها، كانت تتمسك به، ترفض أن يبتعد أبدًا، لم يعد يدري سبب ما يحدث لها كل ليلة، هي حتى لا تقص عليه ما تراه في نومها ويتسبب في إزعاجها لهذه الدرجة.

مازحها وهو يرد:
نامي النهاردة وخدي يزيد في حضنك، وبكرا هتلاقي عم يزيد بنفسه عندك.
وتعلم كيف تثير استفزاز جيدًا، فكتبت له بغيظ:
طب خليك لشغلك وصاحبك بقى، أنا هروح أقعد عند ماما شوية.
لو هناخديني معاكي وتستضيفيني في أوضتك زي أخر مرة معنديش مانع.
كان يبتسم وهو ينتظر ردها، واتسعت ابتسامته وهي تكتب له:
ده بعينك.

لم يكن يرد أن يخبرها بسبب ضيقه الحقيقي من العودة، شرد في أخر نقاش مع والده وطاهر، تذكر كيف طالباه بالجلوس من أجل الحديث، جلس في مكتب والده، حل الصمت حتى بدأ والده الحوار قائلا:
محمد اللي كان هنا امبارح ده رائد، أبوه كان صاحبي، وعيلته كلها رتب ما شاء الله، أنا اتكلمت…
استدعى عيسى الهدوء قبل أن يستأذن والده مقاطعًا حديثه:
بابا معلش ممكن أقول حاجة قبل ما تكمل كلامك.

انتبه له طاهر ووالده باهتمام وتحدث هو بما أراد قوله:.

موضوع شاكر ده مش هيتحل لو اتقبض عليه، عنده طرق كتير يطلع منها، مفيش حد شاف اللي حصل غير ملك وشهد، وأكيد أنت مش هتوافق إنهم يتبهدلوا، وهمشي معاك للأخر وهفترض إنه جبناه وسلمناه، لما يتقالنا إيه سبب إنهم لما طلبونا قبل كده وقت ما أخته بلغت عنه مأكدناش اتهامه رسمي هنقول إيه، أكيد مش هنقول مكناش عارفين، وأكيد برضو مش هنجيب سيرة ملك وشهد، وحتى لو جبنا وراحوا شهدوا، برضو موقفهم ضعيف، وأقل محامي معاه هيقول إننا طلبنا منهم يقولوا كده.

وضح له طاهر ما يرى أنه نقطة قوة بالنسبة لهم قائلا بإصرار:
هو موقفه ضعيف يا عيسى، مش هيقدر يبرر سبب إنه اختفى، حتة إنه في الورق الرسمي ميت دي وهو موجود أكتر حاجة تضعف موقفه.
حتى دي يا طاهر هو برضو يقدر يلاقيلها مخرج، أنت عارف إنه هو و ثروت قلبوا على بعض؟
عارف إنه ممكن يروح لحتة إنه يرميها على ثروت، ممكن حتى يقول إنه بعد الحادثة كان عنده مشاكل صحية وفي ألف ممكن وممكن.

توقف هنا، وطالع والده، رأى عدم الرضا في عينيه، فعاد يؤكد محاولا إقناعه ولم يتراجع:
لو في احتمال إنه يتحبس، في قصاده واحد إنه يطلع، أنت عمرك ما كنت عايزه يتحبس، أنت حتى مخلتش حد يقرب من فريد الله يرحمه بعد اللي حصل، بس أنا عارف أنت بتعمل كده دلوقتي ليه.
لم يرد نصران بقى صامتًا يطالعه بلا إبداء أي تعبير، تنهد بتعب قبل أن يقول بابتسامة:.

لا أنت مش عارف، لما تبقى أب هتعرف، لما تخسر عيل من عيالك بعد ما ربيت وكبرت وبقى شاب زي الورد، وتلاقي نفسك خايف كل لحظة تخسر التاني هتعرف يا عيسى، أنا كنت غلطان لما من الأول سمحت إنك تكون طرف في الموضوع ده، كنت غلطان لما كنت بسمع كلامك وسايبك وأنت هامل حياتك ومركز في اللي مضيعك.
حاول طاهر التحدث، سعى لتهدئة والده ولكن نصران أكمل ما بدأه يلقي على مسامع ابنه وداخله يحترق:
عارف امتى اتأكدت إني كنت غلط؟

لما شوفتك بتبيع روحك في الحادثة، كنت فرحان بيك الأول وبقول عيسى مبيخافش من حاجة، قلبه جامد، هو اللي هيحاوط على كل حاجة من بعدي، بس لما جربت أخسرك عرفت إني غلطت، أنت طول عمرك بعيد عني، لا عايز تريحني ولا ترتاح، غضبك عاميك، قولت مينفعش شاكر يروح علشان هيرتاح، وأنت مش عايزه يرتاح، بس أنا اكتشفت إني مش هبقى مبسوط لو هو بيتعذب وابني حياته ضايعة بس علشان كده.

