رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) الفصل الثاني عشر12 بقلم عفاف شريف

الحياة متاهة، في زواياها ضوءٌ وظلال،

منهم من يرقص على ألحان السعادة،

ومنهم من يضيع بين صمت الألم.

أناسٌ يرون العالم بألوانه الزاهية،

وآخرون لا يعرفون سوى الرمادي.

وفي القلب، هناك أوجاع لا تُرى،

وأحلام تائهة تبحث عن مأوى.

كل لحظة هي وعدٌ مكسور،

لكنها أيضًا فرصة جديدة.

نحن جميعًا ضيوف في هذا الوقت،

نبحث عن معنى في الزمان والمكان،

وكلنا في النهاية،

نعيش على أطراف الأمل.

❈-❈-❈

ناظرها لوهلةٍ بدهشةٍ وهو يراها فعليًا بين ذراعيه، بين أحضانه.

قبل أن ينتفضَ مبتعدًا عنها بسرعةٍ، مبعدًا إياها عنه، حتى كادت أن تسقطَ أرضًا.

مسحَ وجهه بتوترٍ، وهي أمامه تهندم ملابسها بحركاتٍ واهيةٍ، بتوترٍ وخجلٍ مدَّعيهٍ أمامه.

لكن في الحقيقة، كانت عيناها عليه، تراقبانه بشغفٍ ودقةٍ،

بدقةٍ أكبر.

تراه عن قربٍ وتتفحص ملامحه، وتكتشفه بشكلٍ جديدٍ لعينيها الهائمتين به وحده.

تشبع عينيها من زوجها المستقبلي.

نعم، لقد قررت.

ومن أول لحظةٍ، فهو…

وسيم،

جذاب،

شبيهٌ لهم،

من طبقتهم.

وببساطةٍ، هي تريده،

وهذا الأهم والمهم.

من لا تتمنى هكذا زوجٍ،

يجعلها ملكه كما أرادت،

وكما تربت.

غبيةٌ فريدةٌ،

بل وأكثر.

فمن تضيعُ هذا من بين يديها،

لم تكن سوى حمقاء.

وفريدةٌ هكذا دائمًا.

رفعت يدها تعيد خصلات شعرها للخلف وهي تتمتم برقةٍ:

“شكرًا جدًا.

لولاك كنت وقعت.”

أومئ لها سريعًا بلا مبالاةٍ،

وكاد أن يتخطاها،

إلا أن أوقفته يدها وهي تمسك ذراعه.

نفض يدها بحركةٍ تلقائيةٍ، متفاجئًا بجرأتها.

وسحبت هي يدها بحرجٍ مصطنعٍ، مدركةً جرأتها في خطوةٍ كتلك.

ناظرها مستفهمًا بحدةٍ وتوترٍ في آنٍ واحدٍ.

لتجيبه مباشرةً ودون تجميلٍ:

“أنت مش فكرني؟

أنا آسيا.”

أومأ برأسه صامتًا منتظرًا أن تنهي حديثها.

لتحدجه هي بنظراتٍ ممتعضةٍ، متسائلةً بضيقٍ:

“طالما فكرني، مردتش عليا امبارح ليه؟

أنا بعتلك مسدج.”

ارتفع حاجبه بشدةٍ حتى كاد أن يلتصق بمقدمة رأسه من شدة صدمته.

لم يظن لوهلةٍ أن تأتيها الجرأة لتسأله هكذا سؤالًا قليل الأدب مثلها.

أكانت تريده أن يرد؟

هل تظن نفسها صديقته؟

زفر بضيقٍ وهو يجيبها بهدوءٍ واثقٍ:

“أرد على حضرتك ليه؟

أنا معرفش حضرتك.

مجرد معرفةٍ عابرةٍ.

وكونك قريبة زوجة شريك والدي،

ميخليش في بينا أي معرفة.”

شايفه المسافة.

قالها بسخريةٍ.

ارتفع حاجبها بصدمةٍ من رده الصلف.

وهي ترد بنعومةٍ:

“المهم إننا نعرف بعض.

تسمحلي أكون صديقة ليك؟

مجرد صديقة.”

ناظرها بغير فهمٍ.

