رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) الفصل العشرين 20 بقلم عفاف شريف

رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) الفصل العشرين 20 بقلم عفاف شريف

 عريس قيد الرفض

🦋بين الرفض والقدر🦋

إهداء إلى ملك

❈-❈-❈

وفي زحام الأيام، أتوقف لبرهة، أتساءل: أين أنا من كل هذا الصخب؟ أهو عالمي الذي أعيش فيه، أم أنني مجرد عابر بين صفحات كتاب يكتبه القدر؟

أحيانًا، أشعر أنني أركض خلف شيء لا أراه، أبحث عن معنى وسط ظلالٍ تراقصني ثم تختفي. أُمسك بيدي أحلامًا صغيرة، بعضها يبقى، وبعضها يذوب كندى الصباح.

فريدة

❈-❈-❈

صمتٌ خيّم عليهم جميعًا،

ولوهلة، لو ألقى أحدهم إبرة،

لأحدثت دويًا عاليًا.

كان كلٌّ منهم ينظر إلى الآخر بتعجّب من تلك الفتاة،

تحديدًا لأنها غريبةٌ عنهم تمامًا.

لم تكن تشبههم بأي درجة،

ولا من أي اتجاه:

لا مظهر، ولا أي شيء.

وأيضًا، لا يعرفها أحدٌ منهم،

ولم يروها من قبل سوى في تلك اللحظة…

إلا مدحت، الذي شحبت ملامحه تمامًا،

وتجمّدت عيناه يطالعها بصدمةٍ أقرب إلى الذهول.

لقد تعرّف عليها،

فهي لم تكن المرة الأولى التي يراها فيها…

إنها آسيا، قريبة صفية، زوجة شوكت، شريكه.

أتت إلى الشركة أكثر من مرة وتعرّفت عليه.

المصيبة أنها قريبة فريدة،

الفتاة الوحيدة التي تمناها ابنه، تميم،

وخسرها بين لحظةٍ وأخرى…

خسرها بكل قسوة.

لماذا أتت؟

لماذا؟

نقل عينيه سريعًا نحو ابنه،

يطالعه بألمٍ لا يفارق قلبه المتعب،

ليجده يطالعها بشرودٍ صامتٍ حزين،

كأنه عاد حيث لا يجب أن يكون.

استند بظهره إلى المقعد،

شاعرًا بالتعب والحزن.

ما السبيل للخلاص من ذلك الحب؟

هو يريد أن يراه بخير،

لكن كيف، وكل الطرق تؤدي إليها؟

كيف له أن ينساها، وكل شيءٍ يخصها يظهر أمامه بتلك الطريقة؟

أطرق رأسه بصمت،

لا يجد ما يُقال.

فريدة…

هو أيضًا تمناها.

يعلم الله كم تمنى أن تكون زوجةً له،

لكنّه النصيب، ولا مفرّ منه.

لكن ما يحزن قلبه،

أن الأمور تخرج عن السيطرة.

فأصبح لا يريد في تلك اللحظة سوى أن تغادر تلك الفتاة سريعًا.

هو لا يريد أي شيء من طرف فريدة،

لا يريد الألم لقلب ابنه…

لكن كيف؟

وكلما ظنّ أن جرحه قد يلتئم،

عاد لينبش من جديد،

وبكل قسوة…

❈-❈-❈

وقف أنس يضع يده على فمه، يكتم ضحكة خافتة، يهز رأسه بيأس متسائلًا بحيرة:

متى تعرفت زوجته على تلك آسيا؟

متى؟

فهو لم يتركها سوى للصلاة، وفي أضيق الظروف، لبضع دقائق، لبضع محادثات ضرورية.

أما تميم، فكان في وضع لا يُحسد عليه أبدًا، وهو يجلس على فراشه بوهن وشحوب، عاقد الحاجبين، ذامًّا شفتيه، متجهم الوجه، بعينين تطلقان شرارًا وغيظًا، يكاد أن يقذف ملك بأول شيء تطاله يده، علّها تُصاب بارتجاج في المخ، أو حتى تسقط أرضًا ويدق عنقها!

أي صديقة؟ أي زفت صديقة؟

والسؤال هنا يتردد في عقله بغيظ وحنق:

حتى أنتِ يا ملك؟ حتى أنتِ يا كلب البحر؟!

مِنكِ لله يا بعيدة، منكِ لله…

هو أنا ناقص؟!

احمرار بسيط، مزيف، طغى على وجه آسيا وهي تشاهد الصمت التام في الغرفة، والعيون المحدقة بها تراقبها بصمت، دون أي ترحيب، ولو من باب المجاملة.

تنحنحت ملك بهدوء وابتسامة رقيقة، دون أن تلاحظ نظراتهم، وهي تقود آسيا للداخل برقة، قائلة:اتفضلي، آسيا، تشربي إيه يا حبيبتي؟ حاجة سخنة ولا باردة؟

عضّ تميم على شفتَيه، يكاد يُدميها، متمتمًا بغيظ وحنق،

يكاد يجذبها من حجابها: والله ده إنتِ اللي باردة، ده أنا هشربك المر بشلموة!

صبرك عليَّا يا أم البطيخ إنتِ، ده أنا هنفخك، استني عليَّا…

ابتسم لها ابتسامة صفراء، متابعًا إيّاها وهي تتجه نحوه، تمسد بطنها، تقترب، ترفع الهاتف، تطلب العصير بكل هدوء.

حرك يده بألم في الخفاء، يحاول ضربها أو قرصها، المهم أن يشفي غليل غضبه، إلا أنه لم يطالها ولم يستطع، للأسف.