طالع طاهر نصران بعتاب، ربت على كتف عيسى الذي ينظر لوالده بحزن، وتحدث بدلا منه:
عيسى بيروح لدكتور يا حاج، وحياته غالية عنده ومش هيضيعها علشان في عيلة مستنياه، في مراته وابنه اللي جاي، ومش هو لوحده اللي كان شايف الم، وت راحة لشاكر كلنا كنا شايفين كده
واستدار لعيسى يحثه على محاولة تفهم موقف والده:.

وأنت يا عيسى، الحاج خايف عليك، خايف علينا كلنا، شاكر دلوقتي زي ما أنت قولت في الورق الرسمي مش موجود، لما كان معانا قبل ما أم عز تعمل اللي عملته أبوك كان يقدر يخلص منه بس خاف عليك، خاف بنت ثروت تعمل أي حاجة تجر رجلك، ولا ثروت نفسه يأذيك، أبوك كان هيتصرف من غير ما حد فينا يبقى ليه دعوة، بس الله يسامحها أم عز.
وأبدى نصران خوفه في قول:.

أنا مش هرتاح طول ما هو موجود، طول ما أنا قاعد مش عارف هو هيأذيك ازاي، ولا أنت دماغك هتوزك عليه بإيه.
اقترب عيسى من والده، تبادلا النظرات، بداخل كل منهما الكثير، خشى طاهر وبشدة أن يتصادما، وتضاعف قلقه حين سمع صوت عيسى:
أنا دماغي مش هتوزني على أي حاجة، مش أنت قولتلي خليك براها، لو هيريحك إني معرفش حاجة عن اللي ناوي عليه أنت وطاهر هخليني براها حاضر..

وأنا مقولتش تبقى براها، أنا قولت تمشي باللي أنا أقول عليه، وتقول حاضر ومتتصرفش من ورايا.
أخبره والده بالمطلوب، ورد هو وقد حسم أمره:
لو حاضر بتاعتي هي اللي هتريحك يبقى حاضر على أي حاجة بعيد عن مل…
وتوقع والده ما سيقول فقاطعه ينبهه:
ملك بنتي، وأكيد أنت عارف إني مستحيل أعمل حاجة تخليها تتمس.
وأكد طاهر على قول نصران يطمأن عيسى:.

الحاج من الأول قايل إن أي حاجة تخص الموضوع ده، محدش من بنات الست هادية ليه دعوة بيها.
هز عيسى رأسه موافقًا قبل أن يسأل:
في حاجة تانية المفروض أسمعها أو أقول عليها حاضر؟
لم يرد نصران، علم أن ابنه يرغب في قول المزيد، هناك ما لم يبح به، وقبل أن يسعى طاهر لحل الوضع، هتف عيسى بابتسامة:
طيب كويس، بما إن مفيش حاجة تانية، كان عندي طلب صغير يا حاج لو مش هتقل عليك.
وصرح بطلبه لوالده الذي ينصت له باهتمام:.

تبطل تتعامل معايا على إني مجنون.
وبعد تصريحه لم ينتظر رد، ترك غرفة المكتب وحمد ربه على أنهما لم يحاولا إيقافه، لم يكن يريد لحظتها إلا أن يرحل، يصف حالته الآن عبارات أمل دنقل حين قال:
آه..
مَن يوقِفُ في رأسي الطواحين
وَمن يَنزعُ من قلبي السكاكين!

لا مأوى لها سوى غرفتها، العالم بأكمله لا يتسع لها، دخل ثروت غرفة ابنته، لم تنتبه له، رأى أنها تتناول أحد الأقراص، جلس على المقعد المجاور لفراشها وهو يسألها:
إيه الدوا اللي أخدتيه ده يا بيري؟
ردت عليه وهي تطالع هاتفها:
مش مهم.
ابنته تلك الزهرة التي رافقتها الحيوية، يراها الآن ذابلة، وكأنها ليست هي، يفتك به الحزن من أجلها، ربت على كتفها وهو يعطيها وعده:.

أنا هدفعه تمن اللي عمله غالي، هعملك كل اللي أنتِ عايزاه، بس علشان خاطري اسمعي الكلام وتنزلي اللي في بطنك ده، علشان متفضليش طول العمر مربوطة بيه.
ضحكت، وصل له السخرية التي غرقت فيها ضحكتها وتيقن منها حين قالت:
بس أنا عايزة الطفل ده، وعلى فكرة أنا الدكتورة قالتلي إن نسبة إني أجيب طفل تاني ضعيفة، وبعدين متقلقش يا بابا، أنا كده كده طول العمر مش هنسى شاكر، سواء بالبيبي أو من غيره.