“أي صديقة؟

أي صداقة من أساس؟

هو لا يعرفها،

ولا يريد.”

منذ متى معروف عنه أنه يصادق النساء؟

هو رجلٌ.

وبداخله إيمانٌ أنه لا يوجد صداقة بين رجلٍ وامرأةٍ.

وما لا يقبله على إخوته،

لا يقبله على غيرهم،

وتحديدًا تلك الآسيا.

حسنًا، لن ينكر أنها جميلةٌ، بل جميلةٌ جدًا،

أنيقةٌ،

ذات حسبٍ ونسبٍ،

راقيةٌ.

لكن مهما كانت،

لا يهم.

لا تهمه،

ولا تروق له،

أبدًا.

رفعت يدها تطلب مصافحته وهي تقول برقة،

تخطو أولى خطواتها نحوه:

“أكيد مش هتكسفني، صح؟

أصحاب.”

ظل ينظر ليدها لعدة ثوانٍ،

وهي تناظره بعينٍ متفحصةٍ،

متحمسةٍ.

قبل أن يرفع رأسه قائلًا بدون حرجٍ وهدوءٍ يليق به:

“آسف،

مش ممكن أبدًا.”

وغادرها سريعًا،

دون حتى أن يعتذر.

الوقح.

ووقفت هي تنظر في أثره بعيونٍ متسعةٍ ووجهٍ أحمرٍ،

محرجًا غاضبًا.

وهي تكز على أسنانها منه،

ذاك البغيض.

أحرجها بكل بساطةٍ وغادر.

عضت على شفتها بغيظٍ حتى كادت أن تدميها.

وهي تفكر بإصرارٍ أكبر وأكبر.

من يفكر نفسه؟

يرفضها،

ويحرجها؟

التفتت تدخل حيث كانت،

وهي تفكر بعزيمةٍ .

مهما فعل،

هي لن تستسلم.

هو لها شاء أم أبي،

سيكون ملكها.

ستفوز برهانها مع نفسها.

هي امرأةٌ تَأبى أن يُقال عنها إنها استسلمت.

❈-❈-❈

بأحد الأحياء الهادئة،

ترجّل أحمد من سيارة الأجرة،

يحمل بين يديه باقة من الورود،

وأيضًا صندوق كبير به الكثير مما تحب.

جاء إلى هنا بأمر من أمه،

هي تجبره،

تريده أن يراضيها،

تخبره بضرورة الوصول لحل وسط،

وأن يمرر الأمور.

فتلك الأمور عادية جدًا بتلك الفترة.

تضغط عليه،

هو مضغوط من جميع الجهات.

ألا يحب داليا،

بل يحبها،

ألا يريدها،

بل وأكثر مما هي تتخيل.

لكن طريقتها،

أسلوبها،

تلك الأمور أصبحت صعبة.

أخذ نفسًا عميقًا،

وهو يدلف للبناية.

يقف أمام الباب،

قبل أن يدق الجرس،

لتفتح له أمها.

ابتسمت وهي تراه أمامها،

قائلة بهدوء:

“أهلا يا أحمد،

ادخل يا حبيبي،

نورت.”

ابتسم لها وهو يدلف للشقة،

يجلس بمكانه المعتاد ينظر أرضًا،

منتظرًا أن تحضر حماته.

أتت وهي تحمل بين يديها كوب العصير،

وتجلس تسأله عن حاله وأهله.

قبل أن يسألها هو بهدوء:

“أمال داليا فين يا طنط؟”

تنهدت قبل أن تجيبه بهدوء:

“مش هنا والله يا ابني،

خرجت مع صحابها،

قالتلي هتجيب شوية حاجات،

وهتيجي كمان شوية ،

استناها إن شاء الله مش هتتأخر.”

ابتسم لها قائلًا بهدوء:

“مش مشكلة،

الغلط مني إني جيت بدون معاد،

معلش سامحيني.

كنت عايز أعملها مفاجأة،

عشان نقعد نتكلم ونحل الخلاف بينا.”

وأكمل قائلًا بإحراج وهو يقف:

” مش مشكلة، أنا همشي،

وإن شاء الله هبقى أجي وقت تكون موجودة.