لذا، تنهد تنهيدة مغتاظة، قبل أن يشتمها في سره بأبشع الألفاظ، وبكل هدوء… مؤقتًا فقط، إلى أن يسترد صحته إن شاء الله.

فلا طاقة له لغبائها في تلك اللحظة…

فقط فليقم من هذا الفراش اللعين،

وسيمسح بوجهها الأرضيات!

أغمض عينيه بتعب حقيقي، وبداخله يردد:

حسبي الله ونِعم الوكيل فيكم يا بعده،

مِمِتش بالمطواة، هموت بالجلطة!

حدّقت ملك بالجميع بنظرة موبّخة، كي يكفّوا عن التطلع بالمسكينة آسيا.

أخفض كل من أحمد وأنس وحسام رؤوسهم، وأمير، بالجانب الآخر، يتحدث في الهاتف غير منتبه لهم أصلًا.

أما آسيا، فكانت تقف، تضم باقة ورد كبيرة إلى صدرها، وهي تقترب من تميم برقة، تضعها بجانبه، تميل عليه فعلًا، تكاد تسقط فوق حِجره، قائلةً بهمْس خافت: ألف سلامة عليك.

وأكملت بدلال هامس له هو فقط :سلامتك يا تيمو…

انتفضت بفزع على إثر شهقة عالية مستنكرة خرجت من آلاء، والتي لا تدري من اين ظهرت، قبل أن تردد بصدمة وحاجب يزداد ارتفاعه، بصوت عالٍ

وهي تضرب على صدرها بقوة: تيمو؟!

ارتفعت الرؤوس سريعًا، تطالع آلاء باستغراب وعدم فهم، ينتقلون بأعينهم بينها وبين آسيا، التي أسرعت بالابتعاد عن جانب تميم، تنظر نحوهم بابتسامة مرتبكة، تبتلع ريقها بتوتر، متسائلة:

كيف سمعتها تلك؟!

فهي تكاد تكون همست بها!

رفعت يدها سريعًا، تعدل من خصلاتها بتوتر، وتميم يحدجها بنظرات شامتة، وبداخله يردد:

اقتربت ملك من آلاء، تلكزها بقوة في خصرها بغضب وغيظ، قائلةً بضيق:

إيه الشهقة دي؟ خضّيتي البنت!

تأوهت الأخرى، تنظر لها متوعدة، قائلة من بين أسنانها: نجّاكِ مني إنك حامل،

كان زماني أديتك بكوعي طلعته من زورك!

مين دي يا بنت؟ إنتِ كنتِ قاعدة بتدعي لتميم، ولا بتتصاحبي على اللي رايح واللي جاي؟!”

وتابعت بتفكير:

ولا إنتِ شقطاها لتميم؟!

زمت ملك شفتيها بحرج، قائلةً بضيق:

بس، بس! إيه شقطاها دي؟ نقي ألفاظك شوية!”

حركت آلاء لسانها تشتمها، وهي تتمتم بتفكير، متفحصةً آسيا:

بس أنا مش مستريحة… الفار بيلعب في عبي!

فجأة، اندفع رأس حسام بينهم، قائلًا بهمس هو الآخر: مين الـ…

تركها معلقة، قبل أن يكرر عبارة آلاء بتأكيد، وهو يتفحص آسيا بدقة: أنا مش مستريح!

هزّت ملك رأسها بيأس…

فآسيا أصبحت على رأس القائمة السوداء…

❈-❈-❈

جلست بهدوء على مقعدٍ أصرت بوضعه بجانب تميم، تناظره بهيام، وعيونٌ براقة، قبل أن تلتفت إلى مدحت قائلةً برقة: “عامل إيه يا أونكل مدحت؟”

رفع رأسه يناظرها لعدة ثوانٍ قبل أن يرد بهدوء: الحمد لله حبيبتي.

ارتفعت العيون نحو مدحت بتساؤلٍ مستغرب، فكيف يعرفها؟

حتى ملك تساءلت باستغراب وهي تطالع آسيا:حضرتك تعرف آسيا يا بابي؟

أومأ لها مدحت بصمت، قبل أن يرد بتقرير: “آسيا تبقى قريبة شوكت.

اتسعت عينا كل من ملك والاء، وكلٌ منهما تناظر الأخرى بصدمة، قبل أن تردد ملك بصدمة: إيه؟

والتفتت تقول بتيه: آسيا!

ناظرتها الأخرى بابتسامه دبلوماسية، قائلةً برقة: مكنتش أعرف إن تميم يكون اخوكي عرفت النهاردة بس، واستغربت أوي. صدفة غريبة، صح؟

عقدت ملك حاجبها باستغراب، والاء وحسام يقفان يناظرانها بيأس.

لتتحرك سريعًا مغادرة الغرفة بحدة وغضب، غضبٍ من نفسها.

ماذا فعلت؟ كيف فعلت هذا؟

كادت الاء أن تلحق بها، إلا أن أنس هز رأسه يخبرها أنه سيذهب، وخرج سريعًا يلحق بها.

وأخذت الاء تنظر في أثرهم بصمت، قبل أن تستغفر ربها، تقرأ المعوذتين، وتدعو أن يحفظهم الله.

أما آسيا، فكانت تشاهد مظهرهم المذهول بصمت، تحاول فهم ما يحدث.

إلا أنه لم ترد أن تشغل عقلها ، فعادت تصب كل اهتمامها على من لا ترى سواه.

وهي تبتسم مخاطبةً تميم: عامل إيه يا تميم؟ بقيت أحسن؟ متعرفش أنا قلقت عليك قد إيه!

