رواية أسد مشكى الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم رحمة نبيل
رواية أسد مشكى البارت الرابع والعشرون
رواية أسد مشكى الجزء الرابع والعشرون
رواية أسد مشكى الحلقة الرابعة والعشرون
الرابع والعشرون | أين هي |
صلوا على نبي الرحمة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
كان الوضع على أشده في القصر ولم يدرك أحدهم الخطوة القادمة، ولأول مرة ينجح ذلك المدعي للرجولة أنمار في تشتيت الصفوف والنفوس لوقت ما .
نجح في تشتيت العقول وبكل سهولة، لم يكلفه الأمر سوى سهم وبضع قطرات من السم، واختطاف امرأة وربما ذلك الجزء كان اسهلهم فهو سبق وفعل الأمر مئات المرات وما يزال يفعل وسيفعل .
كانت النساء هو الجزء الذي يمنحه سيطرة ذكورية مؤقتة وجرعة انتصار فعالة، لذا حتى وبعد كل ما حدث له لم يتراجع عن أفعاله بحقهن.
لكنه لم يحسب حسابًا لوجود تلك الدخيلة في حجره …..
كانت تجلس في تلك الغرفة بكل هدوء لا تصرخ ولا تقاوم ولا تصدر اصواتًا تخبرهم حتى إن كانت ما تزال حية، ولا تسمح لأحدهم بدخول غرفتها .
فقط تجلس هناك في ركن الغرفة تضم جسدها وهي شاردة الأعين، صامتة وكأنها تحلق في عالم آخر، روحها تطوف بعيدًا عن كل هذه القذارة، وعقلها كان معه ..
سقطت دمعة دون شعور وهي تغمض عيونها تستند على ذراعها بهدوء شديد، ولا تدري حقًا متى كانت آخر مرة بكت، ربما كانت قبل شهور من مجيئها هنا بسبب تذكرها والدها وشعورها بالوحدة، لكن كل ذلك تلاشى حينما أبصرته، والآن هو كذلك على وشك التلاشي .
زادت دموعها انهمارًا وهي تهمس بكلمات غير مسموعة، تخاف وترتعب من أي ضرر قد يكون مسه وهي ليست جواره، تدعي أن يكون السهم أخطأ قلبه، القلق يملء جسدها رغم ادعاءها قوة أمام الجميع إلا أنها ترتجف داخليًا من ألا تأتيها النجدة هذه المرة كما كان يحدث معها سابقًا .
تخشى ألا تأتيها النجدة في المرة الوحيدة التي تمنت بها الخروج من كل ذلك حية، المرة الوحيدة التي كان لديها ما تعافر لأجله، المرة الوحيدة التي امتلكت من ينتظرها .
فجأة انتفض جسدها بعنف وهي تسمع صوت صرخات مرتفعة تأتي من الخارج، نظرت صوب الباب بأعين شاردة غير مهتمة، لا تهتم بشيء بقدر الخروج من هنا أو حتى الإطمئنان على أرسلان ولو بكلمة .
لكن اصوات الصرخات ازدادت والتي اتضح بعد ثواني أنها صرخات …فتاة صغيرة ؟؟
نهضت سلمى من مكانها تتحرك صوب الباب بتحفز لا تفهم ما يحدث وتخشى أن تكون هذه مجرد وسيلة لجذبها خارج وكرها الذي تتخذه درعًا .
لكن اصوات استنجاد الفتاة خلع قلبها من صدرها وهي تفتح الباب بسرعة تتقدم بخطوات سريعة صوب التجمع الذي لاحظته جوار أحد المنازل وصوت الصراخ يرتفع وأصوات الرجال تصدح بشكل مرعب لتزداد خطواتها بقوة وهي تصرخ :
_ ماذا تفعل بهن، ماذا تفعل أنت ؟!
توقفت يد الرجل والذي كان في طريقه لجذب الفتاة من أحضان والدتها، واستدار سلمى يرمقها بنظرات تقييمية قبل أن ينأى عنها بنظره صوب الفتاة الصغيرة والتي كانت بالكاد تتم الحادية عشر أو ربما أكبر قليلًا، يجذبها من أحضان والدتها صارخًا بضيق وقد استنفذت المرأة صبره :
_ هيا دعيها، اتركي الفتاة أخبرتك أنكِ ستحتفظين بها لحين تنضج ومن ثم تكون لي .
كلمات كثير نطق بها ذلك الرجل تحت مسامع سلمى التي لم تفهم مقصده ولم تدرك غرضه، نظرت للجميع ترتجي توضيحًا ولو كان بنظرة، لكن الجميع كان يحاول مساعدة المرأة ومنع الرجل من أخذ ابنتها منها وهم يدركون أن مصيرها سيكون بضاعة مزجاة لأحد الرجال هنا وعلى يد والدها الذي كان مغتصب والدتها في المقام الأول .
عالم آخر من القذارة كان يختبأ بعيدًا عن جدران الممالك الآمنة، نساء سُلبوا من عوائلهم لسنوات حتى ظن الجميع بهم الموت، وأقاموا لهن سراديب العزاء، وفي الحقيقة كانت تلك السراديب تُقام على أرواحهن، فمنذ اللحظة التي تُسلب بها المرأة من عائلتها لا تعود امرأة مجددًا، بل مجرد أدوات للتكاثر ولزيادة أعدادهم، فإن أحضرت صبيًا كان جنديًا وعونًا للكفار وإن رُزقت بفتاة أصبحت مرتعًا للرجال .
حياة بشعة تختبأ في الجزء المظلم من الممالك بعيدًا عن متناول التطهير الذي شنته الممالك مرات عديدة .
اقتربت سلمى بتردد من الجميع لا تدرك ما يحدث كي تتدخل وتساعد لذا تحدثت بصوت هادئ :
_ الفتاة لا تريد الذهاب معك، لذا دعها فأنت لن تجبر أحدهم على شيء لا يريده .
وكم كانت تلك الجملة مضحكة، ولولا صعوبة الموقف الذي هن به، لكانت النساء حولها انفجرن في موجة من الضحك، فما الذي يحدث معهن وكان بإرادتهن ؟؟
سقطت دمعة الأم وهي تنظر لسلمى والتي كانت تدرك من ثوبها ومظهرها الغير مألوف أنها ملكة مشكى التي جاءت كوافدة جديدة وتناقل الجميع أخبار تحديها لأنمار دون خوف .
_ ارجوكِ ساعديني، يريد سلب ابنتي مني و…
_ توقفي عن الخرف يا امرأة فهي ابنتي كذلك، هيا تعالي يا ابنتي لأحضان أبيكِ.
انكمشت الفتاة في أحضان والدتها وهي تصرخ باكية مرتعبة من مصير أُلقيت له فتيات غيرها، مصيرًا تدرك أن نهايته هلاك لها .
_ ارجوك لا، ارجوك لا أريد، لا أريد.
نظرت لها سلمى وهي لا تفهم ما يحدث وإلى أين سيأخذ الرجل ابنته، ولمَ هذه الممانعة والبكاء، لا يعقل أن كل هذا لأنه فقط يريد أن يحتفظ بأبنته .
علقت بعدم فهم والشك يلوح أمامها:
– ما الذي يحدث هنا؟؟ هلا وضح أحدكم، أين يريد ذلك الاصلع أخذ الفتاة ولماذا يصر على الأمر.
بكت الأم وهي تضم ابنتها برعب وهي تهمس ناظرة لزوجها أو…الرجل الذي نصب نفسه زوجها، دون حتى عقد شرعي أو غيره، هو فقط اختارها من بين النساء وأخبر الجميع أنها له، وبهذا تصبح في عرفهم زوجته، وفي اعرافها مغتصبة …
_ يريد ….يريد بيعها للرجال …يريد المتجارة بها وبيعها لبعض الـ ….بعض القذرين أمثاله ليتخذوها ….
صمتت ولم تكمل ما كادت تنطق به وقد خانت قوتها وشُلّ لسانها، ولم تستطع إكمال كلماتها وهي تهتف بصوت خرج بصعوبة من بين شهقاتها :
– يسعى لتحويلها لنسخة مكررة منا ..
ختمت كلماتها تشير للكثير من الفتيات حولها، وقد رُسمت المعاناة على الأوجه واضحة بشكل مرعب، وكأنها تبصر نسخ مكررة من نفس المرأة بملامح مختلف .
أطلق الرجل صوتًا قذرًا وهو يتحرك صوبها يصرخ بنبرة مهددة :
_ أيتها العـ…..
وقبل إكمال جملته شعر بفكه يتحطم بعد تلقيه ضربة قوية، ليتراجع للخلف بصدمة وهو ينظر لسلمى التي كانت في هذه اللحظة تبصر جحيمًا للنساء على هذه الأرض .
جحيم انعكس في نظراتها للرجل وهي تهتف بكلمات محذرة وصوت مرعب :
_ أسدي معروفًا لذاتك واخفي وجهك من أمامي وإلا جعلتك عبرة للباقية هنا .
اتسعت أعين الرجل أكثر وهو يعتدل في وقفته يتحرك لها بعنف والشر ظاهرًا في عيونه، لكن لم يكد يقترب منها خطوة واحدة حتى مالت سلمى في ثواني معدودة تلتقط صخرة من الأرض وفي ثواني كانت دماء الرجال تتأثر على الوجوه حولها وصوتها يصدح في الجحر بأكمله وهي تصرخ بجنون :
_ لا تقــــــتــــــــــــــرب…
والرجل في هذه اللحظة كان شبه جثة هامدة في الأرض بينما هي نظرت للنساء خلفها وقد كن بوجه شاحب، ثم نظرت أمامها تبصر المزيد والمزيد من النساء والكثير من الرجال الذين بدأوا يتجمعون على صوتها لتصرخ وهي تلوح بالصخرة الملئية بدماء الرجل في الوجوه :
_ ليتجرأ ويقترب أحدكم خطوة واحدة، فقط تجرأوا واقتربوا ..
