رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) الفصل الحادي عشر11 بقلم عفاف شريف

“صراعات الحياة كثيرة، تعيق طريقنا في كل لحظة. توقفنا أمامها، مجبرين على الوقوف. في تلك اللحظة، يكون الخيار بين الاستسلام أو خوض معركة قوية، حرب تستحقها كل عقبة تواجهنا.”

❈-❈-❈

انتفض كمن لدغه عقربٌ وهو يراها تناظره بعيون مفتوحة بالكامل، كأنها تفاجأت أيضًا بوجوده.

بادلها النظر بعيون متسعة تشابهها.

كان كل منهما يحاول أن يفهم ماذا يفعل الآخر هنا.

وقف في مكانه متخشبًا، ينظر لها بقرف واشمئزاز، أوقف الكلام في حلقه.

ارتفع صدره بسرعة وهو يتنفس بضيق، يبتعد خطوة تلو الأخرى للخلف.

والأخرى تقف ببطء، كأنها ستنقض عليه فجأة في أي لحظة.

قبل أن يجد صوته ليصيح بصوتٍ عالٍ غاضب، بل غاضب جدًا، مناديًا على المبجلة زوجته: “فريييييدة!”

اتسعت عينا لوزة أكثر، وتوتر جسدها بشدة.

قبل أن تقفز ببطء مختبئة أسفل الأريكة، باحثة عن الأمان بعيدًا عن ذلك الغاضب.

كانت فريدة تضع الطعام الذي أحضره في الأطباق،

قبل أن تنفض إثر صيحته المفاجئة والعالية جدًا،

أوقعت الطبق أرضًا برعب،

وحمدت الله أنه فارغ.

قبل أن تهرع للخارج، تتعثر في اللا شيء،

محاولة اكتشاف ماذا يحدث.

اصطدمت بعمر فجأة لترتد للخلف، محاولة موازنة جسدها من تلك الصدمة،

وهي تراه يلتفت يناظرها بانفعال لم تفهم سببه، وهو يردد بعدم فهم: “إيه اللي كان على الكنبة ده يا هانم؟

إزاي أصلاً دخل هنا؟”

نظرت للأريكة الفارغة،

تناظره بعدم فهم،

قبل أن يصيح، وهو يشير أسفلها على القطة تحديدًا: “إيه ده؟”

نقلت عيناها بينه وبين ما يشير إليه،

قبل أن نحدجه بنظرة مليئة بالاستغراب، كأنه صاحب سبعة رؤوس.

لكنها أجابته ببساطة، كادت أن تصيبه بذبحه صدرية تناسب ما تفعله به: “دي لوزة.”

اتسعت عيناه، يريد قذفها بأقرب شيء تطاله يده، عله يرتاح ولو قليلًا، قبل أن يقول بعصبية: “إيه لوزة يعني؟

مش فاهم.

بنت أختي وأنا معرفش.

القط ده بيعمل إيه هنا؟ مش فاهم.

دخل إزاي؟

خرجيه بسرعة، يلا.

إزاي تسمحي لقط أصلاً يدخل الشقة؟”

قاطعته مصححة بسرعة وغضب: “بقولك لوزة،

دي بنوتة.

قط إيه؟”

زم شفتاه، وهو يرد: “قط قطّة، هو أنا هتجوزها؟

بقولك طلعيها فورا

حالًا يا فريدة.

دقيقة والأقي البتاعه دي بره، فاهمة؟”

كاد أن يتركها ويتحرك، إلا أنها أوقفته قائلة برفض : “تطلع فين؟

لا طبعا.

أنت بتهزر يا عمر؟”

التفت لها، يرد بتأكيد: “هزار؟

إنتي شايفة الموقف في إي دليل علي الهزار؟

القطّة دي تطلع حالًا يا فريدة.

وحسابك معايا بعدين.”

طالعته بصدمة، وهي ترد برفض قاطع: “لا طبعا.

لوزة صاحبتي وخلاص، هتعيش معانا.

إزاي تطلب مني طلب زي ده؟

ترضي أقولك أطلع بره؟

أكيد لا.

لوزة هتبقى بنتي وأنا هربيها هي والبيبي بتوعها.”