ظل ينظر أمامه غير راغبٍ في الإجابة، غير راغبٍ في وجودها من الأساس.

هي…

هي تعيد بداخله الكثير من الألم، الكثير. أكثر مما يتحمل.

إلا أنه التفت مجبرًا مرددًا بضيق: الحمد لله.

وصمت، وصمتت هي أيضًا.

ليس لعدم وجود الحديث، بل لتلك الأربع عيون المحدقة بها.

تريد بعض الخصوصية، لكن كيف، والاء وحسام يقفان أمامها بالجهة الأخرى يناظرانها بحاجب مرتفع، مراقبين لها؟

همس حسام بكآبه: قريبة فريدة.

وصمت، ليتابع بضيق: أنا مش فاهم حاجة، بس الوضع مش صح يا الاء. مش صح أبدًا. وأنا مش مستريح.

هزت الاء رأسها بتأكيد، قائلةً بيأس: وأنا كمان. أبدًا، أبدًا.

قالتها وعيونها تراقب الأخرى.

هناك أمر ما يحدث، هناك رائحة سيئة تفوح من تلك الآسيا.

رائحة عطنه.

❈-❈-❈

كانت تجلس على أحد المقاعد خارج غرفة تميم بصمت تام.

رفعت يدها تمسح دمعة يائسة، إلا أن يدًا أخرى سبقتها تمسحها بحنان شديد.

ولم تكن سوى يد أنس، زوجها وحبيبها ورفيق دربها.

رفعت وجهها نحوه تناظره بيأس صامت، لا تجد ما تقوله.

تنهد قبل أن يجلس بجانبها، يمسك يدها يشدد عليها برفق وحنان، ويضمها بقوةٍ إلى صدره.

لم تبكِ، وهذا ما أقلقه.

فملك قنبلة بكاء موقوتة، تنفجر في أي لحظة ولا يقدر على إيقافها.

لذا سأل بهدوء ورفق: ملك؟

هزت رأسها بتعب قائلةً بحزن: آسيا اللي جوه دي، قريبة البنت اللي تميم كان بيحبها. البنت اللي إحنا جينا هنا عشان هو اتصدم وعرف أنها بقت متجوزة، وبعدها حصل اللي حصل. وأنا بكل غبائي حطيت ملح على جرحه، بدل ما أخفف عنه. زودت عليه يا أنس، أنا غبية… غبية.

قالتها وهي تضرب ساقها بقوة وغضب.

ضمها أكثر قائلاً برفق: أولًا، إنتِ مش غبية. يعني إنتِ عفوية شوية، وده مش عيب فيكي. إنتِ اتعرفتي عليها بحسن نية، وطالما متعرفيش، يبقى حصل خير. وادخلي اعتذري لتميم، وأنا متأكد وواثق إنه هيقبل اعتذارك.

صمتت متنهدة بضيق، إلا أنه تابع مفكرًا: “

بس تعرفي، حقيقي، غريبة الصدفة دي فعلاً.

هزت رأسها قائلةً بهدوء: “

هي بنوتة كويسة يا أنس والله، ومحترمة خالص. هي آه مش شبهنا، بس ده ما يقللش منها. أنا بس معرفش إيه الصدفة الغريبة دي.

أومأ أنس برأسه قائلاً بتأكيد: “

غريبة فعلاً… مريب أوي.

وأكمل ممازحًا: كأنه متدبر.

ولم يكن أحد يعلم أنها حقيقة.

❈-❈-❈

كانت تجلس بالقرب من فراشه، تطالُعهُ بعيونٍ متفحصةٍ شديدة الجرأة.

كل ثانيةٍ تحرك المقعد قليلاً حتى كادت أن تكون ملتصقة به.

وهو فعلاً لا يعيرها أي انتباه، بل مغمض العينين، لا يرىد أن يرى أحدًا من الأساس.

ظلت تناظره بضيق، لماذا لا تلفت انتباهه؟ ألا يراها؟ ولا يدري من هي؟

هي آسيا.

كيف له أن يتجاهلها بتلك الطريقة؟

حركت يدها ببطء، تريد أن تمس يده، إلا أن قاطعها دخول الممرضة قائلةً بهدوء:

لو سمحتم، هطلب منكم تتفضلوا، عشان أستاذ تميم محتاج يرتاح.

زمت شفتاها بغيظ تكاد تصرخ بها أنها لن تخرج، إلا أن قيام الجميع جعلها تتحرك بضيق.

فتح عيناه يزفر بقوةٍ متنفسًا الصعداء.

ولم يكن وحده، كان الجميع.

وكان وجود آسيا يطبق على أنفاسهم جميعًا.

تحركوا واحدًا تلو الآخر، إلا أن الاء ظلت واقفةً تناظرها بحاجب مرفوع، منتظرة خروجها.

وحينما وجدتها تطالعها بتعالي، ابتسمت لها ابتسامة صفراء قائلةً بحدة:

“اتفضلي.”

حدجتها الأخرى بشرّ، قبل أن تتحرك مغادرة الغرفة.

ولم تنسَ أن تلتفت لتناظر تميم بابتسامة كبيرة مودعةً إياه، قائلةً بلطف:

“باي تميم.”

ناظرت آلاء خروجها بتهكم، لتتحرك برقةٍ مصطنعةٍ تقلدها، قائلةً بزيف:

“باي تميم.”

ناظرها تميم بعبوسٍ لم يقدر على المتابعة به، قبل أن يرجع رأسه للخلف ضاحكًا بقوة، حتى تأوه بالم.

أسرعت نحو تربت بهدوء على يده قائلةً بحنان: إنت كويس يا حبيبي؟

أومأ لها بصمت.