وقبل أن ينطق والدها بحرف، أكملت هي بإصرار:
ولا هخليه ينساني.
النبرة التي تتحدث بها ابنته لم يعهدها من قبل، يخشى عليها مما تفكر فيه، يشعر الآن بأن
أكبر جرم ارتكبه في حياته هو موافقته على اقتران ابنته بشاكر، وبانت مخاوفه هذه في قوله:.

أنا مش عايزك تعملي حاجة تأذي نفسك بيها يا بيريهان، أنا طول الوقت كنت بعمل اللي يرضيكي، من أول جوازك منه لحد ما غطيت على اللي بيعمله مرة واتنين وتلاته، بلاش تكسريني يا بيري.
ابتسمت، طالعت والدها، والألم تصفه عيناها، وهي تعلق على ما قال:
أنت برضو يا بابا مطلعتش من الجوازة دي خسران، وحتى لو، المصنع اللي حضرتك بنيته على الأرض بتاعة شاكر هيعوض أي خسارة.
ورغم عنه تحدث بانفعال وقد طفح كيله:.

ده كان اختيارك يا بيري، اختارتي تصدقيه مع إني قولتلك إني مش مرتاح.
وأنت اختارت توافق مع إنك مش مرتاح، اعتبرت قلة راحتك دي وهم، وافقت على الجوازة علشاني اه مش هنكر، بس برضو كان في سبب تاني، أنت وشاكر كسبتوا من بعض كتير أوي يا بابا، وأنا مش زعلانة على فكرة، محدش مسؤول عن قرار خدته غيري، بس ياريت بقى لا تعاتبني ولا أعاتبك.

أنهت حديثها ولم يرحمها من هذا الجدال إلا الدق على باب غرفتها، مديرة المنزل تخبرها أن ابنة عمها هنا، تركها ثروت ونبهها أن حديثهما لم ينته بعد، ودخلت لها ندى التي هرولت ناحيتها قائلة باشتياق:
وحشتيني.
اغتصبت بيريهان ابتسامة وهي ترد عليها:
وأنتِ كمان، طمنيني عليكي
رأت السعادة في عينيها، وكأنها تحيا للمرة الأولى، شعرت ندى بصورة باسم تتجسد أمامها وهي تجاوب:
أول مرة أحس إني كويسة كده.

انتبهت ندى على ابنة عمها، شحوبها، ووزنها الذي خسرت منه الكثير، تشفق عليها منذ ذلك اليوم الذي أخبرتها فيه عن حملها بانهيار، تذكر صراخها، رغبتها في التخلص من هذا الطفل، ثم انعزالها وبعد ذلك تراجعها عن القرار دون إبداء أي سبب، مسحت ندى على وجهها وهي تقول بقلق:.

بيري حبيبتي أنتِ وشك أصفر كده ليه، مينفعش كده، على الأقل تهتمي بنفسك علشان خاطر البيبي اللي اختارتي إنك هتحتفظي بيه، أنا هقوم أقولهم يحضروا الغدا، وهناكل سوا.
لم تكن تهتم بأي مما يقال، انتظرتها حتى أنهت حديثها، ثم طلبت منها:
معلش يا ندى هطلب منك طلب، كنت عايزاكي تكلمي كوثر والدة شاكر وتطلبي منها تقابليها في أي مكان برا.
طالعتها باستنكار، لم تصدق ما طلبته منها، وبان هذا في اعتراضها:.

أنتِ أكيد بتهزري، مش كفاية اللي حصل، عايزة إيه من العالم دول تاني، أوعي تقوليلي إنك بتفكري تسامحيه!
ولم تمتلك الرد، فقط الرجاء، ربتت على كتف ابنة عمها وهي تطالبها:
علشان خاطري يا ندى تعملي اللي قولتلك عليه، ويلا قومي قوليلهم يحضروا الغدا.

قالت جملتها الأخيرة بابتسامة، لم تجد ندى في نظراتها سوى التيه، ابنة عمها التي كانت تفهم ما يدور في رأسها من نظرة واحدة لم تعد كما كانت، أدركت الآن فقط أن من أمامها نسخة باهتة من أصل ضاع وبكل أسف لم يعد يعلم أين المفر.