اتسعت عيناه، وهو يحاول إيجاد كلمات مناسبة لكي لا يسبها، وهو يردد: “لوزة إيه؟

وبيبي إيه؟

وتربي مين؟

مفيش قطط هتفضل في البيت ده.

القطّة دي مستحيل تفضل هنا.

وهتخرج حالًا.

ويا أنا يا القطة دي يا فريدة في البيت ده.”

ظلت تناظره لعدة ثوانٍ قبل أن تتجه إلى لوزة، تحملها وتضمها إلى صدرها مربّتة عليها، وهي تخبره بقرارها القاطع الذي لا رجعة فيه: “تمام يا عمر،

وأنا مش همشيها أبدًا أبدًا.

ده قراري النهائي.

ويا نفضل أنا ولوزة سوا،

يا نخرج سوا.

اختار.”

❈-❈-❈

حرك رأسه غاضبًا حقًا من هذا الحوار.

“إي قطة ومن أين ظهرت أصلاً؟”

كأنه بحاجة للمزيد من القرف ليزين حياته الرائعة.

تبا، تبااا.

ناظرها بغضب لعدة ثواني ، قبل أن يلتفت،

متوجهًا للخارج،

تاركا المنزل بأكمله،

وتاركا إياها تناظر مغادرته بعينٍ متسعة.

❈-❈-❈

تخشبت محلها، تضم لوزة إلى صدرها بقوة

كأنها تحتمي بها مما حدث،

والدموع تملأ عينيها وهي ترى مغادرته من المنزل.

غادر دون أن يعيرها اهتمامًا،

أو حتى أن يخوض نقاشًا معها.

غادر بكل بساطة،

كأنها غير مهمة.

أليس من حقها أن تأتي برفيق يؤنس وحدتها؟

هو بالخارج طوال اليوم،

يتركها تحادث نفسها.

ولا قريب تذهب إليه،

ولا بيت تلجأ إليه.

لا بيت ولا أهل،

هم أصلاً لا يريدونها.

هو وعدها أن يحتضن قلبها،

أن يكون لها كل شيء،

ألا يكون أبداً سببًا في دموعها.

ماذا الآن؟

ماذا تفعل هي؟

هي تكره الوحدة،

وهو يعلم.

ألا يحق لها بعض الرفقة؟

كيف له أن يطلب منها أن تطرد لوزة؟

هي أحبتها،

وتنتظر ولادتها لترعاها هي وصغارها.

انفجرت في بكاء حارق ليس فقط بسببه،

بل لأنها لا تعلم لم تبكي.

تحثها نفسها على البكاء،

أن تبكي وتبكي،

وتخرج خلفه لا تعود أبداً.

تململت لوزة من بين يديها متزمرّة،

منزعجة من صوت بكائها،

لتنزل أرضًا،

مختبئة أسفل الأريكة

من تلك الباكية التي تضمها.

هي تريد الهدوء،

وواضح أن هذا المنزل يفتقر له.

نظرت لها فريدة بقهر، وهي ترى تخليها عنها هي الأخري،

لتنفجر مرة أخرى في بكاء حارق.

❈-❈-❈

كان يسير يستغفر ربه،

غير قادر على الهدوء بعد.

مسح وجهه بضيق،

يشعر كأنه يغلي من شدة الانفعال.

بحمد الله أنه لم يفعل ما يندم عليه فيما بعد.

كان لوهلة يشعر أنه حقًا سيلقي في وجهها كلمات لا يحمد عواقبها أبدًا،

أو حتى أن يضربها.

أغمض عينيه عند تلك الخاطرة

يضربها؟

فريدة زوجته،

حبيبته وأمانته.

كيف له أن يفكر هكذا؟

لا يعلم من أين أتت تلك الأفكار البشعة برأسه،

لكنها أتت،

ولم يحبها أبدًا.

لكنه لم يتحمل ما حدث.

كان اليوم ينقصها،

تزيد همه فوق ما لديه.

تثير غضبه ثم تقف تتبجح أمامه.

تضعه والقطّة بنفس الكفّة.

كيف لها أن تفعل ذلك؟

هو لا يحب القطط،

يشمئز منها.

نعم هي لا تعلم،

ولم يخبرها يومًا.

لكن هذا ليس بمبرر.