وقبل أن تتحرك لتلحق بالجميع، أمسك يدها قائلاً بهدوء: خدي الورد ده معاكي، متسبهوش هنا.

تقابلت عيناهم بحديثٍ صامت.

حديثٍ مؤلم.

حديث هي أكثر شخص قد يفهمه ويشعر به.

اخفضت عيناها بالألم، تناظره، قبل أن تتحرك متوجهةً حيث الورود، تمسكها برفق، متوجهةً للخارج، مغلقةً الباب خلفها برفق.

ولم تَرَ إغماض عينيه المتألمة،

عائداً حيث يجب أن يظل،

للأبد.

❈-❈-❈

خرجت تحمل الباقة بين يديها، لتقابلها نظرات آسيا المستغربة.

قبل أن تتحرك هي خطوة لليمين، وعيناها لا تترك عيني الأخرى.

ضاغطةً بقدمها لتفتح سلة المهملات، وتحت أنظار آسيا المصدومة، تركت الزهور تسقط، قائلةً بحزن مزيف: أمم، أصل تميم مبيحبش النوع ده من الورد.

وتحركت بهدوء بعد أن حدجها مدحت بنظرات موبخة، وآسيا في مكانها تكاد تنفجر غيظًا.

مسّت ملك يدها بعد ما خرجت من المرحاض، قائلةً بهدوء: روحي إنتِ يا حبيبتي، وخلي بالك من نفسك.

كتم أنس الواقف خلفها ضحكته، حتى ملك أصبحت لا تريدها، خوفًا على مشاعر تميم.

نظرت لها آسيا بهدوء قبل أن تقول بثقة:

أنا فعلاً اتأخرت، لكن اكيد هاجي بكرة أطمن عليكم.

والتفتت لمدحت تناظره بهدوء، قبل أن تقترب مُقبلة إياه بسرعة على إحدى وجنتيه، قائلةً برقة:

“باي أونكل.”

وغادرت بثقة تحت نظرات الجميع المنصدمة، تحديدًا مدحت، وهو يرفع يده حيث قبلتها، متنهداً بصمت وضيق.

اقتربت آلاء منه تخرج منديلًا، مدّ مدحت يده لها، إلا أنها رفعت يدها تمسح وجنته بقوة حتى تأوه قائلًا بعبوس: إيه يا بنتي؟ هتقطعي وشي؟

ناظرته بضيق وهي تلقي المنديل في سلة المهملات، قائلةً باستنكار: إيه قلة الأدب دي؟ بوس ومياعة وعمالة تتسهوك.

اقترب حسام منهم قائلًا بهدوء:

خلاص يا آلاء، ويلا خدي بابا وملك وروحوا مع أمير وأنس.

عقدت حاجبها قائلةً برفض:

أروَّح؟ أروَّح فين؟ أنا هفضل هنا مع تميم لحد ما يقوم بالسلامة.

وقبل أن يوبخها، أكمل مدحت برفض هو الآخر: أنا مش هروح في حتة، خد إخواتك وروَّح إنت، أنا هفضل مع ابني لحد ما أطمن عليه.

قبل أن ينطق حرفًا واحدًا، انضمت ملك لهم قائلةً همسًا: أنا كمان هقعد مع تميم، مش هسيبه.

هز رأسه يطالعهم بهدوء قبل أن يلتفت لأمير المتحدث في الهاتف قائلاً بتساؤل:

وأنت مش حابب تقعد إنت كمان؟

طالعه أمير بحرج قائلًا وهو يحك رأسه:

الحقيقة لو مش محتاجيني ضروري، ممكن أروَّح يعني،

وتابع مبررًا: عشان أكون مع الولاد في البيت، ومايفضلوش لوحدهم.

ناظره الجميع بغيظ، فالتفت يكمل حديثه بحنق.

والتفت حسام لهم قائلًا برد قاطع مشيرًا لوالده: حضرتك لازم ترَّوح، جسمك مرهق وتعبان، وكمان ضغطك مش مظبوط، محتاج تنام وتاخد الأدوية.”

وتابع مشيرًا ل آلاء: وانتي تعبانه ومرهقة ومش بتنامي بقالك كذا يوم، وفي أربع عيال في البيت، من ضمنهم عيل بيرضع محتاجك.

وأخيرًا وصل لملك قائلًا برفق:

وحضرتك يا ست ملك حامل في طفل مسؤول منك، محتاجك تكوني بخير. فببساطة، كلكم محتاجين راحة، وأنا اللي هفضل معاه، عشان أنا راجل وأخوه، ولو احتاج لحاجة أكيد أنا أولى أساعده بدل الممرض، وأنت يا بابا مش هتعرف لأنك تعبان، ولا إنتو الاثنين عشان مش هينفع.

وتابع سريعًا وهو يرى رفض أبيه قائلاً:

لو سمحتوا عشان خاطري، بجد أنتو محتاجين راحة، وصدقوني أنا هطمنكم، والصبح إن شاء الله تعالوا، وأنا هروح أخد شاور وأنام ساعتين وأرجع، ونعملها ورديات لحد ما تميم يقول بالسلامة.

صمت الجميع مضطرين، ف للحقيقة، حسام محق.

أتي أحمد نحوهم متجهم الملامح، ليبادره حسام قائلاً: إنت كمان يا أحمد، روح ارتاح، عشان لو حابب تيجي بكرة إن شاء الله، تكون قادر. ولو سمحتوا كلكم محتاجين الراحة.

كان يتوقع جدالًا آخر، لكن صمت أحمد أراحه وقلقه في نفس الوقت.