بدأت نظرات السخرية ترتسم على ملامح الرجال، فالمنطق والواقع يقود لأن تصبح كفتهم هي الراجحة، هم رجال وهي امرأة، هم كُثر وهي واحدة .
لكن يبدو أن غضب وجنون سلمى في هذه اللحظة لم يجعلها تبصر ما توقع به نفسها، ربما في غمرة جنونها نست أنها ليست داخل السجن وهؤلاء ليسوا مقيدين كالسجناء ولا حراس في الخارج للتدخل في حالة تفاقم الأمور .
كل ما كانت تبصره هو الكثير والكثير من هؤلاء النساء الذين كانت تقرأ عنهم في الصحف يوميًا، نساء مقهورات على أيدي ذكور بلا ضمير .
فجأة انقسم التجمع وظهر أحد الرجال الذي وقف أمامها وجهًا لوجه دون أن تهتز له شعرة واحدة حتى يراقبها باستهزار شديد :
– دعي الصخرة وعودي لغرفتك جلالة الملكة ولا تتدخلي فيما لا يعنيكِ .
ابتسمت له سلمى بسمة ساخرة أكثر من بسمته حتى :
– الشيء نفسه لك، ارحل عن وجهي ولا تتدخل فيما لا يعنيك، أنت لا تريد أن ينالك ما نال غيرك .
نظر الرجل صوب ضحية سلمى الاولى وهو يبتسم بسخرية يضرب الرجل في معدته دون اهتمام :
– تقصدين ذلك الضعيف الجبان ؟! هو حتى لم يستطع رد ضربتك، أما أنا يمكنني تحطيم عظامك كلها بضربة واحدة .
اقتربت منه سلمى وهي تنظر له بدقة تراقبه وتسأل يلا مقدمات :
_ أنا أعرفك، رأيتك سابقًا صحيح ؟!
اتسعت بسمة الرجل أكثر باستهانة :
– نعم ذلك اليوم مساءً حينما كنت في إجتماعًا مع زوجك في القصر، دعيني اعرفك بنفسي بشكل لائق أكثر، أنا أصلان قائد جيوش سبز الأول .
صمتت سلمى ثواني تحاول إدراك ما نطق به لتهتف فجأة بصدمة :
_ أوه حقير خائن آخر ؟؟
نظرت له من أعلى وأسفل ثم هتفت وهي تتأتأ بشفقة قبل أن تبصق بصقة وهمية جواره وقد رأى أصلان في هذه اللحظة أرسلان متمثل بها وبتصرفاتها، كان يقف أمام أرسلان بنسخته الأنثوية.
أما عنها تحدثت وهي تنظر له باشمئزاز :
_ سبحان الله يعز رجال اختاروا الذل لأنفسهم، الله فضلك بالعقل والعزة ومنحك منزلة يتمنى الجميع الوصول إليها لتنبذها وتلهث خلف مكانة ينأى عنها البعير، يا حقير .
ختمت حديثها تبعد عيونها عنه دون اهتمام، ثم أشارت للنساء واللواتي كن خمسة وفتاتين، تشير صوب غرفتها :
_ الحقن بي لا قبل لي بتنفس المزيد من الهواء المشترك مع هؤلاء القذرين، ومن تريد الانضمام لنا فلتلحق بي .
ختمت حديثها ولم تكد تتحرك حتى سمعت صوت أصلان يردد :
– هل تنصبين نفسك حامية لهن؟؟ اذهبي لغرفتك وتصرفي كأي ملكة تنتظر الطعام ومن يخدمها، دور البطولة لا يليق بكِ جلالة الملكة .
توقفت تنظر له نظرة جانبية :
– الشيء ذاته لك، الرجولة لا تليق بك، فلا تدعي قوة لا تمتلكها.
نظرت للنساء ثم عادت تجذب أياديهن، وتحركت بهن أمام الجميع تحت أعينهم المصدومة، واصلان يراقبها بأعين هادئة دون أي ردة فعل، قبل أن ينظر للجميع ومن ثم تحرك بعيدًا تاركًا الكل في صدمته والحراس يقفون محتارين، لا يدرون أيجب عليهم التدخل أم الرجوع لأنمار ؟!
وبعد تفكير ثواني اختاروا الرجوع لأنمار والذي كان قد أمرهم بعدم التعرض لها بأي شكل من الأشكال .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عاد واخيرًا بعد رحلة صغيرة مع والده في البلاد وقضاء ليلته في منزل والده، وقد كانت هذه لحظات توديع والده والذي وعده بالعودة له حينما ينتهي من تصفية حياته في العالم الآخر.
_ أبي أرجوك لا تدعني مع هؤلاء الأشخاص، لا أحد منهم طبيعي أشعر أنني في عالم غريب، هذا ليس عالمي لا تجبرني على حياة لم اعتادها ولن أفعل .
تقدم جلال بين طرقات القصر بملامح واجمة من إصرار ولده على نفس الحديث منذ عرف منه أنه سيعود للبرازيل فجر الغد .
_ كان هذا خطئًا أحاول إصلاحه الآن خالد .
توقف خالد يهتف بضيق شديد :
– هذا ليس عدلًا، لا تدفعني لعيش حياة ما، ومن ثم تنتزعني منها بالاجبار لتجبرني مجددًا على عيش حياة لم اعتادها، بل وتحزن لأنني لا اتقبلها أبي.
كانت كلمات خالد مستاءة وقد ضاق به صبره بعد كل ما واجهه من والده والجميع حوله، وكأن الاختيار كان بيده، نعم يدرك أن جزء من حياته كان باختياره وللأسف الجزء السييء هو ما كان، لكن لا أحد منعه أثناء حدوث ذلك، الآن يأتون لمنعه بعد حدوثه .
نظر له جلال بعجز يدرك أن جزء من الخطأ يقع على عاتقه، لكنه لا يود التأخر في إصلاح ما أفسده سابقًا تنفس بصوت مرتفع ولم يكد يفتح فمه للحديث بكلمة حتى أبصر جسد خالد ينتفض حينما رأى العديد من الجنود المصابين يمرون يهم وهم يتحدثون عن …هجوم على موكب الملك .
ضيق خالد ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يراقبهم يحاول إدراك ما سمع منذ ثواني قبل أن يتحرك خلفهم صوب المشفى ليستفسر أكثر عما سمع .
أقدامه تتحرك بسرعة وقد بدأ ناقوس الخطر يطرق داخل عقله .
و بمجرد أن خطى للمشفى أبصر الكثير من الجرحى بشكل مرعب والعديد من الكلمات تتطاير حوله ولم يهتم بشيء منها سوى جملة واحدة ( الملك سيحيل المملكة لجحيم حينما يستيقظ ويكتشف أمر أسر الملكة )
اقترب خالد من الجمع ببطء وهو ينفي ما وصل لعقله وادركه منذ ثواني يتحدث بصوت مرتجف وهو يحاول أن يصف ما يفكر به عل أحدهم يرحم رعبه الذي بدأ يسيطر عليه، يشير بيده مرتجفة صوب الخارج :
_ لقد ….هل أنتم من كنتم رفقة موكب أختي ؟؟ هل كانت معكم في نفس الـ…. الرحلة ؟! لقد. ….ذهبت لرحلة ولم تعد بعد أين هي اختي ؟!
نظر له الجميع دون فهم حول مقصظ حديثه، ليتحدث أحد الرجال بشفقة على شحوبه :
_ أختك من يا أخي، نحن لا نعلم من تقصد بحديثك ؟!
_ أختي…زوجة الملك هي …سلمى .
ظهرت علامات الإدراك على وجوه الجميع وكذلك الحسرة والخزي ونظر بعضهم ارضًا يحمل نفسه مرارة الخزي لفقدهم الملكة، بينما الرجل ابتلع ريقه يهتف بصوت منخفض بعض الشيء :
_ هي ……جلالة الملكة كانت .. لقد تعرضنا لهجوم أثناء عودتنا من سبز وتسبب هذا في خطفها .
شهق خالد برعب وهو ينظر حوله يحاول أن يستوعب ما قيل :
_ أختي ؟؟ خُطفت ؟!
نظر صوب والده المرتعب وهو ينبس برعب :
_ سلمى يا أبي، يا ويلي أين هي ؟! ما الذي فعلتموه بها ؟! لقد …لقد كانت بخير و …..
فجأة ثار بجنون وهو يصرخ بصوت مرتفع في الجميع وقد وصل لأقصى مراحل تحمله :
– لقد كانت معكم ومع ملككم، ما الذي فعلتموه بها ؟! أين كنتم وأين كان هو ؟! أين أختي، ماذا فعلتم بصغيرتي يا قوم؟!
اقترب جلال وهو يحاول أن يهدأ ولده وقد بلغ توتره أشده :
_ خالد أهدأ دعنا نـ
_ أهدأ ؟! يخبرونك أن سلمى تم أسرها ؟! هذه اختي، لقد خطفوها من بين أيديهم بسهولة وهم ماذا فعلوا ؟؟ ماذا فعلوا لها يا أبي ؟!
انتبه سالار لصوت الصراخ الصادر من أمام غرفة أرسلان لذا نهض عن مقعده يتقدم صوب الصوت متعجبًا :
_ خير يا أخي ما سبب صراخك هذا ؟!
استدار له خالد وهو ينظر له بأعين موجوعة مرتعبة مما يحصل مع سلمى :
– ومن أنت لتسألني، بل من أنتم جميعًا، وماذا تفعلون في حياتي أنا واختي ما الذي يحدث هنا ؟! أين كنتم أثناء اختطافها ؟!
نظر له سالار بعدم فهم ليدرك في ثواني وبعد تفكير من يقصد بحديثه، لذا تحرك صوب خالد يجذب مرفقه بهدوء وهو يتنحى به جانبًا :
_ تعالى معي لنتحدث يا أخي و…
ولم يكد يكمل كلماته حتى شعر بمقاومة من خالد وقد بدأ صبره وجنونه يزدادون:
_ لا أريد التحدث بل أريد اختي وسنرحل من هنا و….