يلا سلام عليكم.”

وما إن خطا خطوة للخروج وحماته تحاول منعه ليبقى قليلاً حتى تأتي ابنتها،

حتى أوقفه دخول داليا من الخارج.

وعلى وجهها ابتسامة اختفت تلقائيًا بمجرد أن رأته،

وهي تقول بقلة ذوق حادة:

“إنت بتعمل إيه هنا؟

إنت مش قلت اللي عندك وأنا قلت اللي عندي؟

يبقى بتعمل إيه هنا؟”

انعقد حاجباه وهو يطالعها بلا رد،

قبل أن يتحرك للخارج متجاهلًا إياها.

لتوقفه والدتها بسرعة قائلة بتوبيخ شديد:

“إيه قلة الذوق دي؟

أما إنتِ بنت قليلة الأدب صحيح!

بقي الراجل جي عشان يصالحك،

وجايبلك حاجات وهدايا،

وإنتِ تقولي الكلام ده؟

إنتِ قليلة الذوق.

والله ما هو ماشي،

ولو حد هيمشي يبقى إنتِ.

فاهمة؟”

قالتها وهي تتوجه به حيث مكانه مرة أخرى وهو صامت لا يرد،

ولا يريد أن يرد.

وقفت أمها تراضيه وهي تحدجها بنظرات غاضبة،

مغزاها: “إنكِ أخطأتِ،

وزاد الوضع سوءًا يا غبية.”

والأخرى تقف متأففة.

ربتت أمها على ظهره،

وهي تبتعد تأتي بابنتها تجرها خلفها،

ملقية إياها بجانبه،

وهي تقول بهدوء محذرة إياها بشدة:

“أحمد جه عشان تتصالحوا،

وتتكلموا وتشوفوا المشكلة فين وتتحل،

لازم تتحل.

اللي بينكم أكبر من التفاهات دي.

الراجل جه بنفسه.

عيب يا داليا،

عيب.”

قالتها مشددة،

وهي تشير للهدايا،

وأحمد الصامت تمامًا.

قبل أن تربت على رأسه قائلة بحنان:

“متزعلش يا حبيبي،

أنا هروح أعملك لمون،

وأنتوا اقعدوا اتكلموا وحلوا مشاكلكم تمام.”

قالتها،

وتوجهت للداخل،

بعد أن أشارت لابنتها أن تلملم الوضع.

فهي تقف على الحافة،

وستقع في أي لحظة.

❈-❈-❈

ظلل الهدوء جلستهم.

لا هي تحدثت ولا هو بدأ ككل مرة.

وحينما طال صمته،

رفعت عينيها تناظره بغيظ.

إنها المرة الأولى أن يصمت بهذا الشكل.

كان دائمًا يأتيها راكضًا،

يصالحها،

يدللها،

ويطلب مسامحتها،

مهما فعلت ومهما تدللت.

يظل هو المبادر،

ويبدأ ككل مرة.

لكن تلك المرة،

صامت.

حذرتها أمها أمس،

أن تكف عما تفعل،

لكن ماذا فعلت هي؟

طلبت ما لا يقل عن أبناء عائلتها.

أيريد أن تُهان وسطهم،

أن تكون أقل.

هي كانت دائمًا تسعى لتكون مساوية،

بل وأحسن وأفضل.

الآن يريدها أن تحط من قدرها بتلك الطريقة؟

ما الكثير بطلباتها!

هي تطلب ما يناسب ذوقها وذوق أصدقائها.

تنهدت بضيق قبل أن تقترب منه،

تناظر الورود والصندوق بعين فضولية.

لطالما تميز أحمد بهداياه.

كانت رقيقة تجعل قلبها يبتسم،

وعينها تلمع فخرًا بكل مرة تتباهي بكل ما يحضره لها.

والآن يجب عليها حل الأمر كما أمرتها أمها.

فالتنازل الصغير،

سيعفيها من خسارة أكبر.

خسارته.

اقتربت أكثر حتى كادت تلتصق به،

ليبتعد هو كالعادة،

بدون أن يرفع عينيه ويوبخها.