تناول الغداء مع صديقه، الذي داهمه النوم بعد أن تناول الدواء، ناداه عيسى برفق وما إن استيقظ منتبهًا طالبه:
أدخل نام في أوضتك.
استجاب بشير الذي لم يكن يرى أمامه، وما إن دخل حتى توجه عيسى إلى حاسوبه، إنه الموعد الذي أخبره طارق طبيبه بإمكانية أن تكون جلستهما فيه اليوم، كانت عبر الإنترنت بسبب استحالة ذهابه إلى شرم الشيخ في هذا التوقيت، بدأت محادثتهما وشعر طارق بأن عيسى لديه ما يريد قوله فحثه هاتفًا:.

تقدر تتكلم دلوقتي.
طالعه عيسى عبر شاشة حاسوبه، هذه المرة يشعر وكأن الكلام هرب منه، لا يعلم من أين يبدأ، تنهد بتعب قبل أن يقول:.

بابا، من ساعة ما رجعت من شرم الشيخ وهو متغير، من بعد الحادثة عموما، بقيت حاسس إنه بيعاملني وكإني يزيد الصغير، ومهما حاولت أقنعه إن في حاجات كتير قبل الحادثة فيا غير بعد الحادثة مش بيقتنع، مقتنع بحاجة واحدة بس، إن اللي بيسوقني غضبي، الكلام اللي كان الزفت الدكتور القديم قايله.
استفسر منه طارق محاولا البحث عن سبب لهذا:.

من وقت ما رجعت من شرم الشيخ عملت أي حاجة تخليه يفكر كده، يعني مثلا انفعال وعصبية على حاجات متستاهلش، خناقات مبتقدرش تتحكم في نفسك فيها، النوبة جتلك قدامه، أي حاجة من دي؟

مفتكرش لا، بالعكس أنا من ساعة ما رجعت بحاول أكون أهدى، بتحصل حاجات كتير تخليني اتعصب وبحاول اتحكم في العصبية دي وأحجمها، حتى لما حصلت مواقف كبيرة زي حادثة بشير ونصحتني وقتها أمنع أي استجابة لو في ردود فعل سريعة عايز أخدها حاولت أعمل ده، ساعات كنت بحس ببوادر النوبة بس برضو ده مكانش قدامه، أنا بعمل كل اللي بتقولي عليه، حتى العلاج مش بنساه، أنا متأكد إن مفيش حاجة حصلت قدامه من بعد ما رجعت تخليه يقلق.

وضح كل شيء، وهو يحاول تذكر إن كان قد فعل شيء في الأونة الأخيرة يجعل والده يقصيه هكذا من كل شيء ولكنه لم يجد
انتبه حين سمع طارق يعلق:.

طيب هو عموما مش لازم تبقى عملت حاجة الفترة الأخيرة، عادي ممكن تكون معملتش أي حاجة، لكن تصرفاته دي نابعة من خوفه إنك تعمل، والدك لسه متوقف عند وقت الحادثة، دماغه واقفة عند نقطة إنه ممكن في أي لحظة يسمع إنك عملت حاجة وفي خطر وهو عرف بعد ما الوقت اتأخر، واقف عند النقطة قبل ما تنتظم في الجلسات وعلاجك، وقت ما كنت بتروح لدكتورك القديم تقضية واجب كده.
سأله عيسى بعدما استمع إلى كل ما ألقاه عليه:.

يعني هو شايف إن ممكن عادي أبقى متابع مع الدكتور بس مش مهتم، فالموضوع زي ما هو، لسه غضبي اللي بيحكمني.

جايز طبعا بنسبة كبيرة، وعايز أقولك حاجة هو مش عايز يبعدك عن أي شيء إلا لسبب إنه خايف تعمل تصرف يخسرك بسببه، أنت قولت إنه أهم حاجة عنده استقرارك الفترة الحالية، افتكر إنه خايف الاستقرار ده يبوظ تاني، فحاطك تحت عينه علشان ميبقاش طول الوقت خايف، وممكن طبعا يكون الموضوع زاد منه لدرجة وصلتلك إنه بيعاملك على إنك صغير، بس لازم تفتكر إن اللي اتعرضله من شوية، هو خسر ابنه الأول، وكان معرض يخسر التاني، وحتى لما مخسروش شاف حياته وهي بتبوظ، فطبيعي مفاهيم كتير عنده هتتغير، خوفه هيزيد، وتصرفاته كمان.

وضح له طارق كل شيء، شعر عيسى أنه رغم عدم غفلته عن أغلب هذه النقاط إلا أنه كان بحاجة للتذكير.
بدا حائرًا، ولا يعرف المخرج وهو يستفسر:
طب والحل؟
وأعطاه طارق أحد الحلول مقترحًا عليه:.