قاطعه هذه المرة سالار وهن يسحبه جانبًا بأعين حادة يردد بهدوء لكن مخيف :
_ أهدأ وتحرك معي يا أخي ولا تستفز بقايا ذرات صبري .
_ ومن أنت لأفعل يا هذا ؟!
جذبه سالار جانبًا بقوة يتجاهل كلماته مدركًا حالته، وهو يشير للرجال أن يتحرك كلٌ لعمله، يتحدث ببسمة صغيرة :
_ عبدٌ فقير إلى الله .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ارتجفت كل ذرة من ذرات جسدها وهي تسمع صوته، نفس الصوت الذي كان يهتف باسمها كلما عاد من عمله في المشفى، نفس المشفى التي أجبرها بعض رجال ذلك القذر على رؤيتها تنفجر بمن فيها ليقنعها أنه تخلص من زوجها ولم يذر من عائلتها فردًا، معتقدًا أنه بهذا الشكل يحطم هامتها ويكسر عزيمتها ولم يدرك أنه بهذا الشكل كسر بالفعل نازين المرأة المسالمة والمسكينة، وصنع وحشًا لن يتوقف حتى ينال قصاصًا مستحقًا .
صنع امرأة داست كل شيء أسفل أقدامها لأجل انتقامها.
الأن وبعد كل تلك السنوات تبصره أمامها كما تركته، الفرق أن الاحزان رسمت خطوطها على وجهه بمهارة عالية ..
شعرت أن الهواء ينسحب من حولها لدرجة أنها ربتت على منطقة صدرها وهي تفتح فمها بقوة تحاول أخذ أنفاسها تمد يدها لتستند على شيء ولم تجد غير السقوط ارضًا مستندة على قبر؛ قبرها ……
ارتجف جسدها من تلك الفكرة، ترفع عيونها المفزوعة صوب زيان الذي كان ما يزال يحمل مصباحه يحدق أمامه بأعين مصدومة مليئة بالدموع يهتف بكلمات غير مسموعة .
الصدمة شلت كليهما، ما وجد أحدهما كلمة واحدة لنطقها .
ازداد بكاء نازين بخوف وهي تدفن وجهها بين يديها تهتف بوجع وصوت مرتفع :
_ أنت لست حقيقة، أنت لست كذلك، أنت لست حقيقة، أنت لست كذلك، لست كذلك، لست كذلك زيان، لست كذلك ……
أما عن زيان فقد بدأ يدرك ما يحدث حولها ينخفض بجسده في تردد شديد وما يزال حاملًا للمصباح، يحاول التنفس بشكل طبيعي، يراقب وجهها عن قرب، ثم وبكل الوجع داخله مد يد مرتجفة صوبها لتغمض هي عيونها ومازال هزيانها يتردد وهي تكرر كلمتها نفسها ( لست حقيقة …) .
أما عنه فحينما لمست أطراف أصابعه الباردة وجنتها شعر وكأنه لمس جمرًا ملتهبًا ليتراجع للخلف مرتعبًا ومازال المشهد رحيلها يتكرر أمامه .
مشهد لن ينساه طالما كان حيًا .
كان يبكي جوار جثة أبنائه وهو يصرخ بوجع، ومن ثم وبعد دقائق انتقض جسده برعب يهتف باسمها بين الجميع كالمجنون :
” نازين …زوجتي … أين هي لقد كانت معهم في المنزل، نازين …نازين أين هي …زوجتي …زوجتي كانت مع ابنائي”
كان يركض بين المشفى كالمجنون يتمسك بالجميع وهو يشير على أبنائه يحاول الوصول لمعلومة عن زوجته، لن يفقدهم جميعًا، لن يفقد روحه بالكامل .
وفجأة سمع صوتًا يهتف بوجع لامرأة مسنة يعلمها تمام العلم تمسك يديه وهي تهتف بوجع وقد كانت هي منةجاءت مع أبنائه:
_ لقد …حاولنا البحث عنها بين حطام المنزل ولم…لم نجد سوى ….
توقفت عن الحديث وكأنها اشفقت عليه من نطق الكلمة، اشفقت من قول تلك الكلمة التي سمعها من أحد الرجال الذين يجاورونه في نفس المنطقة .
” لم نعثر سوى على بقايا أشلاء زوجتك ”
بقايا أشلاء حملها في كفنٍ صغير بحجم حقيبة طفل في الروضة، حملها بين يديه وهو يرتجف من هول ما أصاب حياته بين فنية والأخرى، حملها وكاد ينهار ارضًا لولا أيدي البعض وهم يدفعونه صوب الاكفان يحملونها للقبور، وهو يبكي بوجع عليهم يردد اسماء الجميع علّ أحدهم يجيبه، علّ صرخة أحدهم تخرجه من ذلك الكابوس .
سقطت دموع زيان بقوة وهو يحدق بوجه نازين الذي يجاور قبرها، ذلك القبر الذي ظل يبكي جواره اسبوعًا بأكمله حتى كاد يفقد عينيه لولا عودة الملك بعد أسابيع طويلة وبحث عنه خصيصًا ينتشله من ضياعه مجبرًا إياه على تحمل مسؤولية القصر ليبعده عن أحزانه التي يغرق بها نفسه .
أرسلان والذي كان رفيقًا له منذ كان جنديًا بجيش والده، لم يكن مقربًا لكنه كان على علاقة طيبة معه، وحينما علم ما حدث جاء واجبره على العمل بمشفى القلعة، خاصة وأن المشفى التي كان يعمل بها انفجرت ذات يوم، ولولا رحمة الله به وجلوسه جوار قبور عائلته يرثيهم، لكان ممن ضاعوا خلال انفجار المشفى .
ازدادت دموع زيان بالتزامن مع ارتفاع صوت شهقاته وهو يشعر بأنه على وشك الجنون، يهزي باسمها مرتعبًا من تلك الفكرة :
_ أنتِ …. أنتِ حية ؟؟
نظرت له بوجع تهمس من بين بكائها باسمه وبصوت مرتجف :
_ زيان …
ألقى زيان المصباح بسرعة مرعبة وهو يسحبها لاحضانه بقوة مخيفة يطلق صرخة ملتاعة وهو يردد اسمها دون شعور مرتعبًا أن تكون مجرد خيال، يخشى إخراجها فتتبخر من بين ذراعيها .
_ نازين …نازين أنتِ هنا ….أنتِ هنا … أنا…. أنا…. أنا…نازين أنتِ …. أنا لقد بحثت عنكِ، لم اصدق …لم اصدق لم ….أنتِ حية ؟!
توقف عن الحديث وقد ضربه العجز عن نطق كلمة بينما نازين انهارت في موجة بكاء حارة وقد شعرت فجأة وبعد أيام طويلة أنها بالفعل حية …وبعد أسابيع من المعاناة وشهور من الوجع تشعر واخيرًا أنها حية .
_ زيان ..
بكى زيان بصوت مرتفع وهو يضمها بقوة يتحدث من بين شهقاته :
_ بالله عليكِ أخبريني أنك حقيقة، استحلفك بالله ألا تتلاشي من بين أحضاني، وإن كنتِ حلمًا ليقبض الله روحي قبل الاستيقاظ منه، ظلي هنا جواري نازين، ارجوكِ … أنا أرجوك نازين، أتوسل إليكِ .
ختم كلماته وهو ينخرط في بكاء حار، بينما نازين لم تستطع نطق كلمة واحدة بسبب بكائها وهي تضم نفسها له وهو فقط يحاول التنفس بشكل طبيعي، بينما هي تضم نفسها له وقد عجزت عن نطق كلمة واحدة تأبى التصديق، ما تزال في حالة عجز بسبب ما تشعر به، تود الصراخ بعقلها أن يستفيق من غفلته، لكن قلبها أبى الاستيقاظ من ذلك الحلم الجميل .
سقطت دموعها أكثر ولم يعلم أيًا منهما ما يحدث لفترة طويلة، حتى شعر زيان بارتخاء شديد بجسد نازين، حرك عيونه بهدوء لها ليبصر رأسها وقد ارتخت أعلى كتفه بهدوء شديد وهو ينظر لها يتحسس وجهها يحاول التصديق أنه يبصرها، نظر حوله بعجز يبحث عمن يخبره أنها حقيقة، يخاف حملها والذهاب بها، فيكتشف أنه كان يحمل سرابًا، يخشى التحرك فتتلاشى.
كان على استعداد للبقاء ما تبقى من عمره هنا جالسًا بهذا الشكل طالما أنها ستظل بين أحضانه.
وبعد ساعة تقريبًا بدأ الإدراك يسيطر على عقل زيان الذي نظر حوله وكأنه كان في غفلة، ثم عاد بنظراته صوب نازين يتنفس بصعوبة يردد بخوف :
– نازين أنتِ هنا حقًا ؟؟
ولم يصل له رد وقد بدا أن نازين تنال واخيرًا نومة هادئة بعد أعوام من السهد، تنال راحة بعد شهور من التعب .
لذا ابتلع ريقه يمد يده أسفل جسدها يحملها بخفة وببطء شديد ينهض بها من المكان لا يفهم ما يحدث ولا يدرك ما يفعل، كل ما يعلمه أنه الآن يحمل بين يديه حياته، ولم يكن ذلك تعبيرًا مجازيًا أو ما شابه، بل كان يحمل بين كفيه حياته بكل ما للكلمة من معنى .