كيف لها أن تأخذ هذا القرار وحدها؟

أتنسي أنه رجل هذا المنزل؟

رجل يجب أن تُراعى مكانته،

ولا يجب أن تأخذ خطوة واحدة دون الرجوع إليه.

تأتي بقطّة،

وترفض أن تطردها أيضًا،

بل وتخبره أنها ستخرج معها.

هزلت.

استغفر ربه مرة أخرى وهو يجلس بأول قهوة تقابله،

مقررًا ولأول مرة منذ زواجه بفريدة،

بأنه لا يريد العودة.

❈-❈-❈

طلب قهوة لتخفف حدّة هذا الصداع المقرف،

ورفع هاتفه يطالع بعض الأعمال المتراكمة عليه،

روفيدا تحاصره حد الغرق.

تراكم الأعمال فوق رأسه دون توقف،

وها هو يغرق في العمل يومًا بعد آخر.

وفي النهاية، بدلًا من أن يجد أجواء منزله هادئة مسالمة،

تجلب له قطّة.

ألا يكفيها أنها لا تصنع له الطعام؟

لا تتعلم ولا تريد، هو يعلم.

تضع الحجج الفارغة،

وهو يدفع دم قلبه.

لقمة دافئة لا توفرها له.

هي امرأة ككل النساء،

يجب أن تهتم به،

كما كانت عمته تهتم بزوجها رحمه الله.

يأتي للمنزل يجد طعامًا ساخنًا وشهيًا،

وليس ما يحدث معه أبدًا.

يومًا بعد آخر،

يشعر بعدم قدرته على التكيف.

غير قادر أبدًا.

تنهد بضيق وهو ينظر للهاتف،

لم تعره اهتمامًا

حتى ولو لمرّة.

أخرجته غاضبًا،

ولم تحاول أن تراضيه حتى.

ألقى الهاتف على الطاولة الصغيرة بغضب،

قبل أن يلتقطه مرة أخرى حينما تعالى رنينه،

مرددًا بنبرة هادئة محاولًا جعلها هكذا:

“مساء الخير يا حبيبتي.”

وأكمل معتذرًا:

“معلش، إنتي عارفة الظروف.

حاضر،

حاضر.

بإذن الله في أقرب وقت.

معلش سامحيني.

حاضر يا حبيبتي.

وإنتي من أهل الخير.

سلام عليكم.”

وأغلق الخط،

وبداخله،

يشعر بأن الوضع أصبح يزداد سوءًا،

من أسوأ لأسوأ.

❈-❈-❈

لم يتحرّك من تلك القهوة،

حتّى أُغلِقَت في وجهه،

ليعود مُضطرًا.

دلف إلى المنزل يبحث عنها بعينيه،

ولكن الهدوء أخبره أنّها لم تكن في انتظاره.

خيبة أمل أصابته وهو يدلف،

يضع ما بيده على الطاولة الصغيرة.

في طريق عودته، قابله محلّ حلوى جديد،

فجلب لها،

لكنّها لم تكن تنتظره.

مخطئة كانت أم كان هو؟

لم يعد يعلم،

من فيهما المخطئ.

أكان خطأها أم خطأه،

وهو يغفل: من أين أتت هي؟

دخل إلى غرفتهم ليجدها تغطّ في نوم عميق،

وبجانبها تلك “اللوزة”،

تنام مكانه بكل قلّة أدب.

ناظرها بغيظ وهو يراها تتقلّب على فراشه،

بجانب زوجته.

لكن، والغريب،

أنّها لم تكن في جانبه، بل “فريدة”

نامت هي محلّه،

وضعت القطة محلّها،

بشكل أو بآخر، لم تحاول إزعاجه،

بل راعت اشمئزازه،

وأبعدتها عن طرفه من الفراش.

اقترب منها،

وكاد أن يوقظها ليحلا هذا الخلاف،

لكن مظهرها المُتعب،

كان كفيلًا بأن يجعله يتوقّف،

ولا يوقظها،

مُقرّرًا مصالحتها صباح الغد.

وغادر الغرفة،

بعد أن أهداها قبلة.

لم يدرِ أنّها مستيقظة،

لكنّها لا تريد الحديث،

ببساطة،

لا تريده.