لكن مغادرة الجميع أغفلته عن سؤال.

وغادر الجميع بالفعل، وظل هو يقف مكانه يحرك رأسه بألم وتعب شديد قبل أن يلقي نفسه على المقعد، مخرجًا هاتفه ليتحدث مع زوجته الحبيبة.

فكم اشتاق لها.

❈-❈-❈

كانت تجلس بجانب شمس النائمة، تتطلع أمامها بصمتٍ كئيب.

كم يوم مرَّ على وصولهم لمصر؟ وها هي تجلس هنا.

لا يُسمح لها بأن تأتي للمستشفى خوفًا عليها وعلى الصغير،

ولن تنكر حتى هي خائفة، بل مرتعبة. حتى بعدما أدلى تميم بشهادته بما حدث،

يظل الخوف يحاوطها ويحاوط قلبها خوفًا عليه.

حتى أنه أخبرها إذا أرادت أن تذهب لمنزل والدها، سيأتي ليوصلها بنفسه.

فهو لا يأمن أن تذهب بمفردها، تحديدًا في تلك الأوضاع المضطربة.

إلا أنها رفضت، لأنها ببساطة تريد أن تكون بجانبه، لا بمنزل أهلها، ولا هنا بمنزل والده،

تنتظر عودته. هي تريد أن تكون بجانبه حتى يطمئن قلبها عليه.

تململت الصغيرة، وقبل أن تبدأ وصلة البكاء الطويلة. حملتها برفق، تهدهدها، تضمها لصدرها بحنان ورقة.

وفِعلاً غفت شمس مرة أخرى، شاعرة بالراحة والسكينة.

مر نصف ساعة حتى استطاعت وضعها بالفراش مرة أخرى. وضعتها برفق شديد،

وهي تجد هاتفها يرن. وكان حسام.

حاوطت صغيرتها بالكثير من الوسائد خوفًا من أن تتحرك في نومها فتسقط أرضًا،

قبل أن تأخذ الهاتف وتبتعد عنها قدر الإمكان لكي لا تستيقظ صغيرتها. رفعت الهاتف على أذنها، ليبادرها هو قائلًا باشتياق وحب: “وحشتني يا أم شمسي، وحشتني أوي”.

ابتسامة صغيرة شقت وجهها المتعب وهي تستمع إلى لقبها، ليست “حور” ولا “أم شمس”، بل “أم شمسة”.

لم تستطع منع نفسها من أن تهمس بشتياق هي الأخرى: “وحشتني أكثر،

وحشتني أوي يا حسام بجد، طمِّنني عن تميم، عامل إيه؟ وأي وضعه دلوقتي؟

وهيخرج إمتى إن شاء الله من المستشفى؟”

تنهيدة متعبة خرجت منه وهو يمد ساقه بإرهاق قائلاً بخفوت: والله يا حور، محدش يعرف هو من ناحية عامل إيه، فالحمد لله ومن فضله علينا عدى مرحلة الخطر، لكن لسه هيفضل تحت الملاحظة كام يوم.

الدكتور قال أقصى مدة أسبوع، بس برضه مش هيخرج غير وإحنا متأكدين أنه بخير، ف اهو مستنيين،

المهم هو بس يقوم بالسلامة”.

رددت خلفه بحنان: “آمين يا حبيبي”.

وتابعت بتساؤل: “طيب عمو عامل إيه دلوقتي؟ كان تعبان إمبارح.

أجابها بهدوء: “هو جي عندكم دلوقتي، هو والاء وملك وأنس وأمير.

عقدت حاجبها قائلةً باستغراب: هم راجعين الفيلا هنا؟.

أجابها بهدوء: أيوة، محدش يقدر يكون جنب تميم غيري. أنتي عارفة البنات صعب، وبابا صحته مش هتستحمل،

وأمير يعني مشغول، مش هينفع”.

أومأت بصمت، كانه يراها. وقبل أن تسأله متى سيعود،

أتى صوته قائلاً بسرعة: معلش يا حور هقفل وأرجع أكلمك، الممرضة بتنادي عليا.

وظلت هي محلها تنظر من النافذة بشرود.

لتفيق بعدها من تفكيرها على استيقاظ ابنتها مرة أخرى، وتلك المرة تمامًا. تنهدت وهي تتوجه نحوها، تحملها بحنان، تقبّلها وتضمها لصدرها بقوة، قبل أن تتحرك بهدوء مغادرة الغرفة. يجب أن تعد لهم الطعام، لا يصح أن يناموا بدون أن يأكلوا. هي محل حسام

كانت تجلس على أحد الأرائك بالغرفة الكبيرة المخصصة للصغار. كانت معدة لهم خصيصًا كمساحة للعب،

غرفة بمساحة ثلاث غرف تقريبًا.

جهزها لهم تميم بتصميم خاص منذ حملها الأول،

منذ أول لحظة تقريبًا علم بحملها.

وقد كان يجهزها بدقة،

وأصبحت تزداد حجمًا وإمكانيات أكثر بزيادة فرد جديد من الأحفاد.

لكنّها لم تهتم يومًا بها، لم تردها أصلاً.

فهي غرفة تملؤها الألعاب الخاصة بكل الأعمار،

بداية من شمس وتميم حتى أبنائها.

وهي لا تريد هذا لصغارها. تريدهم أن يروا المستقبل بعينها، تريدهم أن يكونوا مثلها هي وأمير، باسم يملؤه الفخر أينما ذهبوا.

ولا مجال للعب أبداً للوصول إلى هذا، أبدًا، أبدًا.