ضمها لصدره بخوف أن تتلاشى يتحرك بها بسرعة صوب القصر ينتوي أن يخبئها في غرفته دون حتى التفكير في كيف ومتى ولماذا وأين، كل ما كان يفكر به في هذه اللحظة أنه سيخفي زوجته من الجميع لئلا تطالها يد الغدر مجددًا وتسلبها الحياة من بين أنامله بعدما وجدها، وسيؤجل كل أسئلة عقله لحين يستوعب القلب وجودها جواره……
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ عزيزتي ها أنتِ ذا، بحثت عنك في كل مكان لتوديعك قبل الرحيل .
توقفت أقدام توبة في منتصف الممر وهي تتابع اقتراب آزار منها مبتسمة بسمة رقيقة وحينما أصبح أمامها مباشرة مالت له في تحية صامتة وبكل رقي رفعت رأسها:
_ يعز علينا توديعك جلالة الملك، لكنني أدرك أن هناك الكثير من المسؤوليات التي تنتظرك في آبى لذا تصحبك السلامة ولا تتأخر علينا .
ابتسم لها آزار وهو يتنهد بصوت مرتفع، ثم قال بعد صمت قصير :
– حسنًا توبة أردت فقط أن اطمئنك، لن يهدأ لي بال حتى يعود لنا بارق العجوز، سوف اعود لآبى وابحث عن كل من يمكنه المساعدة بأي شكل من الأشكال، جميع من درس على يد نزار سأجمعهم، وبإذن الله نجد من يساعدنا في الأمر .
ابتسمت له بتوتر وهي تود الحديث وقول أنها وجدت نزار نفسه، لكنها أسرتها في نفسها، فهي تدرك جيدًا وضع نزار الحالي.
الرجل مُطارد من الجميع دون مبالغة .
هزت رأسها باحترام وامتنان صادق :
_ أقدر لك الأمر مولاي، أشكرك لا توفيك حقك عم آزار.
ابتسم لها بحنان وهو ينظر خلفها صوب الممر المؤدي لغرفة والدها ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى سمع صوت أحد الرجال يناديه فاستدار له وهو يتحدث لها :
_ لا داعي يا ابنتي هذا واجبي وأكثر، سوف أرى ما يريدونه مني واذهب لتوديع بارق قبل الرحيل .
وبالفعل استدار صوب الرجل الذي أقبل عليه، فيما ودعته هي بهدوء وقد قررت التحرك صوب مطبخ القصر لتشرف على ….
وفجأة أدركت ما قيل من ثواني على مسامعها، يذهب لتوديع والدها ؟! والدها ؟؟ نزار ؟!
التفت بسرعة كبيرة لتبصر آزار ما يزال منشغلًا مع الرجل فعادت إدراجها بسرعة كبيرة صوب غرفة والدها، وبمجرد وصولها فتحت الباب وهي تقتحم الغرفة بشكل مفاجئ جعل نزار ينتفض بعدم فهم وهو يستدير لها، كاد يفتح فمه متعجبًا من هيئتها لتشير هي بسرعة للباب الذي كانت تمسكه بين قبضتها :
_ بسرعة أخرج من هنا، هيا أخرج بسرعة .
نظر لها نزار بعدم فهم :
– ماذا ؟! لكن أنا لم ….
– لا وقت للحديث الملك آزار في طريقه لهنا، هيا بسرعة دعنا نخرجك من هنا .
اتسعت أعين نزار وهو يضع اللثام بسرعة كبيرة على وجهه يخفيه بالكامل عدا عيونه يتحرك صوب الباب بسرعة حيث كانت تقف هي لتراقب له الطريق، ولم يكد يخطو خطوة واحدة للخارج حتى وجد توبة تدفع جسده بسرعة للداخل وهي تغلق الباب بعنف صارخة :
_ للداخل…..ادخل بسرعة .
تماسك نزار بصعوبة وقد كاد يسقط منكبًا على وجهه، حتى تماسك بصعوبة ينظر لها بصدمة بينما هي أغلقت الباب بعنف وهي تنظر حولها برعب :
_ الملك آزار في الممر، هو قادم لهنا .
اتسعت أعين نزار برعب وقد شعر بقلبه يكاد يتوقف، ليس الآن ليس مستعدًا بأي شكل من الأشكال لمواجهة والده .
أخذ ينظر حوله محاولاً إيجاد مخرجًا له، حتى وجدها تركض صوب الشرفة تفتحها وهي تشير له، ليندفع للداخل بسرعة وتغلق هي الشرفة بسرعة كبيرة تضع عليها الستائر السميكة في اللحظة التي دخل بها آزار للمكان .
توقف آزار بصدمة وهو يبصرها تستند بظهرها على الشرفة تتنفس بصوت مرتفع مبتسمة له بسمة واسعة مريبة:
– أوه، عم أنت هنا ؟!
_ نعم أنا هنا، أولم أخبرك ذلك بالفعل قبل دقائق قليلة ؟!
_ حقًا، يبدو أنني نسيت الأمر.
ضربت رأسها وهي تضحك ضحكة صغيرة :
– يبدو أن عقلي به مشكلة ما هذه الأيام، أنت تعلم مقدار ما أمر به .
_ لا بأس يا ابنتي أعانك الله، لكن ما بكِ تبدين ….متوترة ؟!
لوحت توبة بيدها أمام وجهها وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي :
_ أوه لا أنا فقط أشعر بالحر الشديد ليس إلا.
ارتفع حاجب آزار بسخرية شديدة :
– الحر الشديد في ذروة الشتاء ؟؟
عضت توبة شفتيها تبتسم بسمة غبية بعض الشيء :
– أوه نعم، يبدو أنني مرضت لذلك لم أعد اميز بين الأجواء بشكل جيد، لكنني الآن أشعر بالحر الشديد .
في نفس اللحظة كان نزار في الشرفة من الخارج يكاد يتجمد من البرودة وهو يضم جسده بين يديه يسمعها تردد بوقاحة أنها تشعر بالحر الشديد ليهمس بصوت مرتعش :
_ أوه نعم الحرارة مريعة هنا …
ضيق آزار حاجبه وهو يبصر خيالًا يتحرك في الشرفة ليضيق ما بين حاجبيه وهو يقترب من الشرفة بخطوات هادئة ينظر لها بشك، بينما توبة تراقبه بأعين تكاد تخرج من بين محجريهما .
توقف آزار أمام الشرفة ينظر لها بتفكير :
_ هل هناك شيء في الشرفة ؟!
نفت توبة برأسها سريعًا وهي تقول بلهفة :
_ هذا …هذا كان ….كان هناك غراب … أه نعم غراب كبير اسود في الغرفة حينما أتيت فأخرجته من الشرفة بصعوبة. واغلقتها بسرعة لئلا يدخل الجناح مجددًا ويزعج أبي .
ابتسم لها آزار بهدوء وهو يحرك رأسه بهدوء يتحرك صوب الفراش :
_ تكثر الغربان هنا بسبب الأراضي الزراعية الكثيرة في سبز، خيرًا فعلتي يا ابنتي .
كان نزار في الخارج يلتصق بجدار الشرفة وهو يشعر بالدماء تكاد تتجمد بين عروقه يهمس مرتجفًا :
– غراب أيتها البومة، دارت بك الأيام وأصبحت تتسلل للشرفات كاللصوص يا نزار، آه منه الزمان، وكله لأجل…توبة .
ختم اسمها بهمس مبتسمًا بسمة صغيرة .
أما عن آزار في الداخل فقد اقترب من بارق ببسمة حنونة يربت على خصلاتع بحنان :
– مرحبًا أيها العجوز، أنظر من هنا ؟! هذه توبة صغيرتك عادت وأخيرًا .
ابتسمت توبة بتوتر وهي ترفع يدها تلوح بها في الهواء بشكل غريب لشدة توترها وكأنها ترحب يوالدها، لتستوعب فجأة ما تفعل وهي تخفض يدها بسرعة، بينما آزار لم يفهم ما بها وشعر بوجود شيء خاطئ :
_ هل أنتِ بخير توبة ؟!
كانت توبة شاردة بالشرفة بقلق قبل أن تنتفض :
_ ماذا ؟! أه نعم أنا بخير أنا فقط قلقة علــ…من الغراب، نعم قلقة من ذلك الغراب من أن يدخل مجددًا ويتسبب بازعاج أبي.
ابتسم لها آزار بحنان يقترب منها ومن الشرفة بهدوء :
_ لا بأس دعيني أنا سوف أبعده عن هنا للأبد .
وصل للشرفة يحاول فتحها بقوة بينما توبة تراقبه بأعين متسعة وقلب يكاد يتوقف من الخوف تراه فتح النافذة وهي تحاول الحديث لتوقفه، لكن الأوان كان قد فات .
اغلق نزار عيونه بقوة وهو يلتصق بجدار الشرفة يبتهل بالادعية يكاد يسقط ارضًا من هول الموقف .
وحدث الأمر سريعًا فبمجرد أن فتح آزار النافذة انتفض جسده وجسد نزار بقوة على وقع قوي في الغرفة.
ولم يكن ذلك الصوت سوى صوت اصطدام جسد توبة بالارض والتي لم تجد افضل من ادعاء الموت في هذه اللحظة لتنقذ نفسها وتنقذه مما يحدث .
إذ فجأة أغلقت عيونها تلقي بجسدها بقوة ارضًا تحت أعين آزار المصدومة الذي صرخ باسمها ونظرات نزار الذي تحرك بسرعة لباب الشرفة وبلا تفكير حتى في عواقب فعلته ……
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظل جالسًا دون حراك لفترة لا يدري حتى كم كانت، ساعات أم دقائق، لا يدرك شيئًا سوى أنه الآن يحيا كابوسًا كان يراوده في الفترة الأخيرة، كابوس الوحدة الذي هرب منه لأحضان فاطمة لتنبذه الأخيرة دون وعي مجددًا .
_ كان عناق وداع إذن ؟! كانت كلمات وداع فاطمة ؟!