❈-❈-❈

صباح يوم جديد،

استيقظت آلاء ولم تحظَ حتّى بكوب قهوة ليفيقها قبل أن تبدأ في دورة طويلة من الأعمال المتتالية ومتطلّبات الصغار التي لا تنتهي،

غير كلمة “ماما” التي تُقال سبعة آلاف مرّة في الدقيقة.

وكالعادة، لم يعد زوجها حتّى الآن.

العمل والمسؤولية،

هما حجته الدائمة.

حجج كثيرة،

والغريب أنّها لم تعد تهتم،

إذا كان هو لا يهتمّ بها.

أيَتوقّع منها أقلَّ ما يقدّمه؟

هي قدّمت أيّام الأسبوع كلها،

ولم يُعطها هو حتّى ساعة واحدة.

هي لم تعد تلك المُعطاءة،

أصبحت النسخة المعدّلة على يده:

النسخة القاسية والهشّة في ذات الوقت.

أصبحت غير ما كانت،

بفضله، أصبحت ترى نفسها خاوية،

غير قادرة على منح الحب،

والمؤلم أكثر: ولا حتّى تقبّله.

حتّى هذا أصبح صعبًا جدًّا.

أفاقت من شرودها على تلك الكرة التي أصابت وجهها،

جعلتها ترتدّ للخلف،

تحاول أن تتمسّك بأوّل ما تطاله يدها،

ولم تتوقّع تلك اليد التي حاوطت خصرها فجأة.

كانت يد رامي، زوجها.

انتفضت في اللحظة نفسها مبتعدةً كمن لُدغ بعقرب،

مُبعدةً كفّه، رافضةً إيّاه،

قبل أن تخلع خُفّها مُلقيةً إيّاه على ابنتها التي ركضت ضاحكةً من أمامها.

تنهدت بضيق، تُمسّد رأسها المتألم،

قبل أن تتابع لملمة الغرفة، وكأنّها لم تره،

وكأنّها لم تكن بين أحضانه منذ عدّة ثوانٍ.

هو لم يُلقِ السلام حتّى.

فكّرت لوهلة أنّه أصبح يظنّ المنزل فندقًا للنوم فقط وبعض الأشياء التي لم تعد تقبل بها.

تحرّكت حاملةً تميم الباكي، وهي تُربّت على ظهره محاولةً إسكاته بشتى الطرق.

الصغير مستيقظ بمزاج عَكِر كمزاجها.

مدّ يده الصغيرة، يحاول الوصول إلى والده الذي لم يعد يراه سوى القليل.

انتظرت أن يأخذه منها، يحتضنه ويقبّله مُشتاقًا،

لكنّه لم يفعل.

ورغم أنّ هذه الأمور الصغيرة تؤلم قلبها على صغارها،

لكنّها لم تهتم.

فدلفت به إلى غرفتها لكي تُطعمه وتُبدّل له ملابسه،

ولم تُلاحظ ذلك الذي أتى خلفها.

طالعها لدقيقة قبل أن يُكمل عملها،

ليقاطعها بنبرة مُستهزئة:

“ده منظر تقابلي بيه جوزك بعد ما يرجع من الشغل تعبان وشقيان؟”

وحينما لم تردّ،

زاد من قسوته وهو يُردّد ساخرًا:

“إيه المنظر ده؟

انتِ تقريبًا ما بتشوفيش الستّات عاملة إزاي،

ولا بتعمل في نفسها إيه؟

في شعرها وجسمها؟”

رفعت رأسها تُقابل حديثه الساخر بنظرة حادّة،

قبل أن تُضيف بسخرية:

“مش كفاية انتَ بتشوف،

هيبقى أنا وانت؟

لأ، عيب يا حبيبي.

لو سمحت، أنا دماغي مصدّعة من العيال،

مش حابّة أتخانق دلوقتي.

لما أبقى رايقة إن شاء الله.”

اقترب منها يشدّها من ذراعها لتقف مُجبرة،

تاركًا صغيرها على الفراش، وهو يقول بحدّة:

“إيه البرود اللي انتِ فيه ده؟

من إمتى المعاملة دي؟

إيه، ما بقاش فارق معاكي ولا إيه؟”

أزاحت يده وهي تقول مؤكّدة:

“من زمان،

بس انتَ أعمى القلب والبصيرة.