هي تريد مستقبلًا لا وقت للعب فيه، فقط التقدم نحو الأمام.

رفعت يدها تضغط على رأسها بقوة،

تكاد تصرخ بأعلى صوتها،

وهي ترى المشهد المكرر أمامها.

هذا يركض وذاك يصرخ، حتى صغارها يلعبون مع آية وإيلا في أحد الألعاب الإلكترونية الجديدة،

ويتشاكسون فيما بينهم. هزت رأسها بإرهاق، فهي وحدها معهم دون أي مربية.

لم يرغبوا في وجود مربية بسبب الأوضاع الحالية، والتي قد تهدد بأمان الصغار.

فأصبحت هي وحور مسؤولين مسؤولية كاملة عن عدد كبير من الأطفال في مختلف الأعمار. هي حتى لم تكن هي من تعتني بأطفالها، والآن مجبرة على هذا الوضع السيء جدًا.

وضعت يدها على أذنها وهي تسمع صوت صريخ عز المستمر بسبب ألعابه التي ينتشلها تميم الصغير منه.

لما في دورها يتحولون إلى أطفال عصابات مزعجين دون أي تربية أو أخلاق.

أما في وقت حور، طبعًا الهدوء والأدب، مهذبين صامتين، لا صوت لهم. لماذا معها هي فقط؟ لماذا؟

وعند تلك الخاطرة، لم تجد نفسها إلا وهي تصرخ فجأة بعنف وعصبية شديدة: بس! بس!

اسكتوا! كفاية صريخ، كفاية! أنا تعبت، تعبت!.

انتفض الصغار، ومن بينهم أطفالها هي، يناظروها بعين خائفة مرتعبة، صامتين تمامًا، مراقبين ثورتها عليهم.

تبع ذالك دخول حور المسرعة من الخارج،

تحمل شمس وتضمها إلى صدرها بصدمه وذهول. ظلت تناظرها لعدة ثوانٍ،

قبل أن تقترب سريعًا من تميم الذي بدأ فعليًا في البكاء بشدة أثر عصبيتها، تضمه لصدرها قائلة برفق وحنان كبير: بس بس يا تيمو، مفيش حاجة خالص، بس بس.

قالتها وهي تمسح على خصلاته الناعمة، إلا أنه ازداد بكاء. نظرت لابنتها المتوترة بدورها من بكاء تميم بحيرة، قبل أن تضمه معها، تهدئه حتى خف بكائه تدريجيًا. وهي تحاول ملاطفة الصغير عز أيضًا،

مقتربة منه تقبله بحنان قائلة برفق للصغار آية وإيلا وحتى أبناء يارا: مفيش حاجة يا ولاد، هي بس طنط يارا بس مرهقة شوية ومحتاجة ترتاح.

والتفتت لها، تناظرها قليلاً قبل أن تقترب منها قائلة بحزم هامس لكي لا يسمعها الصغار، رغم أنها هي الأصغر سنًا، إلا أنها لم تهتم

وقالت بحزم وعتاب: لو سمحتي يا يارا، لو مش حابة تقعدي مع الأولاد حقك طبعًا،

محدش يقدر يجبرك أبدًا. إحنا قاعدين بيهم مؤقتًا بس، لحد ما آلاء ترجع بالسلامة.

ومحدش غريب يجي بره. عادي جدًا تقولي مش عايزة. وحقك صدقيني محدش يقدر يلومك. بس مش من حقك تزعقي كده فيهم. دول أطفال في الأول والآخر أطفال. حتى بصي، ولادك اتفزعوا.

نقلت يارا عينيها نحو صغارها لتجدهم قد تركوا ألعابهم، ووقفوا يناظروها بعيون باكية. لتتابع حور قائلة بهدوء: روحي ارتاحي في أوضتك يا يارا، شكلك مرهقة وتعبانة، ومتقليش، أنا هقعد معاهم، أخلي بالي منهم.

أصلاً خلاص، آلاء والجماعة جايين في الطريق حسام لسه مبلغني.

والتفتت للصغار تهدء من روعهم. ناظرتها يارا بغضب شديد، قبل أن تغادر الغرفة بسرعة وغضب، غضب واستياء منهم جميعًا،

وخاصة المبجل زوجها.

كانت مدحت يجلس في المقعد الخلفي في المنتصف تحديدًا، تنام آلاء على كتفه وملك على الآخر. كل منهم قد راحت في سبات عميق، أو هكذا ظن.

فآلاء لم تنم أبدًا، بل أغمضت عينيها متهربة من الجميع.

لا تريد أن يلاحظ أحدهم شرودها. لا تريد سوى أن تبتعد للكثير من الوقت، لكي تعيد تهيئة نفسها المتعبة والتفكير في القادم، والذي بكل تأكيد يؤلم قلبها.

لذا أكملت تظاهر وظلت كما هي.

وكم تتوق أن تنام فقط، الكثير من النوم والراحة، علها تصبح بخير.

كان أنس يقود السيارة بهدوء، بجانبه أمير المنشغل في هاتفه. حتى أنه طلب منه أن يقود هو في طريق العودة، فلدية بعض الأعمال مضطر أن ينجزها. قالها بهدوء، وجلس في المقعد بجانب السائق، ولم يعترض هو. فليعود للمنزل، ليرتاح، وترتاح تلك الجالسة خلفه.

فكان بكل دقيقة وأخرى ينظر حيث ملك، يطمئن عليها، ويحمد الله أنها قد غفت. فهي ما زالت تلوم نفسها على ما حدث اليوم مع تميم، تحديدًا أنها لم تسنح لها الفرصة للاعتذار إلى الآن.