ممكن نجرب الحوار، هتستمر زي ما أنت بتحاول ترجعله ثقته في تصرفاتك تاني، وإن لحظات الانفعال الشديدة مبقتش موجودة طول الوقت زي قبل كده، هو قالك هتخليك تحت عيني وتقول حاضر، حققله اللي هو عايزه، وواحدة واحدة ممكن تبدأ تتكلم معاه، وتعبر عن اللي بيضايقك، وتسمع منه، وأهم حاجة، أسمع ومتحكمش ولا حتى تحاول تدافع، كل اللي أنت هتعمله إنك هتسمع وتطمنه.

يطمأنه، هذا ما يخبره طبيبه أنه يتوجب عليه فعله، والده لا يحتاج سوى أن يطمأن، واتخذ قراره بأن يبذل قصارى جهده حتى يجعله كذلك.

منذ أن استيقظت ملك وهي تبحث عن رفيدة، أثناء بحثها هذا ناداها نصران، تحركت ناحية غرفة مكتبه، لم يكن بابها مغلق، دخلت وسألها هو:
عمالة تلفي كده، بتدوري على مين؟
أخبرته بابتسامة وهي تجلس على المقعد المقابل له:
على رفيدة بس مش لاقياها، هي باين عليها مش كويسة خالص يا عمو، حتى عيسى قالي ابقى أنزل أتكلم معاها، أنا هاخدها ونروح عندنا، تقعد شوية وشهد ومريم بيعملوا صداع ينسي أي حد هو زعلان من إيه.

ضحك على قولها الأخير، وعلق عليه قائلا:
ده كده أنا اللي محتاج اقعد معاهم.
ابتسمت، وقال هو وقد طرأ على باله للتو القهوة التي تعدها والدتها:
عارفة يا بت ملك أنا نفسي في فنجان قهوة من اللي بتعمله الست هادية.
على فكرة أنا بعرف أعمله زيها.
أخبرته بضحكة واسعة، ورأت حماسه وهو يطالبها:
طب ما يلا، اعمليلي فنجان.
وأحبطت أمله حين قالت:
عيسى قالي لو لقيتك أصلا بتشرب قهوة، أخدها منك.

حرك رأسه وهو يردد ألا فائدة من أفعال ابنه، ثم سألها باهتمام:
طمنيني عليكي، أنتِ متعرفيش فرحتي كبيرة ازاي بالعيل الجاي ده.
وفرحتها أيضًا، إنها تتلهف لرؤيته، لمسه، ترغب وبشدة لو أتى الآن، وبان هذا في جوابها:
أنا الحمد لله كويسة أوي، وعيسى راح معايا للدكتورة كمان، حاسة إن عيسى برضو أحسن، ومبسوط أوي، مش مصدق نفسه.

تملكه شعور الرضا، هذه العبارات يمكنها أن تسعده لأعوام قادمة، بعد ذلك لمحت رفيدة فسمح لها نصران بالخروج، توجهت إليها وبصعوبة أقنعتها بأن تأتي معها، تركتها لشقيقتيها، وتوجهت هي إلى والدتها في المطبخ، أخذا يثرثرا معًا، وانتبهت ملك لقول والدتها:
رغم إني مبطقش الست سهام دي، بس أنا مقدرة خوفها على بنتها.
واعترضت ملك قائلة:
مش بالطريقة دي يا ماما، ده حتى عمو مش راضي عن اللي عملته.

كانت هادية تفتح الفرن لتطالع الموضوع بداخله حين وصل لأذنيها باقي قول ابنتها:
صحيح يا ماما، عمو قالي النهاردة إنه هو نفسه أوي في فنجان قهوة من بتاعك، بس أنا…
آه.
لم تكمل بسبب التأوه الذي صدر من والدتها التي أفقدها الحديث انتباهها فتسببت السخونة في أذاها.
تحركت ملك ناحيتها ولكنها طمأنتها وهي تضع يدها أسفل الماء:
مفيش حاجة أنا اتلسعت بس.
وتابعت تسألها وهي تحاول إخفاء اهتمامها:.

هو قالك كده ليه، إيه المناسبة يعني؟
عادي قالها في وسط الكلام.
قالت هذا، ولم تكن تشعر بوالدتها التي تتسارع دقات فؤادها الآن، ابتسمت هادية بحنين امتزج بحسرتها على حب لم تطله أبدًا، وحياة تمنتها وبكل أسف لم تحظ فيها بلحظة واحدة.
ذهبت ملك إلى غرفتها مع شقيقتيها، وجدت مريم و رفيدة على الفراش، وتقف شهد أمامهما تستعرض ثوب زفافها وهي تحثهم:.