صمت قبل أن يبتسم بوجع يحدق بالظلام حوله والوحشة التي تسكن المنزل الخاص بها والذي كانت تحيا هي به يومًا ما :
_ من أين لكِ بتلك القسوة فاطم ؟؟
صمت يراقب المكان وهو يبحث عن طيفها بين جدرانه، ينظر له بوجع على أمل أن يشفق المنزل عليه ويعترف بمكانها، وحينما طال الوقت ولم يصل لشيء ابتسم مجددًا بسخرية وهو ينهض من مستقره ينفض ثيابه يتحرك بتعب نفسي أكثر منه جسدي صوب باب المنزل، يتحرك بأقدام متعبة مثقلة، وحينما وصل للباب توقف يستدير خلفه مرة أخيرة على أمل أن تخرج من اللاشيء تصرخ باسمه وتهرول صوبه .
ابتسم بسمة صغيرة حينما خابت آماله، ثم جذب الباب الخاص بالمنزل يتحرك صوب حصانه بوجه منقبض وملامح مظلمة وكأن هموم الكون كلها تجمعت فوق صدره، قابل في طريقه ألطاف وهي تهتف بلهفة :
_ هل وجدتها سيدي ؟؟
رفع المعتصم عيونه لها ثواني يقاوم إظهار وجعه لها، ثم نفى يستأذن بكلمات مقتضبة غير مسموعة تقريبًا متحركًا صوب حصانه بخطوات سريعة يود الاختفاء عن أعين الجميع، لكن ما كاد ينفذ أفكاره في الانعزال، حتى تذكر فجأة ما يقع على عاتقه في هذه اللحظة خاصة مع حالة الملك .
شدد قبضته على اللجام ينظر لألطاف مرة أخيرة يهتف بصوت موجوع :
_ ألا تدرين لها من مكان يا خالة ؟! أين يمكن أن تكون ؟!
سقطت دموع ألطاف بضعف وخوف تنفي برأسها، ليهز رأسه وهو يتحرك بهدوء بعدما ألقى بها بكلمات معدودة :
_ رجاءً أخبريني إن فعلتي وتذكرتي مكانًا محتملًا لوجودها، و….عسى أن تكون بخير .
ومن بعد هذه الكلمات انطلق بسرعة كبيرة وقد بدأت ضربات قلبه تزداد والوجع في صدره يتوغل، شعر بصعوبة التنفس وهو يحاول تجاوز تلك النقطة والتفكير في المصائب التي تنتظر في القصر، لكن …هذه نقطة لا يستطيع تجاوزها، هذه فاطمة، فاطمة والتي يعتبرها شيء اصغر من هذا العالم وأكثر براءة من العيش بين هؤلاء البشر .
_ لن اسامحك على هذا فاطمة، والله لن اسامحك إن اصبتي نفسك بضرر .
وبعد دقائق طويلة من منزلها وصل أخيرًا صوب القلعة ليفتح الباب أمامه ويتحرك بسرعة للداخل ولم يكد يهبط عن حصانه حتى أبصر ما جعل عيونه تتسع تعجبًا، زيان يحمل بين يديه أمرأة ويتحرك بها بسرعة كبيرة في المكان .
لم يكد المعتصم يلحق به حتى اختفى زيان من أمام عيونه صوب غرفته حسب ما خمن هو .
_ ما الذي يحدث هنا بالتحديد ؟؟
وفي الحقيقة كان المعتصم يمتلك ما يكفيه من المشاكل ليفكر بها بعيدًا عن زيان، تحرك بسرعة داخل القصر يشعر باختناق شديد، يفكر في مئات الأفكار التي تتعلق بفاطمة والملك والمملكة .
ولم يكد يخطو صوب غرفته حتى سمع صوت ينادي بهدوء :
_ أيها المعتصم …
توقفت أقدامه وهو يستدير بهدوء شديد وبملامح جامدة بعض الشيء رغم كل ما يعتري دواخله :
– سيدي .
_ ألحق بي رجاءً.
ليس الآن أرجوك، ليس الأن ارجوك ..
كلمات سرها في نفسه وهو يرسم بسمة صغيرة موجوعة :
– بالطبع يا قائد .
تحرك سالار بهدوء ليتبعه المعتصم وهو يشعر أنه على وشك الانهيار في أية لحظة، والله لا يقنط ولا يشكو ولا يتأفف، قادر هو على تحمل أي شيء والله كان ليفعل لولا أن نصف عقله وقلبه الآن شاردان في مهمة مستحيلة للبحث عن زوجته التي قررت أنه لا وقت افضل من هذا الوقت لتختفي به بعيدًا عن عيونه، لا وقت افضل لتثير فزعه .
تماسك بصعوبة وهو يخطو خلف سالار للقاعة، ليبصر إيفان يجلس بملامح حادة وبجانبه خالد أخ الملكة سلمى يجلس بوجه غير مفسر .
نظر له المعتصم بعدم فهم ليتحدث سالار بعد تنهيدة قصيرة :
_ يصر على الحضور .
ضرب خالد الطاولة بضيق شديد وهو يهتف من بين أنفاسه الغاضبة :
_ هذه اختي…
نظر له إيفان بتحذير، ليتراجع خالد بضيق للخلف وهو يضم ذراعيه لصدره يتحدث بعدم اهتمام :
– والله لن تكون نظراتك اسوء من نظرات ذلك المتجبر الذي تزوجته سلمى، لذا لا تحاول، أنا لا اعلم ما الذي ألقى بنا بين هذه المصائب وقد كانت أكبر مشاكلنا هو كسر سلمى عظام أحد الرجال ومطالبتها بتحقيق عاجل .
نظر له الجميع بعدم فهم ليعتدل دون إهتمام، وهو يستند على الطاولة أمامه يضم قبضتيه أمامه يرسم الجدية على ملامحه يردد بصوت هادئ لا يدري من أي له به :
_ والآن أخبروني أين هي أختي وكيف سنخرجها ؟؟
فرك سالار ذقنه وهو ينظر ليده، ثم رفع عيونه له ثواني، ومن بعدها تجاهل كل ما قيل ينظر صوب المعتصم يتحدث بنبرة جادة :
_ ما الذي توصلت له يا المعتصم ؟! أخبرني الرجال أنك توصلت لشيء أثناء البحث في منطقة الهجوم.
_ نعم أخبرنا ما الذي وصلت له ؟! أين هي اختي ؟!
مسح سالار وجهه يحاول تجاهل صدى الصوت الذي يصدر من جهة خالد كل ثانية .
_ هل الأمر متعلق بالفاعل ؟! علمت المكان ؟!
_ نعم هل علمت المكان ؟!
نظر سالار بحدة صوب خالد ليتعمد الاخير التظاهر بعدم الاهتمام، وهو ينظر بحاجبين معقودين صوب المعتصم الذي كان يتابعهم ينتظر أن ينتهي كل ذلك ليتحدث .
تنفس سالار بعنف وهو يفتح فمه :
_ ثـ
ولم يكد يتحدث كلمة حتى وجد خالد يتجهز لترديد جملته وكأنه يرفض الخروج من هذا الاجتماع بحوار جانبي أو وكأنه يرفض أن يكون شخصية ثانوية في المكان .
ضرب سالار الطاولة بقوة حتى شعر خالد أنها تشققت أسفل قبضته وسالار يصرخ بجنون :
– ماذا بك أنت ؟! هل تعمل كصدى صوت ؟؟ توقف عن الترديد خلفي وإلا اقسم بالله أن أريك وجهًا اسوء من وجه أرسلان حين الغضب .
ونعم كان هذا الرجل أحمر الشعر مرعب وبشكل خاص، وربما ساهمت خصلاته الحمراء في زيادة هالة الغضب حوله، وهذا ما استرعى انتباه خالد الذي ردد بتركيز في خصلاته :
_ هل هذه خصلات مصبوغة ؟؟ أم أن الدراسة التي تحدثت عن أن أصحاب الشعر الأحمر سريعي الغضب كانت صحيحة .
انتفض سالار في هذه اللحظة وقد فاض كيله من ذلك الرجل وهو من الأساس لا يتحمل همسة جواره، يضرب الطاولة بغضب جعل جسد خالد ينتفض وهو يبتعد قدر الإمكان عن وجه سالار الذي همس بصوت منخفض لكنه كان وللعجب مخيفًا أكثر من الصراخ يستخرج سيفه واضعًا إياه على الطاولة أمامه:
_ أنت حقًا لا تريد اختبار حد سيف ذلك الرجل أحمر الشعر والذي سيكون مرعبًا أكثر من غضبه صحيح ؟!
نفى خالد برأسه بسرعة كبيرة ليبتسم له سالار يشير بعيونه أن يجلس :
_ اسمعني صوت صمتك ولا تزد من غضبي لأن هذا ليس في صالحك أو صالح أحد حسنًا ؟؟
اومأ خالد بالايجاب بسرعة كبيرة، بينما إيفان يتابع ما يحدث بصمت مبتسمًا بسخرية على سالار، ولم يتحدث بكلمة إلا عندما هدأ المكان :
_ إذن يا المعتصم ؟؟
نظر له المعتصم باحترام شديد، ثم قال بهدوء شديد :
_ هناك مندسين بين جيشنا وهم من وشوا بموعد المغادرة وتوقيت مرور الموكب بتلك البقعة تحديدًا .
اعتدل جسد إيفان بهدوء وهو يستمع للمعتصم الذي أخذ يشرح لهم ما وجده في تلك الغاية أثناء التنقيب عن أثرهم:
_ وجدت ثياب تحمل شعار مشكى إلى جانب بقايا حافظة سهام، ذلك الرجل الذي ضرب الملك بالسهام كان مندسًا بين الجيش والموكب وانقلب عليه في غمضة عين.
اغمض سالار عيونه بغضب شديد وهو يضغط على قبضته يهمس بصوت خافت لكن وصل للجميع :
_ متى …متى ننتهي منهم؟؟ متى تتطهر البلاد منهم، ألا من خلاص منهم؟! حولنا في كل مكان مندسين في كل ركن، ينتظرون الوقت المناسب لتوجيه الضربة التالية لهم .