إلا أنه في النهاية يقلق.

وضع ملك الصحي غير مستقر من الأساس، وهي تضغط على نفسها، والظروف حولها تضغطها. وبقلبه خوف شديد، فالضغط القادم سيكون أقوى.

الضغط من جهة أمه، وسيكون الأسوأ .

يدعو الله أن تمر تلك السفريه بخير، فقد فلتمر بخير.

كانت في غرفتها تتحرك ذهابًا وإيابًا، تشعر برأسها على وشك الانفجار. أحضرها إلى هنا ليرميها بكل بساطة في منزل العائلة مع حفنة من الأطفال.

كيف يجرؤ؟ كيف له أن يفعل هذا؟

ماذا يظن نفسه؟ هو هناك مع أخيه،

ما دخلها هي؟ ما دخلها في كل تلك الأوضاع؟

ليأتي بها إلى هنا بكل بساطة ويتركها تغلي غضبًا، ولتحترق في الجحيم. كلما هاتفه، يخبرها أنه مشغول. وفي المقابل، حور تحادث حسام معظم الوقت، تطمئن عليه، ويطمئن عليها. هل حسام فقط المتفرغ؟ لا طبعًا.

فزوجها المحترم اكتشفت أنه يعمل حتى في المستشفى. الحقير!

يجعلها هي تنشغل عن عملها، وهو يهتم بعمله.

أي أناني تزوجت؟ أفاقت من تفكيرها على ظهور السيارة التي توقفت أمام المنزل. يهبط منها أمير، وجهه في هاتفه، ولم يدري لماذا رفع عينه، ليقابل عينيها التي تطلق شرار.

يومه أسود إن شاء الله، قالتها لنفسها وهي تحدجه بشر. فالصبر يا أمير، الصبر.

هبطت الدرج ببطء شديد، ووقفت بصمت في مكانٍ بحيث هي تراهم وهم لا يروها.

كانت في منتصف الدرج تراقب دخولهم للمنزل، لتظل محلها تشاهد المشهد بعيونٍ جامدة.

مدحت، الذي ما أن دلف ورأى حور أمامه حتى قبل جبهتها ويد الصغيرة شمس، وتابع طريقه، ملقيًا نفسه على الأريكة بتعب.

تبعه أنس الممسك بيد ملك بيد ومحيطًا خصرها باليد الأخرى.

تبعتهم آلاء الصامتة تمامًا،

أما هي فقد كانت تشعر بنيران تكاد تخرج من عينيها وهي تقف في انتظار زوجها، تراقب دخوله ببطء، عيناه في هاتفه، لا يهتم أبدًا حتى برفع عينه لينظر إليها.

هبطت درجة تلو الأخرى حتى وصل أمامها، وهنا رفع عيناه، ناظرها لثوانٍ قبل أن يتخطاها.

تابع الجميع، ولم توقفه هي.

لهم غرفة، فلتنظر.

❈-❈-❈

انسحبت آلاء سريعًا نحو غرفة الصغار بشوق شديد.

وما إن رأوها حتى هللوا مسرعين نحوها،

حتى تميم الصغير الذي جلس يصفق بشوق.

ضمت الصغار إلى صدرها بشوق حقيقي.

كم اشتاقت لهم، ولصوتهم الذي يملأ حياتها.

كانت تظن أنها سترتاح منهم،

لكن لم تدرك أنه ورغم كل تعبها والإرهاق المنصب عليها،

لا تستطيع العيش بدونهم أبدًا.

هم حياتها، روحها ونور عينها.

مهما فعلوا.

اقتربت من تميم، حملته وقبّلته الكثير من القبلات قائلة بحب وحنان:

وحشتني يا تيمو، أوي أوي.

ابتسم لها الصغير يشد حجابها بضيق،

يريد أن يلعب بخصلاتها.

لتضحك بيأس،

قبل أن ترفع عينيها حيث يقف كل من مريم ومراد في انتظار دورهم.

وفعلاً، أنزلت تميم برفق ليجلس مكانه،

قبل أن تفتح ذراعيها،

لينطلق الصغار ملقين بأنفسهم بين أحضانها.

ضمتهم برفق قائلة بعطف:

وحشتوني يا ولاد، وحشتيني يا مريم، وأنت كمان يا مراد.

كبرتو أوي ما شاء الله، ما شاء الله.

تمتموا معًا بشوق هم أيضًا: وأنتي كمان يا عمتو، وحشتينا أوي.

ولم يرَ أي منهم،

يارا الواقفة تنظر إليهم شاعرة بالضيق.

ضيق،

لا تعلم سببه.

❈-❈-❈

وقفت حُور بالمطبخ بجانب منير، تضع الطعام في الأطباق، تملأ أكواب العصير، وتحملها للخارج.

التفتت تنظر لمدحت الجالس بهدوء، يحمل شمس يلاعبها بهدوء وهو يحادث أنس، وبجانبه ترتاح ملك على الأريكة بعد أن تحررت من حاجبها.

وأمير في أحد الأركان يتحدث في الهاتف، تقريبًا منذ وصل وهو منعزل هكذا.

كادت أن تدلف إلا أن أوقفها صوت ملك الخافت المعتذر من خلفه: أنا آسفة يا حُور، والله سايبه عليكي الشغل كله.

ابتسمت لها الأخرى قائلة بمزاح: يعني بعمل إيه يا ملوكه؟

يدوب حاجات بسيطة. لو سمحتي ارتاحي، أهم شيء عشان خاطر البيبي.

وغادرت سريعًا تحت نظرات مدحت الحنونة.