ما تخلصوا وتقولوا رأيكم، هو احنا هنفضل كتير في الحزن والنكد ده، كله من الرجالة، والله تخلوني أفكر متجوزش.
وما إن رأت ملك حتى سألتها:
أنتِ كمان جوزك مزعلك؟
وأشارت ناحية مريم قائلة:
مش قادرة تسامح اللي جارحها
وبعد ذلك رفيدة وهي تتابع:
ودي جارحة واحد ومش قادر يسامحها.
رأت ملك ابتسامة رفيدة و مريم فضحكت هي الأخرى وهي تشير لهم على شقيقتها بألا يهتما بحديثها، ولكن شهد جذبت انتباههم من جديد وهي تذكرهم:.

أنا فرحي قرب خلاص، يعني كلكم كده تركنوا حزنكم على جنب وتهتموا بيا علشان نرتب كويس ويطلع يوم جميل.
وقبل أن تنطق أي واحدة منهن وقفت هي أمام المرآة وضعت الثوب عليها وهي تقول بابتسامة:
هبقى أحلى عروسة في الدنيا.
ونظراتهم لا تحمل سوى السعادة، وكأنها نثرت من حماسها عليهن فأصبحت كل واحدة منهن متشوقة بشدة لهذا اليوم.

لم تكن تعلم ندى كيف ستنفذ ما طالبتها به ابنة عمها، لم تكن تصدق حتى أنها ستقوم بالاستجابة لها، ولكنها وبكل أسف وجدت نفسها بعد أيام تجلس في أحد المقاهي في انتظار والدة شاكر، لم تكن الجلسة ودية على الإطلاق، وما إن انتهت حتى توجهت ندى إلى سيارة ابنة عمها المتوقفة في الخارج، ركبت جوارها وبدأت بيريهان بسؤال:
قالتلك إيه؟

قالت متعرفش عنه حاجة، واتكلمت بمنتهى قلة الذوق، وقعدت تعدلي في المصايب اللي عندها وكإني سبب فيها.
أخبرتها ندى بهذا وتنهدت بيريهان قبل أن تسألها:
وأنتِ قولتيلها إيه؟
أبدت ندى عدم رضاها وهي تخبرها:.

قولتلها اللي حضرتك قولتيلي أقوله، لما قالت إنها متعرفش عنه حاجة ادتها رقمك الجديد وقولتلها لما تعرفي ياريت تقوليله بيريهان محتاجاك عايزة تقابلك، لكن أنا عمري ما هسيبك تروحي تقابلي الحيوان ده، أنا لحد دلوقتي بعملك اللي أنتِ عايزاه، بعد كده لا.

هزت بيريهان رأسها موافقة، وهي تقود سيارتها لمغادرة المكان هنا، كانت تنتظر أي استجابة منه بعد ما أوصلته لوالدته، حمدت الله ألف مرة على سفر والدها الذي أخبرها أنه سيستغرق عدة أيام تقريبًا، بقى فقط أمر الحراسة المشددة التي فرضها عليها في غيابه، لا تتحرك دونها، ولكن قررت أن تجد حل لهذا.

لم يمر سوى أيام، حتى وصلها على هاتفها رسالة من رقم لا تعرفه، احتوت على موقع، وموعد أيضًا، حسمت أمرها وقررت الذهاب، كانت في أبهى طلة، أتت لها ندى ونزلت هي، كانت ندى تنفذ ما طلبته وهي غير مقتنعة تمامًا، حيث نبهت أحد الحراس:
بيريهان هتيجي معايا بيتي، ملوش داعي تكونوا معاها.
وحين أتى ليرفض أتت بيريهان التي ردعته قائلة بحدة:.

أكيد مش هتلازموني عند بنت عمي كمان، قول لبابا لو كلمك إني معاها هو هيطمن، وأنا كمان هبلغه.
وهكذا رحلت برفقتها، لم تكن ندى تعلم أي شيء، وظلت تحاوطها بالأسئلة بإلحاح:
قوليلي احنا هنروح فين، إيه ال location ده، وبعدين باسم أنا قايلاله إني عندك، لو عدى هناك ياخدني هتبقى مشكلة.
ابقي قوليله خرجنا في أي مكان.
هكذا جاوبت ببساطة وهي تعيد وضع الحمرة على شفتيها، تطالع مظهرها في المرآة برضا.