قبل ما تيجي تطالب بحقوقك،

شوف واجباتك،

واجباتك اللي انتَ ما تعرفش عنها حاجة.

أنا مش جارية يا رامي،

ولو انتَ ما تعرفش قيمتي،

دي مشكلتك،

وخسارتك، صدّقني.”

وحملت ابنها وغادرت.

فالخسارة خسارته في كل الأحوال.

❈-❈-❈

في إحدى الدول الأوروبية

أوقفت سيارتها لترتجل منها، واضعةً الهاتف على أذنها، تتحدث بهدوء مع أحدهم بخصوص أحد الأعمال المقبلة عليها، قبل أن تدلف إلى المنزل.

ويقاطعها ركض الصغيرين نحوها بسرعة. ارتدت للخلف لوهلة قبل أن تبتسم لهما، مبعدةً إياهما عنها وهي تربت على خصلاتهما بحنان سريع، قبل أن تشير للخادمة أن تصحبهما وهي تقول:

“لماذا الأطفال هنا؟ اصعدي بهم إلى الأعلى، لا أريد أن أراهم سوى في غرفهم يدرسون ويستعدون للاختبارات القادمة. لا أريد تقصيرًا أبدًا.”

وأشارت للصغار مودّعةً إياهم، قبل أن تسرع إلى غرفتها لتأخذ حمامًا سريعًا استعدادًا لعشاء الليلة.

وصل أمير هو الآخر، يجري عدة محادثات هامة، ليقابل الخادمة وهي تحمل عنه معطفه وتخبره بهدوء:

“السيدان الصغيران مريم ومراد سألوا عنك كثيرًا، سيدي. يريدان الجلوس معك، هل آتي بهما؟”

هزّ رأسه نافيًا بانشغال، وصعد سريعًا إلى غرفته ليرتاح قليلًا قبل عشاء الليلة.

دخل الغرفة، وألقى بنفسه على الفراش قبل أن يأتيه اتصال من شقيقه تميم. فتح المحادثة سريعًا وهو يقول بشوق حقيقي:

“وحشتني يا ندل! كده متسألش عليا كل ده؟”

رمقه تميم بنظرة ساخطة وهو يرد بقرف:

“والله إنت ما عندك دم. إنت عارف أنا كام مرة أكلم الولاد ومبعرفش أوصلك؟ دايمًا تليفونك يا مشغول يا مغلق، ودائمًا يقولولي مشغول! مش عارف أوصلك خالص، بجد، إيه ده؟ فينك يا ابني؟ إيه كل ده؟ معقول مش فاضي تكلم إخواتك وتطمن على أبوك ولو خمس دقايق؟”

قالها بلوم وحزن من عدم وجوده وسطهم.

فأمير أصبح حقًا مشغولًا جدًا، وأصبح قليل الحديث معهم. أغمض أمير عينيه بإحراج قبل أن يكمل حديثه كأن شيئًا لم يكن. فهو حاليًا ينظر لمستقبله، لا وقت لديه حقًا، لا وقت حتى لأقرب ما لديه، أطفاله الصغار.

أغلق مع تميم بعد محادثة قصيرة اضطر لإنهائها للقيام ببعض الأعمال، قبل أن يقاطعه صوت دق على الباب. تأفف بضيق وهو ينظر للهاتف، وسمح للطارق بالدخول، ليأتيه بعدها صوت حماس صغيريه وهما يلقيان نفسيهما بين أحضانه.

احتضنهما بقوة، مقبلًا صغيرته مريم وأخاها مراد، وهو يسألهما أسئلة سريعة، قبل أن ينشغل بهاتفه مرة أخرى سريعًا.

لتقاطعه مريم، محاولةً جذب انتباهه:

ربت على رأسها بحنان منشغل، وتدخلت زوجته التي خرجت لتوها من حمامها وهي تقول بجدية:

“بتعملوا إيه هنا؟ مش وراكم درس بيانو تقريبًا كمان شوية؟ يلا بسرعة! وقلنا قبل كده، بابي ومامي مشغولين أوي، أوك؟ يلا!”