قربت يدها لتمسك يده،

كاد أن ينتزعها فورًا،

لكنها أصرت وهي تتمسك أكثر،

وتقول برقة:

“أحمد.”

حينما لم يرد،

كررت ندائها،

مرة بعد مرة،

حتى رفع وجهه يطالعها،

وكأنه حان دورها لتخفض هي عينها،

تردد على مضض مجبرة وشعور الثقل داخلها يزداد،

ترفض ما ستقول:

“أنا آسفة.”

تنهد بإرهاق هو الآخر،

قبل أن يشدّد على يديها قائلًا بضيق:

“أنا مش عايزك تعتذري يا داليا،

مش عايز بجد.

أنا حابب إنك تشوفي الدنيا بعين تانية،

تشوفي إن الحياة أبسط من كل البهرجة دي.

في حاجات كتير حلوة بس مش بالأوفر ده.

أنا تعبت من تحميلك ليا فوق طاقتي،

تعبت من إني دايمًا الوحش الغلطان.

أنا بحاول وعلى إيدك،

بس كل حاجة فوق طاقتي،

فوق قدرتي.

أنا عمري ما أعيشك أقل من حد،

بس لكل إنسان طاقة وقدرة،

عشان كده ربنا خلقنا طبقات.

أنا وإنتِ من نفس الطبقة.

ولما حبيتك بقيت بحط نفسي في ضغط كبير عشان نخرج من المستوى اللي مش عجبك ده.

رغم إني ما عنديش مشكلة أبدًا معاه.

إنتِ عايزة شقة في مكان معين،

وتجهيزات معينة اتكلفت مبالغ تجوز كذا راجل،

ومع كده أنا جيت على نفسي كتير عشانك.

بس خلاص كفاية كده،

كفاية بجد.”

قالها بتأكيد وضيق مما تحمل على مر تلك الفترة المرهقة جدًا له،

نفسيًا وجسديًا من كل الجهات.

هو ينهار،

يكاد لا ينام،

لا يأكل كباقي البشر،

من هذا لذاك،

ولا يعجبها أيضًا.

تنهد قبل أن يكمل بتأكيد:

“مفيش فلوس لكل أحلامك دي،

هنحلم ونحقق كل اللي إنتِ عايزاه

وبتتمنيه،

بس واحدة واحدة.

محدش بيجري ورانا،

ومحدش بينط السلم،

بنطلع سلمه سلمه،

عشان نوصل قادرين نكون سعداء،

مش محملين بديون تقصف عمرنا.

إحنا كان زمانا متجوزين من بدري

بس أنا محبتش أكسر فرحتك

وبقيت بشتغل ليل نهار عشان أوضب التوضيب اللي إنتِ عايزاه

والشقة كل ركن زي ما إنتي حابة

رغم إنك كنتي عارفة رفضي لكل الحاجات المبالغ فيها

بس رضيت واستحملت

عشان إيه؟

مش عشان خاطرك

مش عشان أحققلك كل ده من غير كلمة “لا”