كانت عيون إيفان تحدق أمامه بشرود كبير وهو يفكر في الكثير من الأفكار التي تدور داخل عقله في هذه اللحظة، قبل أن يضم قبضتيه أمامه يميل بعض الشيء على الطاولة :
_ لا بأس سالار، لكل خائن نهاية، نهاية توازي حياته بشاعة، ودورنا نحن أن نسرع هذه النهاية، الحقير أنمار ضرب ضربته وللأسف هذه المرة كانت الضربة لصالحه، ونحن لا نستطيع رد الضربة في الوقت الحالي، ليس والملكة بين يديه بالفعل، فقط نتأكد أنها بخير ومن ثم نأخذ الخطوة التالية .
ابتسم سالار بسخرية لاذعة :
_ هذا إن ترك لنا أرسلان فرصة للتفكير في الخطوة التالية، فهو إن استيقظ قبل عودة زوجته سيحيل البلاد لرماد، وأنا لن أوقفه أو الومه، أو حتى أنصحه بالتريث، بل سأمدده بجيشي إن أراد.
ابتسم له إيفان يدرك ما يقصد سالار، فالنساء وعلى مدار التاريخ كن نقطة لا يجوز تجاوزها في الحروب والعداوات وإن حدث وأدخل أحدهم النساء للساحة، حينها يتناسون كل الأخلاقيات التي يتبعونها عادة في مثل تلك الأمور…
_ فقط لنأمل أنها بخير حتى نصل لمكانها، لقد أمرت بالبحث في المناطق المحتملة والتي أخبرتك بها الأميرة توبة سابقًا…
واخيرًا صدر له صوتًا في هذه الجلسة، إذ تحدث خالد ببسمة صغيرة :
_ اه من هذه الجهة فاطمئن لا اعتقد أن سول ستواجه مشاكل مع هذا النوع من المصائب فهي شبه معتادة على الأسر وتستطيع التصرف في مثل هذه المواقف، وإن لم تخونني سنوات عمري التي قضيتها معها، فهي الآن بخير حال والخاطف هو من في مأزق حتى تنفذ قوتها، ولنأمل ألا يكون هذا قريبًا……
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاد يظهر من خلف الشرفة صارخًا باسمها، لكن توقفت صرخته قبل خروجها من حلقه، يبصر يدها تتحرك بشكل متواري عن والده وهي تشير له .
ليتراجع بسرعة كبيرة مدركًا ما فعلت، شاحب وما زالت ضربات قلبه تزداد أكثر وأكثر، وقف داخل الشرفة مجددًا متسع الأعين يحاول تهدئة نفسه، صوت اصطدامها بالأرض ومظهرها في الخارج كاد يصيبه بجلطة دماغية لحظية .
ابتلع ريقه وهو يسمع صوت والده الذي تحرك بسرعة شديدة وهو ينادي بعض العاملات في الخارج لمساعدته في نقل توبة صوب غرفتها يصرخ بإحضار طبيبة لها .
ابتلع ريقه وهو ينظر بطرف عيونه صوب توبة التي كانت ما تزال ملقية ارضًا بينما والده خرج ينادي الطبيبة والعاملات .
أما عن توبة استغلت خروج الملك آزار لتطلق تأوه منخفض تفرك رأسها بوجع شديد تغمض عيونها بقوة متغلبة على الدوار الذي أصابها حقًا بسبب السقطة .
وبمجرد أن فتحت عيونها أبصرت نظرات نزار المرتعبة وهو ينظر لها بدقة يشير لها بعيونه إن كانت بخير .
لتبتسم هي له بسمة صغيرة تهز رأسها بنعم، ليشير هو صوب رأسها وهو يسألها إن كان كل شيء على ما يرام، فهزت رأسها بنعم وهي تبصر تحفزه حتى أنه كاد يكشف نفسه أمام والده بكل حمق، لذا تحدثت بصوت منخفض وهي تحرك شفتيها :
_ بخير نزار لا تقلق .
لكن القلق الذي استقر بعيونه لم يخفت وهو يبصر بوادر الدوار عليها، وفي ثواني قرر الخروج لفحصها وهو ينظر صوب الباب الخاص بغرفة والدها، ولم يكد يتجرأ ويفعلها حتى أبصرها تصطنع بسرعة الاغماء وقد دخل والده للمكان مع العاملات واللواتي ساعدن توبة في النهوض والأخيرة تدعي التعب، ثم تحركت معهم للخارج وخلفها آزار الذي تحدث بصوت قلق :
_ أرسلت لإحضار الطبيبة يا ابنتي، سأنتظر حتى اطمئن عليكِ في الخارج .
ومن بعد تلك الكلمات اختفى صوته تدريجيًا حتى أصبح بعيدًا عن مسامع نزار الذي تنفس الصعداء اخيرًا يخرج من مخبئه، يتحرك صوب الملك بارق ينظر له وهو يضع يده في خصره يزفر بصوت مرتفع .
_ إلى متى ستتحكم ابنتك بي ملك بارق ؟! الأمر بدأ يخرج عن السيطرة .
نظر له ثواني قبل أن يقترب منه يكمل ما بدأه وعيونه معلقة بالباب تحسبًا لدخول أحدهم:
_ لا أعلم كيف لكن لتحمد ربك أنني لم انتبه لها منذ سنوات وإلا لكنت حرمتك رفقتها مبكرًا مولاي .
ابتسم بسمة جانبية يهمس وهو يكمل ما يفعل :
_ ابنتك مجنونة مولاي …..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انطلقت ضحكاته ترن داخل المكان والجميع حوله يحدقون به في تعجب شديد، بينما. الأخير لم يتوقف عن الضحك حتى كادت أنفاسه تنقطع عن رئته .
ومن ثم وبعد دقائق طويلة توقف وهو ينظر للجميع بسخرية :
_ امرأة واحدة تسير كلمتها على رجال أشداء مثلكم ؟!
ختم كلماته يبصق ارضًا باستهزاء :
_ مثيرين الشفقة .
اشتدت ملامح أصلان ينظر له بشر وملامح مرعبة :
– لا اراك وقد سارت كلمتك عليها أنمار، المرأة جعلتك صاغرًا أمام كلمتها، حتى أنك تخشى الذهاب للحديث معها نصف كلمة والله وحده يعلم ما قالته لك آخر مرة خرجت من عندها وقد جن جنونك وكثفت الحرس على منزلك وبدأت تتحرك تحركات غبية غير محسوبة .
_ أصـــــــــــلان .
_ مـــــــاذا؟؟ ماذا ستقول ؟؟ أفسدت كل شيء واضعت كل شيء أيها الوضيع، لا تليق بقيادة بعض الحمقى امثالك وتطمح بقيادة ممالك أكبر من حجمك أيها الحشرة، وتسخر منا كذلك، أي وقاحة تمتلكها يارجل .
ختم حديثه في اللحظة التي تحرك له أنمار وهو يهجم عليه في ثواني وقد استفز أصلان كل ذرة صبر داخله، وما كاد يقترب خطوة له حتى استقطته ضربة من أصلان الذي ردد بصوت قوي مرعب :
_ أيها الوسخ من تحسبن نفسك ؟! صعلوك ضعيف مثلك مثل من سبقك من المنبوذين من عقلك تحسبن أنك ستترأس عليًا وتسير كلمتك عليّ ؟! فاشل لا شيء ينجح لك، حتى خطوتك الأخيرة في الهجوم على الموكب كانت من تخطيطي .
نظر له أنمار ولم يكد يتحدث بكلمة حتى فجأة أبصر الجميع في ثواني ينقلبون ضده لصف أصلان ليشعر بقلبه على وشك التوقف وقد أصفر وجهه وفقد النطق يبصر وجوه الجميع حوله ينظر له بحقد وغضب .
واصلان يراقبه ببسمة خبيثة وهو يجلس القرفصاء أمام جسده الساقط ارضًا :
_ من كل عقلك تحسب أنني سأجلس هنا جوارك انتظر أوامر صعلوك مثلك؟؟ وما ادراك بالحروب أنت أنمار ؟؟
ختم حديثه في اللحظة التي تحرك بها بعض الرجال يقيدون أنمار والذي فقد النطق بكل ما للكلمة من معنى، يجبرونه على النهوض بالقوة تحت أعين أصلان المبتسم بتشفي وحينما أصبح أمامه اقترب منه وهو يهمس كلمات أخيرة قبل أن يشعر أنمار بالظلام يحيط به :
_ فقط أجلس وشاهد يا عزيزي …..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كهرمان عزيزتي لا يمكنك الجلوس طوال الوقت بهذا الشكل تحتاجين للراحة وتناول الطعام ومن ثم يمكنك العودة للجلوس مجددًا إن أردتي.
رفعت كهرمان عيونها الحزينة صوب إيفان الذي ما إن اقترب منها حتى ألقت نفسها بين أحضانها تهمس بصوت متحشرج ملئ بالوجع :
_ أخبرتني أنه لم يتضرر كثيرًا بذلك السم، إذن لماذا ما يزال في تلك الغفوة المقيتة ؟!
نظر لها إيفان يربت على رأسها بحنان قبل أن يميل مقبلًا رأسها بلطف :
_ ما سبق لي خداعكِ أو حتى الكذب عليكِ كهرمان، ولن أفعل، لقد أخبرني الطبيب أنه بخير فقط يحتاج لبعض العلاج المكثف لوقت ما وسوف ينهض ويكون بخير بمشيئة الله، ليحطم القصر أعلى رؤوس الجميع .
سقطت دمعة من عيونها وهي تهمس بصوت منخفض :
_ فقط اتمنى أن….تكون سلمى بخير، أخشى أن يؤذها أحدهم.