أتت الخادمة مسرعةً لتأمرها قائلةً:

“أحضري لي قهوة سريعًا، وخذي الأولاد لغرفهم. هيا!”

أومأت لها الأخرى وهي تردد:

وجلست تمشط خصلاتها سريعًا تحت نظرات صغيريها وهما يغادران مجبرين.

ألقى أمير الهاتف متأففًا وهو يقول:

“يارا، عايزين نفضي وقت ننزل مصر أزور بابا ونتجمع مع إخواتي.”

أجابته دون اهتمام:

“انزل إنت يا أمير، أنا مشغولة جدًا. مش معقول أسيب شغلي عشان ننزل ونضيع وقتنا هناك. حط أي حجة عادي، مش أول مرة. إحنا مش فاضيين، أنا عن نفسي مش فاضية. انت حر.”

قالتها سريعًا وهي تتلقى مكالمة عمل جعلتها تندمج بها.

كاد أن يصيح بها، لكن مكالمة له هو الآخر منعته، لينغمس هو الآخر، غافلًا أنه يضحي بأهم الأشياء مقابل اللا شيء.

❈-❈-❈

كانت آسيا مستيقظة منذ الصباح الباكر، تحضر نفسها وملابسها وكل شيء. أدق التفاصيل اهتمت بها.

وقفت أخيرًا ترتدي ملابسها استعدادًا للذهاب مع عمتها إلى الشركة، أو بمعنى أصح، ستفاجئ عمتها بقرار مجيئها.

هي لا تعلم بعد، وستذهب مهما كلفها الأمر، فهي بحاجة لاستكشاف المكان أكثر عن قرب.

علمت أمس أن تميم كان المرشح الأنسب للزواج من الأميرة فريدة، والغبية الحمقاء صاحبة الرأس اليابس فريدة أضاعته من بين يديها.

غبية منذ يومها الأول، تضيع الكنوز لتتحط بين يديها هي.

تركت تميم لتتزوج ذلك الصعلوك على رأي عمتها.

تركت تميم، وكم كان هذا مناسبًا لها.

تركته لأجلها.

واضح أن تميم من نصيبها هي، سيصبح زوجها، وستربح جولة جديدة لصالحها.

قاطع خيالاتها دخول عمتها تحمل لها كوب حليب دافئ، وهي تناولته إياها، مقبلة إياها، متسائلة باستغراب وهي تراها تكاد تنتهي من ارتداء ملابسها:

“رايحة فين على كده؟”

أجابتها مؤكدة وهي ترد لها القبلة:

“جايه معاكي، مش أنتي رايحة لعمو مدحت الشركة؟

هاجي معاكي، عايزة أروح أعمله مفاجأة، بعدين نخرج كلنا نتغدى سوا، إيه رأيك؟”

أومأت لها صفية بعقل شارد.

مدحت ليس كالمعتاد، هناك شيء لا تفهمه.

هناك حلقة مفقودة منها.

أصبح كثير التأخر، كثير السكوت أكثر من قبل.

هناك شيء هي فقدته، وكل يوم تزداد الخسارة، خسارة تظن أنها كبيرة.

❈-❈-❈

بأحد دول العربية

كانت سارة تقف في المطبخ بجانب مربيتها حسناء، والتي تعد بمثابة أم لها ، هي من ربتها بعد ما رحلت أمها وتوفيت، وقابلت وجه كريم.

كانت حسناء الحضن الدافئ لها دائماً،

الملجأ الذي تحتمي به،

تشاركها أسرارها،

تضحك معها.

أبسط وأهم الأمور تكون معها.

نعم، هي بسيطة، بل بسيطة جداً.

أتت بها أمها منذ سنوات طويلة من بلدتها الصغيرة،

فهي مطلقة ولا تنجب.

ولم يرضَ بها سوى رجال متزوجين، امرأة واثنين وثلاثة، ويريدها لجمالها.

متعة لهم

وهي لم ترَ نفسها سلعةً يوماً.

ف أتت مع أمها،

أصبحت أمها الثانية.

رغم بساطتها، لكنها مؤمنة أن الأمومة لا تحتاج علم أو شهادات، هي فقط بحاجة للعطاء والكثير من الحنان والحب.

حنان يفتقده الكثير من الأمهات الأحياء.