بس بجد، كل ده فوق طاقتي

أكثر مما لازم أتحمل

وعشان حاجات مش أساسية

عادي، نقدر نجيبها بعدين واحدة واحدة

مش لازم نتجوز بكل الرفاهيات دي

صمت قليلاً

قبل أن يمسح وجهه مستغفرًا

وهي يرى التماع الدمع في عينيها

ليستغفر ربه

وهو يشد على يدها قائلًا برفق: ممكن متعيطيش؟

مسحت دموعها وهي تحاول تلك المرة سحب يدها

ليشدد وهو يلف وجهها لتطالعه وهو يكمل: عشان خاطري يا داليا، زقي معايا الدنيا

عايزين نتجوز بقى

بلاش الأسعار الخزعبلية دي بالله عليكي

خلينا نشوف حاجة وسط

لا غالية أوي كده

ولا رخيصة

أنا مرضهالكِش أصلاً

بس خلينا وسط

أوك، تمام

مرضيه

قالها وهو يقبل يدها

كتمت غيظها بداخلها وهي تطالع أمها خلف أحمد

قبل أن تُومئ برأسها غصبًا

هي لا تريد تلك الوسطية

لكن ستجد حلًا

أكيد

هي لن توافق بتلك السهولة

فلتحل أمورها الآن

وحينما يحين الوقت

ستجد ألف طريقة وطريقة

فهي لا تقبل بأقل مما تريد

أبدًا أبدًا

ابتسم لها بحنان وهو يمسك الصندوق

يعطيها إياه

لتأخذه بفرحة وهي تلقي له قبلة في الهواء، تصور الكثير من الصور

اتسعت ابتسامته وهو يراها سعيدة

ستنشر الصور بكل مكان متباهية بهديته

كالعادة

ولم يستطع مهما حاول أن يمنع تلك العادة فيها

تنهد بهدوء وهو يراها تقترب منه مرة أخرى

لتلتقط صورة جديدة معه

أهدته ابتسامتها الخلابه

لتدثر مخاوفه بدثار من حرير

غافلًا أن وربما رغم نعومته وفخاتمه

أنه لا يناسبه

وكان عقله في تلك اللحظة

يود ضرب قلبه مرددًا:

❈-❈-❈

وقفت آلاء تقطع الخضروات بِإرهاق لتحضير حساء.

ف الصغار مرضوا دفعة واحدة.

بدأت بآية وآيلا،

ثم عز،

والآن الصغير تميم على ذراعها باكٍ.

لا يكف عن الصراخ.

أطعمته وأعطته دواءه وبدلت له ثيابه، فعلت كل شيء ممكن،

والصغير لا يكف عن البكاء، يصمت دقيقة ويعود مرة أخرى للبكاء.

تريد خمس دقائق هدوء،

خمس دقائق فقط.

لكن الصغار لا يسمحون أبداً.

وضعت الخضروات على النار بيد، والأخرى تربت بها على ظهر الصغير.

وقبل أن تكمل إعداد الطعام،

استمعت إلى صوت بكاء الصغير عز.

أغمضت عينيها، تريد أن تشق ملابسها وتلقي بنفسها من نافذة المطبخ.

ماذا تفعل بنفسها؟

رفعت صوتها قليلاً تقول بهدوء: “تعالَ يا عز، أنا هنا في المطبخ.

تعالَ يا حبيبي، ماما هنا.”

لكن الصغير يريدها أن تظل بجانبه في الفراش، تحتضنه وتربت عليه.

والله، وهي تريد.

لكن كيف وهناك ألف عمل يجب أن تقوم به؟

هناك سلة الملابس، كومه كبيرة،

تحتاج للغسل،

وأيضاً للنشر.

وهناك الأطباق المتسخة،

والمنزل أيضاً،

لا يظل نظيفاً أكثر من عشر دقائق.

تنهدت بضيق وهي ترى الصغير عز أتى نحوها بوجه أحمر متعب،

يرفع يديه يريدها أن تحمله هو الأخرى.

لحظة تفكر، هل لها يد ثالثة مثلاً

لتحمل طفلين وتعد الطعام في نفس الوقت؟

فلم تجد نفسها سوى وهي تغلق على الطعام

وتحمل الصغير باليد الأخرى

وتعود بهما إلى الغرفة.

مقررة اليوم،

ستطلب الطعام من الخارج.

فالجميع متعب.

حتى هي متعبة.

تفقدت الصغار وتدثرتهم جيداً،

فلم تشعر بنفسها إلا وهي تغفو بتعب.

تضم الصغار لها،

أو هم يضمونها.

❈-❈-❈

لم تعلم كم غفت،

لكنها أفاقت بقلق على شعورها بأحدهم ينغز كتفها.

انتفضت تنظر حولها بتيه وعدم فهم.

قبل أن تصطدم عيناها بعين رامي الواقف بجانبها بملامح متجهمة،

يناظرها باستياء.

اعتدلت في جلستها، تضع الصغير تميم الغافي على صدرها بجانبها برفق لكي لا يستيقظ، وهي تعدل من ملابسها.

وتخرج خلفه لتري ماذا يريد.

خرجت لتجده يقف يناظرها بملامح غاضبة.

تجاهلته وأسرعت تلملم المنزل سريعاً،

محاولة اللحاق بأكبر قدر من الأعمال قبل أن يستيقظ أحدهم فجأة.