كل هذا جعل ندى تقول بلا تصديق:
أنتِ رايحة تقابلي شاكر؟، أنا هرجع، مستحيل أمشي معاكي في اللي بتعمليه ده.
واقترحت بيريهان وقد طفح كيلها:
انزلي واطلبي أوبر، واديني عربيتك أخلص مشواري أنا.
هذه الأفعال لو أقسم لها أحدهم سابقًا أنها ستصدر من ابنة عمها لم تكن لتصدقه، قبل الموقع بمسافة ليست بالطويلة طالبتها بيريهان:
نزليني هنا بقى، واركني واستنيني في العربية.
تمسكت ندى بيدها أخذت تلح عليها بنبرة باكية:.

بيري علشان خاطري، أنا خايفة أوي، بلاش تروحيله.

تجاهلت ما تسمعه تمامًا، أغلقت باب السيارة، وتحركت وهي تطالع هاتفها حتى وصلت إلى حيث أُرسل لها، مكان أشبه بدكان متهالك، كانت البوابة مفتوحة، دخلت ولكنها لم تجده، لم تناد عليه، أخذت تدور بعينيها في المكان تتأمله والاشمئزاز يحتل وجهها، وبغتة دخل استدارت فورًا حين شعرت به وهو يقوم بإنزال البوابة حتى أغلقها، وقفت أمامه تتأمله، إنه حبيبها، إنه خذلانها الأكبر، لم يقترب، كان يطالعها بشغف لأول مرة تراه في عينيه، نطق اسمها بلهفة لم يكن يكذب فيها أبدًا:.

بيري.
اقتربت منه، وقفت هي أمامه، وضاع في عينيها وهو يبدي ندمه على ما بدر منه:
أنا أسف.
ولم يتوقع أبدًا أن يكون الرد قبلة، تجمد مكانه، ولا يتملكه سوى الذهول الذي تضاعف وهو يسمع همسها:
وحشتني.

لم تعد تعرف للنوم طريق، الأحلام المزعجة لا تتركها أبدًا، تشعر بالاختناق وفجأة استيقظت تصرخ بفزع، لم يكن جوارها، انتبه على صوتها من الخارج فأسرع إليها، أصابه الضيق من أجلها مما طرأ عليها الفترة الأخيرة، أعطاها الماء وهو يجلس جوارها، تناولته واستندت على صدره، وأخذ يمسح على خصلاتها، ثم طالبها برفق:
طيب قوليلي في إيه بيخليكي كل يوم تقومي مفزوعة بالشكل ده؟
كانت قد سكنت جزئيا، تحدثت وهي تحاول طمأنته:.

كوابيس متلغبطة، صدقني مفيش حاجة أحكيها.
هل تخبره أنها رأته الليلة يُقتل، كان غارقًا في الدماء في منامها، حاولت التقاط أنفاسها ثم سمعته يقول:
أكيد بتفكري في حاجات تسبب ده، حوالي بعد كده قبل ما تنامي متفكريش في حاجة مش كويسة.
هزت رأسها بابتسامة، احتضنتها نظراته وهو يمسح على خصلاتها، ويقول لها:
يلا تعالي كملي نوم، هنام أنا كمان أحسن تعبت أوي النهاردة.

تمددت من جديد، أعطته وجهها، أغمضت عينيها باطمئنان وهي تشعر بلمساته على خصلاتها، هذه اللمسات التي توقفت فجأة وفتحت عينيها وهي تسمع:
تصدقي إني حمار.
لم تكن تفهم مقصده، إلا حين توقفت أنامله أسفل أذنها، أدركت حينها أنه لمح ما أخفته عنه فابتسمت وهو يلقي على مسامعها متابعًا:
وحمار كبير كمان، بقى هي هنا بقى.
وتصنعت عدم الفهم وهي تحاول إبعاد يده سائلة:
هي إيه اللي هنا.

لم تبتعد يده، ظلت أنامله عليها وهو يخبرها:
التفاحة، مش أنا قولتلك هعرف مكانها لوحدي، بس على فكرة كده ظلم، المكان ده مش شائع.
علت ضحكاتها، وحذرته بنظراتها قبل قولها:
طب خليني أنام بقى، علشان لو صحيت خمس دقايق كمان، مش هخليك تتهنى بنوم النهاردة.
ورد هو ضاحكًا، يصرح برضا تام:
وأنا أطول ملك بنفسها تضيعلي وقتي، عيسى ونوم عيسى تحت أمرك.
ضمته وهي تحثه وقد نال قوله إعجابها:
رضيت عنك، خلاص نام يلا.

وبالفعل تمدد جوارها، ضمها هو الأخر، وتبدلت حالتها كليًا، حضوره وأد فزعها الذي استيقظت به قبل قليل، وتحول الآن إلى سكينة تامة فقط لأنها في حضرته.