اقتربت منها، تطبع قلباً عميقاً على وجنتيها،

لتُهديها الأخرى قبلة أكبر، قل أن تكمل تحضير غداء اليوم، وهي تقول:

“يلا عشان تلفي ورق العنب،

ورانا شغل كثير،

يلا.”

اتسعت عينا سارة وهي تحاول إيجاد طريقة للهروب من تلك الورطة،

ومن المطبخ بكامله.

“أي ورق عنب؟”

كادت أن تتحرك،

إلا أن يد حسناء منعتها، وهي تمسكها من ملابسها، تعيدها محلها، تجلس وتجلسها بجانبها، قائلة بصوت صارم أُمومي:

“لفي ورق العنب.

مفيش هروب.

هو كل يوم حجة شكل.

يلا بقي لفي،

وأنا براقبك.”

قالتها بتحذير:

“يلا، أتعلمي عشان لما تتجوزي.”

نظرت سارة للورق تارة، ولحسناء تارة،

قبل أن تضحك مرغمة على لف تلك الورقات، وهي تتحدث متسائلة:

“صح، تعرفي مين جي النهارده؟”

هزت حسناء رأسها بعدم معرفة،

وهي تقول:

“والله يا بنتي ما قال.

هو بس قال لي جهزي سفره معتبرة،

عشان جي ناس مهمة،

وادينا روقنا البيت،

وبنعمل الأكل.”

هزت سارة رأسها بعدم اهتمام.

هي لا تهتم في تلك اللحظة سوى بفريدة،

تلك التي حادثتها أمس.

تشعر أن تلك الفتاة،

كلما نجت،

غرقت.

❈-❈-❈

انتهت من تنظيف سريع للمنزل،

أطعمَت لوزة ولعبت معها قليلاً فقط،

لكنها لم تقدر على أكثر من هذا.

اليوم هي لم تود أن تجلس في الشرفة،

لم تود فعل أي شيء،

بل دلفت لغرفتها مرة أخرى،

تندس بالفراش تريد النوم أكبر قدر،

النوم أم الهروب؟

لا تعرف، لم تعد تعلم.

تذكرت محادثتها مع سارة أمس،

ظلت تبكي وتحكي لساعات معها،

لم تجد سارة ما تقوله،

وهي عمر علاقة يجب فيها المعافرة من الطرفين،

محاولة التكيف لن تكون سهلة أبداً.

تنهدت بضيق،

وبعد الكثير من المحاولات الفاشلة للنوم،

استقامت تجلس، تضع الوسادة خلفها،

تمسك هاتفها وتقلب فيه بملل،

حتى وقع تحت يدها مقطع أظهر الدموع بعينها،

وهي تقرأ بحزن:

لم أرد يوماً…

ولم يحدث أن حلمت بحياة وردية…

فوق الغيوم اللّازوردية…

أردت فقط حياة…

فيها شيء من الحياة،

شيء من الألوان…

وربما شيء من الحب… شيء من الأمان…

بسيطة كانت رغباتي…

لم يكن الأمر يستحق…

أن تصفعني الحياة بسوادها ورماديتها، بدل أن تحتضنني

بشيء من حنانها…

لم يكن الأمر يستحق

ولم أكن أنا أستحق

لذا….

بحثت عن لونٍ في ركام رمادها،

عن زهرة نبتت وسط صخرها،

عن ضوء خافت يخترق ظلامها…

فربما، الحياة يوماً تبتسم… ولو بلمحة صغيرة.

فيروزة

مسحت دموعها بقسوة،

هي لا تريد البكاء.

أغمضت عينيها تحاول التفكير فيما حدث اليوم صباحاً.

Flash Back

كانت تغط في نوم قلق بعدما قضت ليلة مؤلمة مليئة بالأرق.

تقريباً الوحيدة التي نامت سعيدة كانت لوزة.

أما هي فظلت طوال الليل في قلق

ونوم مضطرب.

أفاقت من نومها على يد تمر على وجنتيها،

لوهلة لم تستوعب ما يحدث،

حتى أفاقت وهي تجد عمر يجلس بجانبها،

يمرر يده على خصلاتها،

قائلاً برفق: الفجر ضاع عليكِ يا كسولة.

نظرت له باستغراب من طريقته.