التفتت تدخل لغرفة الصغار بعد أن حملت ألعابهم لتضعها بالصندوق المخصص لها.

لكن ارتطامها به جعلها ترتد للخلف وتقع بعض الألعاب من بين يديها.

وقبل أن تعطي رد فعل،

أمسك بالباقي ملقياً إياهم أرضاً بغيظ.

أغمضت عينيها، تود أن تضربه،

لكنها انحنت بهدوء تلملمهم.

فلا طاقة لها حقاً.

لا تريد الشجار.

فليرحل، وهي لا تريد أكثر من هذا.

وقفت تناظره قائلة بإرهاق: “حاول تتجنب تستزفني يا رامي،

رد فعلي مش هيعجبك.

كفاية ضغط،

الضغط بيولد الانفجار،

وصدقني أنت مش قده.”

قالتها وحاولت التحرك،

لكن يده منعتها،

وهو يلقي كل ما بيدها أرضاً.

يصيح بغضب أعمى: “أنت اتجننتِ يا آلاء!

هتعملي إيه يعني؟

فوقي لنفسك،

يعني إيه أجي من الشغل ألاقِيكِ نايمة في سابع نومها،

والبيت يضرب يقلب،

والغسيل متكوم،

وفين الأكل؟

حضرتك نايمة في العسل،

وسايبة الشقة زريبة.

فاكرة نفسك هانم ومستنية حد يخدم عليكي؟

آخر مرة أرجع ألاقي البيت كده.”

رد فعلِي أنا اللي مش هعجبك،

عينك على بيتك وجوزك وعيالك،

غير كده هتزعلي.”

قالها وهو يزيحها حتى كادت أن تسقط أرضاً،

وهو يغادر المنزل بغضب أعمى كقلبه.

وقفت محلها تراقب رحيله.

لماذا لم تصرخ به؟

“أنا لست خادمة!

افهم يا رامي،

أنا زوجة وأم،

لست جارية!”

التفتت تناظر المنزل بعين غاضبة،

تحترق ألف مرة،

كل يوم،

كل ساعة،

كل دقيقة،

هي تحترق.

أيظنها تقبل؟

هي آلاء مدحت العسيلي،

لا تقبل أبداً أن يقلل من قدرها بتلك الطريقة.

سقطت تجلس على الأريكة تفكر،

متى أصبحا هكذا؟

لا يطيقان بعضهما البعض،

وجودهم غصة في حلقهم.

كأنهم في حرب.

كانت سعيدة يوماً ما،

لكنها لم تعد منذ مدة طويلة،

بداخلها الكثير من الشكوك والتساؤلات.

لكن تظل دون أي إجابات،

تعرف فقط أنها ستحرق نفسها ألف مرة،

ولا يحرقها هو مرة.

❈-❈-❈

تمددت على أريكتها الناعمة تحمل علبة ضخمة مليئة بالفشار تأكل الكثير منه في مرة واحدة.

اشتهته، ماذا تفعل؟

هي هكذا من ساعة ونصف.

تبكي، تأكل، وتبكي، وتاكل.

دوامة من البكاء والأكل.

لا تستطيع الخروج منها.

التقطت عدة مناديل من أمامها تمسح دموعها،

وهي تبكي وتشهق متأثرة بذالك الفيلم الرومانسي.

آه، كم هم لطفاء.

انتهى الفيلم.

لتتنهد بسعادة،

كم تحب النهايات السعيدة.

بدلت القناة،

لتجد أمامها أحد قنوات الطبخ،

وهي ترى الأطعمة الشهية.

كانت الطباخة تعد المحشي.

سال لعابها وشهيتها تتحرك تجاه الطعام.

تفكر أنها تشتهي محشي البصل والباذنجان بشكل جدي.

وبجانبه قطع الدجاج المقرمشة.

ولا تنسى السلطة بالفلفل الحار.

أممم، قالتها وهي تحرك شفتيها وعيناها.

تفكر كم سيكون شهيًا ولذيذًا.