هناك أمسيات تحمل معها كل ما هو مصيري، كذلك كانت هذه الأمسية، حيث على سطح منزل نصران وأعلى أحد الأسوار جلس عيسى وبجواره طاهر، كانت العتمة مسيطرة على الأجواء عدا ضوء القمر، نفث عيسى دخان لفافة تبغه بعدما أشعلها وعرض على طاهر الذي اعترض قائلا:
أنت مش بطلت يا بني؟
هز رأسه مؤكدًا:
قللت اه علشان ملك وابنك بيتضايقوا منها،
هتصدعني أنت كمان هرميك من هنا.
ضحك طاهر وضربه على كتفه قبل أن يقول:.

بكرا يجيلك اللي يطلع عينك، ابنك ولا بنتك بقى هما اللي هيربوك بجد.
بادله عيسى الضحكة وبان رضاه في قول:
موافق جدًا.
حل الصمت لدقائق قبل أن يسمعا خطوات تأتي من الخلف، نظرا لبعضهما في إشارة إلى ألا يهتما بهذه الخطوات، وبالفعل استمرت حالتهما هكذا حتى نطق الواقف في الخلف:
افتكر إني مش محتاج مسدس، قعدتكم على السور دي ممتازة جدًا، هتخلي كل حاجة أسهل.

انتظر الواقف خلفهما جواب، وطال انتظاره حتى سمع دندنة كان مصدرها عيسى الذي أغمض عينيه وارتسمت الابتسامة على وجهه وهو يقول:
بانو بانو بانو على أصلكم بانو
والساهي يبطل سهيانه
أكمل طاهر الغنوة متجاهلا هو الأخر من حدثهما قبل قليل:
ولا غنا ولا صيت
دولا جنس غويط
وكتاب ما يبان من عنوانه
وبضحكة واسعة هتف عيسى معه منهيًا الغناء:
بانو أيوه بانو
ثم علق بإعجاب:
الله عليك طاهر…
بقولك إيه سمعت حاجة من شوية؟

هز طاهر رأسه نافيًا، وأكد عيسى بتسلية:
ولا أنا.
ثم عادا للغناء، وكأن ما قيل لهما لم يكن سوى سراب، سراب صاحبه يقف خلفهما، وكل ما يريده أن يأكد لهما أن السراب يجب أن يخافه المرء أيضًا.
ولكن ما يريده لن يتحقق هنا، في منزل نصران، بادر عيسى بالنزول وتوجه ناحية الواقف، كان أمامه ويسمعه وهو يقول:
محتاج أتكلم معاك.
ولو يتوقع أن يتم مقابلة طلبه، باستمرار دندنة عيسى الذي تابع ما بدأه مع طاهر:.

دوروا وشكوا عني شوية
كفياني وشوش.
ولم يجد إلا أن الواقف أمامه يجاريه، يخبره ضاحكًا:
الكلام اللي هقوله مهم أوي بخصوص الوش اللي غدر بيك بالتحديد.
لا طالما ناوي تسمعنا حاجة، يبقى تعالى يا طاهر بقى، أنت حتى فرحك كمان كام يوم، وأكيد محتاج تسمع حاجة حلوه.
كان طاهر بالفعل في طريقه إليهما، توقف جوار عيسى وسمعا الواقف أمامهما يسأل باهتمام لم يسع لعدم إظهاره:
فرحك على شهد ؟
وكان رد طاهر إشارة على السور خلفه وقول:.

السور اللي ورانا ده أنا اللي هرميك من عليه لو نطقت اسمها تاني.
نظر لعيسى الذي رفع كفيه مؤيدًا:
وأنا معاه، مبسيبش أخويا.
بس أنا بقى بسيب أخويا.
قالها جابر صراحة، كانت مفاجأة كبرى، رأى في نظراتهما عدم فهمهما، فأكمل بلا تراجع:
أنا أخويا حبيبكم أوي، تعرف شاكر ابن مهدي.
قول جعل عيسى يصرح:
حتة عالية أوي اللي أنت ضاربها دي.
وبإصرار أكد جابر:.

كان نفسي والله أبقى ضارب فعلا، بس للأسف اللي بقوله ده الحقيقة، اللي واقف قدامك…
وأشار على نفسه متابعا ونظراته تنذر بكل شر:
أخو شاكر مهدي.
وبضحكة ساخرة نطق:
أنا بنفسي اللي اتفقت مع الرجالة اللي خلصوا على مهدي بالغلط، خلصوا على أبويا.
وكل هذه الأقوال دفعة واحدة، تجعل الليلة ملحمية، تجعلها تضاف إلى قائمة مميزة ما يأتي بعدها لا يشبه ما قبلها، قائمة الليالي التي لا ننساها أبدًا.