أيتخطى موقف الأمس وكان شيئاً لم يكن؟

صوته العالي والمشادة بينهم شيء لا تقبل هي به.

أخطأت نعم،

ستعتذر نعم،

لكن ليس قبل منه.

أخطأ سوياً،

فليتناقشا.

لا يتركها ويرحل بتلك الطريقة.

اعتدلت في جلستها مبعدة يده،

وهي تمسح وجهها محاولة الاستفاقة.

اقترب منها أكثر قائلاً برفق: هنفضل كده كثير يا فريدة؟

ماشي أنا غلطت بس أنتِ كمان غلطتي.

إزاي تجيبي قطة من غير ما تقوليلي؟

إزاي تخدي خطوة مهمة في إنك تجيبي حيوان أليف من غير ما أكون مشارك في القرار ده؟

أنتِ مش شايفة نفسك غلطتي؟

قالها وهو يدير وجهها بين يديه ليقابل وجهه.

زمت شفتيها قبل أن تقول بتعب: مشكلتك إنك مش قادر تفهمني يا عمر.

اللي بتعمله ده هيخلق بينا فجوة.

أنا مش بنكر إنك بتعافر عشاني.

طيب وأنا إيه؟

وأنا اللي بزرع نفسي في أرض جديدة

ويحاول بكل قوتي أكون زي ما أنت بتتمنى.

إيه المشكلة لما جبت لوزة؟

أولاً أنا مخدتش القرار لوحدي،

لوزة أنا لاقيتها في الشارع حامل والولاد بيضربوها، وشكلها قطة بيت،

بس صاحبها رماها تعبانه ومتبهدلة.

أكلتها ومشيت،

بس هي جت ورايا،

كانها اخترتني.

ربنا بعتها ليا.

أنت متخيل كمية الثواب اللي هنخدها لما نربيها؟

مش ده الدين.

إيه المشكلة؟

هي لطيفة خالص،

ومعملتش حاجة لكل العصبية دي.

كنت تقدر تتكلم بهدوء،

بس أنت خدت طريق الهجوم،

والأمر كأني مليش رأي.

وقالت أخيراً بتأكيد: بس مش أنا اللي هقبل بده يا عمر.

يمكن أهلي رفضوني،

بس أنا مش هكرر الغلطة مرتين.

عودة للوقت الحالي

انتهى النقاش أسرع مما تخيلت بمكالمة هاتفية تحثه على الذهاب حالاً للمكتب دون أي تأخير.

انتهى النقاش دون أن تكمله.

لا تلومه، هذا أمر طارئ خارج عن إرادته.

لكن بداخلها شيء لا تعلمه،

خوف يزداد،

يوم بعد يوم.

خوف من قادم تخشى أن يمزق قلبها،

خوف من تكرار الخيبات.

❈-❈-❈

كان يجلس بجانب والده يشاركه رأيه في بعض الأعمال.

منذ أشهر طويلة لم يأتِ إلى شركة والده،

لكن اليوم جاء،

ويبدو أنه سيأتي كثيراً في الفترة القادمة.

مشروع ضخم يريده والده أن يكون مساهمًا فيه، ووافق هو بشدة.

خطوة جديدة ستقربه من أن يراها.

سيرحب بها بالطبع،

وها هو يضع حجر الأساس مع والده لمشروع جديد،

مخططين نحو القادم.

قرر والده دون الرجوع إليه

أن التعامل سيكون معه فقط،

وهو سيكون همزة الوصل مع الجميع.

لم يفهم الفكرة،

لكن لم يجادل فهو ليس متفرغًا من الأساس.

رنين هاتفه قاطع شروده،

ليلتقطه وهو يقف قائلاً لأبيه:

“أنا همشي أنا يا حبيبي،

عشان ورايا شغل كثير،

بكرة نكمل إن شاء الله.”

قالها بعد أن قبل رأسه،

مغادرًا سريعًا.

وفي طريقه للخروج،

لا يعلم من أين ظهرت تلك التي اصطدم بها،

أو بمعنى أدق،

اصطدمت به هي معتمدة.

تلك التي تنتظره خروجه منذ ساعتين وربع.

ها هي تسقط بين أحضانه،

وستسقطه هو قريبًا في شباكها.