مسّدت على بطنها تحادث صغيرها وهي تفكر معه بصوت عالٍ:

“أي رأيك ناكل محشي ولا نطلب بيتزا وفرايد تشكن؟ أممم، وجنبها بطاطس كمان.

بس عايزين مكان يكون مصري وكمان نضيف قوي.

ولا أقولك بلاش فاست فود؟

خلينا في المحشي.

إنتَ أي رأيك؟”

وأكملت مفكّرة:

“أممم، نعمل إيه؟”

قاطع تفكيرها صوت أنس الذي لا تعلم من أين أتى فاجأه،

وهو يقول باستغراب:

“ملك حبيتي!

إنتِ بتكلمي نفسك؟”

انتفضت تطلق صرخة خافتة متفاجئة من وجوده.

قبل أن تمسك أول وسادة تطالها يدها لتقذفها به بقوة.

تفاداها سريعًا وهو يناظرها بتعجب من جنونها.

قيل أن يقترب منها لتضربه بقوة على صدره،

جعلته يتأوه.

وهو يمسك يدها يحاصرها تلك العفريته ذات القبضة القوية،

وهو يقول بصدمة:

“في إيه يا بنتي؟

إنتِ بتتحولي؟

عملتك إيه أنا؟”

إجابته بتأكيد:

“خضتني.”

ارتفع حاجبه قبل أن يكرر مقلدًا إياها:

“خضتني!

بقالّي ساعة بخبط وأنتِ مش هنا يا ختي.

دخلت لقيتك بتكلمي نفسك زي المجانين.”

هزت رأسها بحماس وهي تقول برجاء:

“أنس، أنا جعانة أوي أوي أوي.

عشان خاطري قوم هتلنا أكتر.

بص، أنا نفسي آكل بصل محشي، كمان بتنجان برضو، ويا لو في طماطم. أممم.

وعايزة كمان بانيه محمر وكرسبي، وشوية سلطة حاتي تكون حراقة.

ومايه سلطة أهم شيء.

بس متنساش، مهم تجيب الرايب والزبادي عشان الحموضة.

وكم…”

وضع يده على فمها يمنعها من المتابعة،

وهو يقرص وجنتها باليد الأخرى قائلاً بمشاكسة:

“إيه كل ده يا لوكة؟

هتكلي كل ده؟

إيه، قاعد مع دب صغير؟

وثم راح فين الأكل الصحي؟”

زمّت شفتيها بطفولية وهي تقول بمسكنة:

“والله هاكل صحي،

بس نفسي راحت أوي ل محشي البصل.

والمحشي والبانيه.

مشتاقة أوي حقيقي.

قولي بقى،

هنجيبه منين يا أنس؟”

قالتها مفكّرة.

زمّ شفتيه وهو يفكر معها.

قيل أن تصيح بسعادة وهي تقول:

“أيوة، أنا عرفت!

في بيدج، فاكر الي جبنا منها من سنة ونص؟ فاكر لما طنط كانت هنا.

لما جبنا الممبار والمشكل.”

وأكملت بتأوه سعيد:

“أيوة كمان أطلب ممبار.

وحشني أوي!”

ظل يناظرها لدقيقة،

قبل أن ينفجر ضاحكًا من كل قلبه،

سعيدًا بتلك اللحظة.

بل كونه سعيدًا، شعور قليل على ما يشعر به.

فملك أخيرًا بدأت تحاول أن تنجو من تلك البؤرة السوداء التي وقعت فيها.

عادت ولو بجزء بسيط مما كانت عليه،

وهذا يجعله يريد أن يسجد لله شاكرا.

اقترب منها، يحاول ضمها لصدره،

وهي تكيل له الضربات المغتاظة لضحكة عليها.

قبل أن تتوقف فجأة لاهثة بشدة.

ليناظرها بخوف وهو يحاول أن يفهم ما يحدث،

قبل أن تمسك يده بسرعة،

تضعها على بطنها،

على جنينها.

كان ابنهم يتحرك،

كأنه يخبرهم: “أنا هنا.”

يشاركهم اللحظة.

وكانت لحظة بألف لحظة.

لحظة تتسابق فيها نبضات القلب مع الزمن، وكأن العالم كله يتوقف فيها.”