ابتسم إيفان بسمة صغيرة وهو يتذكر كلمات خالد عن زوجة أرسلان وعن حياتها قبل المجئ هنا وعن طبيعة عملها التي كانت تمتهنه ليهتف بصوت منخفض :
_ فقط لندعو الله أن يثبت أقدامها لحين نعثر على ذلك الجحر ..
نظرت له كهرمان بعدم فهم ليربت على رأسها بحنان وحب :
_ فقط لا ترهقي نفسك كهرمان ارجوكِ، دعي كل شيء عليّ عزيزتي، أحمل عنكِ كل اثقالك دون تذمر .
تنفست براحة وهي تميل عليه تهمس له بصوت منخفض :
_ شكرًا لوجودك دائمًا جواري إيفان، لا حرمني الله صوتك ودفئك …..
ضمها له إيفان وهو ينظر صوب أرسلان بحزن شديد يكتمه عن أعين زوجته، صديقه والذي يتمنى من الله عز وجل أن يصل هو لزوجته قبل افاقته إذ يعلم جيدًا ما ستكون عليه ردة فعله، وليتولاهم الله برحمته ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت أصابعها تتحرك بين خصلاته بحنان شديد بينما الأخير فقط يغمض عيونه بهدوء شديد وعقله يسبح بعيدًا عما يحدث حوله، وقد كانت هذه عادته في الآونة الأخيرة، كلما حاول أن يندمج في تفكير ويصفي عقله، أتى لها يستقر بين أحضانها ومن ثم يفكر فيما يريد .
وآهٍ لو تدري تبارك أن سالار يتخذ من حضنها مقرًا لوضع خطط حروبه القادمة ونقطة انطلاق أفكاره التي يخرج بها للجميع .
_ متأكد أنك افضل الآن ؟!
_ سأكون عزيزتي، فقط كوني بخير وسأكون تبارك.
ابتسمت له تبارك بحب، أما عنه فقد كان في هذه اللحظة يحاول معرفة موقع ذلك الجحر الذي تحدثت عنه توبة سابقًا يثق أن أنمار يخفي الملكة هناك، لكن حتى توبة وحسب ما قالت لا تدرك له من موقع .
تنفس بصوت مرتفع لتنتبه تبارك وهي تميل عليه تهمس بصوت حنون :
_ ما بك يا قائد ؟!
فتح سالار عيونه ينظر لخاصتها بحب :
_ أفكر في عمل زيارة سريعة لسبز.
_ سبز ؟؟
هز رأسه بنعم وهو يفكر في الذهاب لتوبة وسماع قصتها مجددًا عله يتحصل على أي معلومة قد اغفلها وربما تفيده في الوصول لذلك الجحر .
_ نعم أريد التأكد من شيء ما .
نظرت له بتردد ليتحدث ببسمة وهو يرفع يده يربت على وجنتها بحنان :
_ سأكون بخير لا تقلقي.
_ فقط ….فقط اريدك أن….سالار ما يحدث في هذه الآونة مخيف، أشعر أن هناك شيء سييء سيحدث وأقسم بالله ستكون القاسمة إن كان ذلك الشيء معك أنت سالار فلا تفعلها بي، فما لي من حياة عداك.
ابتسم لها بلطف يحاول أن يهون عليها خوفها لتهمس هي بصوت خائف:
_ أنا أحيا في هذا العالم لأجلك، أنت عالمي سالار فما لي من بعدك حياة ولا عالم، سأظل معلقة بين عالمك هنا ومكاني هناك ولن أصل لشيء ..
ربت على رأسها بحنان شديد ومازالت كلماتها تلك تثير فزعه، فكرة أن يتمحور عالم تبارك كله حوله يخيفه بقدر ما يسعده، يخشى عليها أن تحيا بلا روح إن حدث له شيء، هو لا يضمن عمره ولا يدري بأي أرض يموت، لربما اليوم أو غدًا حياته ليست مستقرة .
تنهد لتبتسم له تبارك تدري ما يفكر به في هذه اللحظة، فلا يتوقف سالار عن الخوف عليها طوال الوقت بسبب أو بدون .
_ لا تحمل همًا سالار، أنا سأكون بخير، فقط كن وسأكون .
ابتسم لها بحنان :
_ عسى أن تكوني دائمًا غاليتي، لا اقلق عليك، فالله معنا دائمًا .
هزت رأسها تميل قليلًا عليه وهي تقترب بوجهها منه مبتسمة لتتسع بسمته بالمثل وحينما أصبحت على بعد انشات منه رفع نفسه قليلًا يقبل عيونها :
_ كيف حالك عزيزتي ؟!
ضحكت بخفة وهي تنظر له بعدم فهم قليلًا قبل أن تردد بصوت منخفض وهي تراقب عيونه بحب :
_ ماذا تقصد ؟؟
_ كنتِ مريضة لذا أتساءل إن كنتِ بخير الآن عزيزتي ؟؟ تأخذين ادويتك بانتظام ؟!
هزت رأسها تعتدل في جلستها :
_ نعم وهل تمنحني فرصة الإهمال سالار ؟؟ مش عاطيني حتة فرصة اتدلع عليك ؟!
نظر لها بعدم فهم معتدلًا، ثم هتف بجدية :
_ تريدين مني دلالًا تبارك ؟!
ثواني قبل أن تنفجر في ضحكة عالية ولولا أنه ينعزل بغرفته في قصر مشكى عن الجميع، لكان سارع لكبت ضحكاتها قبل أن يتنعم بها غيره، لكن هذا سالار الوحش الذي يتحول بعد منتصف الليل؛ لذا بالطبع هو منعزل عن الجميع .
توقفت عن الضحك بعد ثواني تبتسم له ثم هزت رأسها تربت على كتفه بحب :
_ منحرمش يا حبيبي .
_ إذن اخذتي دوائك ؟؟
_ نعم لا تقلق أنا بخير، سالار أنت تحمل همي كثيرًا .
نظر لها مطولًا وقد بدا أنه يبحث عن ردًا لها رغم أنه في الأوقات العادية كان ليكون رده حاضرًا، لكن يبدو أن سالار في هذه اللحظة لم يكن يعي بشيء وما كان طرحه تلك الأسئلة سوى مجرد إلهاء لعقله عن أمر يفكر به .
_ هل أنت بخير ؟! ما بك ؟؟
نظر لها نظرات هادئة في ظاهرها غامضة مرعبة في باطنها، ورغم ذلك هز رأسه ببطء يهمس بصوت خافت :
_ أنا بخير تبارك، بخير عزيزتي، السؤال هو هل سيكونون هم بخير ؟؟؟
_ هم من ؟؟
ابتسم لها بسمة غريبة :
_ هم أشخاص لا أحب أن يتلوث لسان امرأتي بذكرهم لذا لا ترهقي عقلك عزيزتي واهتمي بشيئين فقط صحتك وبي …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس جوارها ملتصقًا بالفراش يحدق بوجهها ينتظر أن يحدث شيء وينتهي هذا الحلم الجميل، لا يصدق أنه يجلس الآن أمامها يراقبها بهذا السكون .
مد يده يتلمس وجنتها وحينما استشعر بشرتها أسفل أنامله، اغمض عيونه وهو يبتسم بسمة صغيرة مسحورة يهمس اسمها .
وقد سحبته ذاكرته صوب المرة الأولى التي تجرأ بها على لمسها بعد عقد قرآنه عليها …
تجلس في ركن الغرفة خجلة تنتظر دخوله بعد تلقي المباركات من الأهل، لكن طال انتظاره حتى انمحى الخجل وارتسم الحنق على وجهها تنهض عن الأريكة وهي تبعد الغطاء عن وجهها تهتف بصوت حانق :
_ أين هذا الرجل؟؟ ماذا الآن ؟؟
في نفس اللحظة انفتح الباب وابصرت جسد زيان يُدفع بقوة للداخل ومن ثم جذب أحدهم الباب بقوة تاركًا زيان يقف في منتصف الغرفة مصدومًا مما حدث فقبل أن يستوعب حتى وجد أحد رفاقه يسحبه من بين الناس ومن ثم ألقى به صوب الغرفة .
اعتدل يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي، ولم يرفع عيونه لها حتى سمع صرختها التي انطلقت وهي تستدير بسرعة تخفي وجهها خلف الغطاء :
_ انتظر لا تنظر ..
ولشدة توتره في هذه اللحظة لم يدرك زيان بعد أن هذه المرأة التي تقف أمامه هي زوجته، ليغطي عيونه بسرعة مغمضًا وقد بدأ لسانه يلهج بالاعتذار.
أما عنها فقد استدارت بسرعة تخفي ملامحها تتأكد أن كل شيء بخير، ثم التفت له تخفض رأسها بخجل ربما كان متأخرًا بعض الشيء في هذا الموقف .
تهمس بصوت خافت :
_ أوه هذا أنت زيان ؟!
ختمت حديثها تخفي وجهها المغطى أسفل كفيها بخجل يليق بها، تنتظر تعليقه على جملتها، لكن زيان المسكين كان فقط يقف يخفي عيونه أسفل يده ينتظر أن تنتهي .
ليكون الموقف في هذه اللحظة مضحًكًا، كلاهما يخفي وجهه خلف يديه ينتظر أن يتخذ الآخر خطوة .
وحينما طال الصمت ولم تنل رده المرتقب منه، ثواني حتى شعرت بالملل ترفع يدها ببطء، ثم نظرت صوبه تراه ما يزال يخفي وجهه، لتشتعل بغضب طفيف .
ترفع صوتها أكثر :
_ أوه هــــذا أنــــت زيــــــان ؟!
انتفض زيان يرفع يده بسرعة عن وجهه يهتف ببسمة :
_ انتهيتي ؟!
_ انتهيت من ماذا ؟؟
_ لا أعلم أنتِ طلبتي مني عدم النظر، ظننت أن هناك ما تفعلينه ولا يجوز لي النظر له .
ابتسمت له نازين وهي تتحرك صوبه :
– زيان أنت لطيف حقًا ومراعي، وهذا لا يجوز اليوم، أنا زوجتك يا رجل ما بك .
وزيان فقط كان ينظر لها ببسمة شاردة يتأمل تلك الكلمة، صديقة الطفولة أضحت زوجته أخيرًا بعد سنوات كفاح لإثبات استحقاقه لها .
ظل شاردًا بها سعيدًا، حتى زفرت هي تتحدث بضيق :
_ هيا زيان ارفع الغطاء عن وجهها وانظر لي .
انتبه زيان أنه كل ذلك لم يكن قد رفع الغطاء عنها ليبتسم بسرعة وهو يخطو خطوة إضافية تقربه منه، ثم رفع كفه يمسك طرف غطاء وجهها وهي ورغم كل جدالها معه منذ ثواني شعرت أن قلبها يكاد يتوقف من شدة الخجل فتلتحدث من خلف الغطاء كان سهلًا عكس المواجهة المباشرة .
وبمجرد أن رفع زيان الغطاء أغمضت عيونها تسمع همست :
_ هنيئًا لي بكِ نازين .
ختم حديثه يرفع أصابعه بتوق محسوس يتلمس بشرتها مبتسمًا بحب، ثم مال يطبع قبلته على رأسها بحنان شديد :
_ مبارك صاحبة المقام العالي ….
انتفض جسد زيان بعيدًا عنها حينما سمع الطرق على باب غرفته وصوت المعتصم يصدر من الخارج :
_ زيان هل أنت بالداخل ؟؟
نظر زيان صوب نازين ثواني يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي، قبل أن يتحرك بخطوات مترددة صوب الباب يخشى ابعاد عيونه فتختفي من أمامه .
ورغم ذلك توجه صوب بوابة غرفته يفتح جزء صغير منها وهو يشد مدخلها بشكل غريزي رغم معرفته أن المعتصم لن يمد عينيه لما لا يخصه .
وبمجرد أن خرج لم يكد يتحدث حتى هاله مظهر المعتصم والذي كان مزريًا بحق :
– المعتصم ؟؟ ما بك ؟! هل حدث شيئًا ؟؟
كتم المعتصم صرخته الداخلية وهو مقطع لاشلاء جزء لواجبه تجاه البلاد والملك وجزء واجبه تجاه زوجته التي لا يعلم أين هي .
_ زيان أرجوك اذهب لتكون جوار الملك وتعتني به لا أثق بسواك من الأطباء والله وحده يعلم إن كان أحد الأطباء هنا متعاون معهم أم لا .
_ أنا لا افهمك، ماذا حدث يا المعتصم، مظهرك غريب و….
قاطعه المعتصم بكلمات متقطعة يحاول وصف ما يحدث معه بشكل لا يستدعي شفقة أحدهم، ولم يدري أن مظهره الأن دون فعل شيء هو الشفقة بحد ذاتها .
_ بخير فقط ….فقط ….فقط …
توقف عن الحديث وهو يبعد عيونه عن زيان صوب الممر وكأنه يحاول شغل عقله عن أحزانه ينطق كلماته بصوت مقهور موجوع وهو يسعل بخفة يحاول أن يخفي نبرته :
_ فاطمة اختفت ولا استطيع العثور عليها .
اتسعت أعين نزار بصدمة وهو يتحرك بعيدًا عن باب غرفته، يدور حول المعتصم حتى أصبح مواجهًا له، ينظر له بوجع :
_ كيف ؟؟ ما الذي تقصده باختفت ؟؟ كيف تختفي لا افهمك ؟
نظر له المعتصم بوجع شديد يهمس بنبرة مكسورة :
_ لقد رحلت …تركتني ورحلت زيان .
تأوه زيان من نبرة المعتصم وهو يجذبه لاحضانه بسرعة يحاول أن يخفف عنه ما يحدث :
_ لا تقلق يا أخي، لا بد أنها ذهبت لمكان ما وستعود، أين ستذهب ؟؟ لا تخف ستكون بخير لا تقلق .
كان يتحدث وهو يربت على كتفه بينما المعتصم استغل ذلك وهو يغمض عيونه بوجع، يدعو ويبتهل الله أن تعود، يشعر بصوت خبيث داخل عقله يخبره أنها لن تعود، أنها رحلت ورحيلها أبديًا …
_ فقط أريدك أن تذهب لتفحص الملك وتعتني به لحين أذهب للبحث عنها مجددًا ربما ….ربما تكون عادت لمنزلها أو ربما هناك من ابصرها، سأذهب للبحث عنها ولو اضطررت لسؤال جميع من بالمملكة لن أعود بدونها …….
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت جميع النساء يجلسن داخل الغرفة الصغيرة التي حصلت عليها سلمى منذ مجيئها، تجلس أمامها الجميع وهي مستندة بمرفقيها على قدمها شاردة والجميع هادئ دون كلمة واحدة، حتى تجرأت واحدة واخيرًا وتحدثت .
_ إذن…ماذا سنفعل ؟؟
رفعت سلمى عيونها لهن تراقبهن بانتباه شديد وتفكير، هي لا تعلم ماذا سيفعلن ولا تدرك ما يحب فعله .
_ لِمَ لم تحاولن الهرب من هنا ؟!
ابتسمت احداهن بسخرية :
_ لأن صرخات من سبقونا في هذا الأمر، ما يزال صداها يرن في الإرجاء.
نظرت لها سلمى وهي تبصر المعاناة متجسدة على ملامح الجميع بشكل واضح، بينما جسدها يهتز غضبًا وهي تتخيل مقدار ما قد تمر به النساء هنا من ظلم، إن كانت حياتهم العادية تتمثل في الإجبار والإهانة وسلب كل معاني الأنوثة منهن، فما هو العقاب هنا.؟!
_ أنتِ هي ملكة مشكى حقًا ؟!
رفعت سلمى عيونها صوب الفتاة التي كانت تختبئ بأحضان والدتها تراقبها بنظرات هادئة، قبل أن تبتسم بسمة موجوعة تهز رأسها بنعم، لتبتسم لها الفتاة تقول بصوت خافت :
_ أنتِ شجاعة كالملك، وكذلك جميلة، أمي تخبرني أن الملكة تساعد الملك في إدراة البلاد والاهتمام بأمور النساء هذا صحيح ؟؟ ألهذا تساعدينا؟!
لم تجيبها سلمى إذ كانت تجهل ما تفعله الملكات فهي لم تحظى بيوم واحد هادئ منذ تزوجت أرسلان، حتى يوم زواجها به لم يكن .
أرسلان العزيز الذي لا تدرك ما الذي حدث معه الآن، وعند هذه الفكرة دفنت وجهها بين يديها تجاهد ارتجافة رعب أصابتها وهي تهمس لنفسها أنه بخير، سيكون بخير، لأجلها، لأجل قلبها الذي ولأول مرة ينبض لأجل شخصٍ، سيعود لتخبره كم …تحبه .
فجأة انتفض جسدها واجساد الجميع في الغرفة على صوت اصطدام الباب بعنف في الجدار حينما اقتحم أصلان المكان وهو يلقيهن ببسمة مرعبة جعلت سلمى تتقدمهن بتحفز شديد تنظر له بشر وكأنها تمثل لهن درعًا للحماية .
ترسل له نظرات محذرة بالاقتراب، ورغم كل الخوف الذي يملئ صدرها لم تتراجع خطوة واحدة .
بينما أصلان رماها بسخرية يتقدم منها خطوات قليلة حتى أصبح واخيرًا أمامها ينظر لها نظرات غامضة جعلت التحفز يعلو داخل جسد سلمى والتي راقبت حركات جسده تقرأها بسهولة تتوقع ما يفكر به في هذه اللحظة، وقبل التراجع للخلف تتخذ ردة فعل سريعة لما أبصرت بعيونه كانت صفعة أصلان تهبط بعنف على وجهها مسقطة إياها ارضًا، وقد اصطدمت رأسها بقوة ارضًا …………….
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هرول بين الممرات بسرعة كبيرة وهو يبتسم باتساع لا يصدق ما وصل له، وحينما أصبح في المشفى أبصر جسد كهرمان يقتحم غرفة أرسلان وهي تصرخ باسمه .
_ أخـــــي.
اتسعت بسمة إيفان يزيد من خطوات قدمه يدخل الغرفة بسرعة بينما سالار التزم مع تبارك الخارج، إذ رفض الدخول أثناء تواجد كهرمان بالداخل .
تحرك إيفان بسرعة صوب الفراش يراقب جيد أرسلان الساكن بشكل مريب على الفراش يراقب السقف دون كلمة واحدة أو حتى ردة فعل .
بينما كهرمان تجلس جواره تتمسك بكفه وهي ترتعش من القلق :
_ أخي أنت بخير صحيح ؟؟ أتوسل إليك طمئن قلبي أرسلان لا تتركني لخوفي أرجوك.
حرك أرسلان رأسه بهدوء ينظر لكهرمان نظرات غريبة، ومن ثم نظر لإيفان نظرات فهمها الأخير يغمض عيونه متنفسًا بقوة .
ويد أرسلان تحركت تربت على كف كهرمان يطمئنها بصمت قبل أن يتحرك بعيون صوب إيفان يتحدث بنبرة غريبة على كهرمان :
_ أين هي ؟؟
_ أرسلان أهدأ فقط لقد أفقت للتو وتحتاج لـ ….
قاطعه أرسلان بصوت خرج هادئًا بشكل مرعب يضغط على كل حروفه وقد بدأ جسده يتشنج بشكل مخيف وعروقه بدأت تبرز حتى شعر إيفان أن جرحه سينفجر دماءً في أي لحظة وهو ينطق بنبرة مخيفة :
_ أين هي زوجتي إيفان!؟؟؟؟؟؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نيران القهر تفوق الغضب حرارة …..
يتبع….
لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا
لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية أسد مشكى)