❈-❈-❈

بعد نصف ساعة، كانت طاولة العشاء الكبيرة تضم الجميع

أبناء كانوا أو زوجات أو حتى أحفاد.

طاولة كبيرة ممتلئة بهم، في اجتماع دافئ، اجتماع تأخر كثيرًا، ومنذ مدة طويلة لم يحدث.

ينقصه بعض الأفراد، إلا أنه دافئ ومريح. كان مدحت يترأس الطاولة،

يضع على ساقه تميم الصغير، والمقعد بجانبه فارغ. مقعد تميم لم ولن يجلس عليه سواه في انتظار عودته بخير.

في الجهة الأخرى، يجلس أمير بجانب يارا، وبجانبها الصغيرين.

وفي الجهة الأخرى، مقعد تميم الفارغ، بعدها أنس بجانبه ملك، وحور تحمل شمس، وبجانبها آلاء والثلاث صغار في المقاعد الفارغة. تنفست الصعداء أن أباها أخذ تميم منها.

كانت الطاولة عامرة بهم. بدأوا في تناول الطعام، وعيني يارا تراقب أنس الذي يطعم زوجته بهدوء وحنان.

يصر عليها أن تأكل من هذا وذاك، يجلب لها كوب الماء برفق، يفعلها ببساطة.

كان هذا هو الأمر الطبيعي، لا اصطناع ولا أي شيء، فقط يتعامل بحب بدون خجل.

وآلاء المنشغلة بإطعام أولادها قبل أن تضع حتى لقمة بفمها، وهي تجلس تطالع زوجها الذي بكل لقمة ينظر للهاتف، وصغارها بجانبها يأكلون بصمت.

بدأ الجميع يتشارك حديثًا هادئًا فيما بينهم، رغم انشغال تفكير كل منهم في أمور أخرى.

نظر مدحت لزوجة ابنه يارا، يراقب صمتها وجمود ملامحها، وهي تكاد لا تشارك في الحديث، قبل أن يحادثها برفق: مالك يا يارا؟ انتي كويسة؟

نظرت له بصمت، قبل أن ترد بهدوء: الحمد لله يا أونكل، شكرًا لحضرتك.

أومأ لها قائلًا بحنان: طيب كلي يلا.

ابتسمت له بكآبة، وهي تكمل طعامها بالفعل. تشعر بالتشتت والتيه.

بداخلها الكثير من المشاعر. هي لا تريد أن تظل هنا، لأنها ورغم ما تشعر به، لم تَرَ من هذا المنزل سوى كل خير.

لكن، لكن هذا الجالس بجانبها يثير بداخلها الكثير من الغضب، غضب سينال منه الكثير.

فقط فلتنهِ هذا العشاء.

❈-❈-❈

كانت نائمة على فراشها، تراودها أحد الكوابيس.

تشعر بشيء يطبق على أنفاسها، لا تستطيع التنفس. لا تقدر أبدًا. ترى نفسها واقفة في مكان مظلم، مخيف، بارد. كانت وحدها، تحاوطها أصوات مرعبة ظهرت من حيث لا تدري.

الأصوات تقترب، همسات، صرير غريب. فلم تجد نفسها سوى وهي تركض، وتركض، تريد الهرب.

لكن الأصوات تزداد اقترابًا، وهي أيضًا تزداد سرعة، تريد الابتعاد، الفرار من مجهول لا تعرفه.

لكن فجأة، بطأت خطواتها دون أن تعرف السبب، دون أن تريد. كأنها مقيده.

حاولت أن تركض، لكنها لم تعرف. الأصوات تزداد اقترابًا، وصوت أنفاسها العالية المرتعبة يزداد علوًا.

التفتت لا تعلم لماذا، وهناك كان يقف رجل لا تعرفه، يقترب دون أن تظهر ملامحه. من هذا؟ هي لا تعرفه.

أغمضت عينيها لثوانٍ تريد الصراخ، تريد أن تستيقظ، إلا أنها فتحتها مجبرة وهي تسمع صوتًا غريبًا. لتجحظ عيناها، وهي تجد ذاك الأسود الضخم يسير ببطء، بيده سكين كبير، لكن ليس باتجاهها، بل تجاه رجل آخر يوليه ظهره.

رفع السكين ، لتصرخ هي بصوت عالٍ لكي ينتبه الآخر.

وفعلًا، التفت لها، ويا ليتَه لم يلتفت!

ففي نفس اللحظة، انغرز السكين في ظهره. ظهر تميم.

اتسعت عيناه بهلع ورعب.

تريد أن تصرخ وتصرخ، أن تتحرك لتنقذه، أن تفعل أي شيء، إلا أنها لم تستطع.

لا هي قادرة على التحرك، ولا هي قادرة على إخراج صوتها.

حتى شعرت فجأةً بظلمة المكان حولها، وسقوطها حيث لا تدري.

فتحت عينيها تتنفس بقوة، تشعر بملمس الدموع يغطي وجهها.

رفعت يدها المرتجفة تمسح وجهها المتعرق، قبل أن تعتدل جالسة على الفراش، تشعر بقلبها يكاد يتوقف.

ما هذا الكابوس المرعب؟

أنفاسها العالية، جسدها المرتجف.

فلم تجد نفسها سوى وهي تمسك الهاتف بيد مرتجفة، ليصدع بعدها صوت القرآن يعم الغرفة.

وهي تجلس تضم نفسها بخوف، شاعرةً بالرعب، الكثير من الرعب.

❈-❈-❈

ظلت هكذا لا تتحرك، حتى شعرت بالباب يفتح ويغلق.

لقد أتى عمر.

أغمضت عينيها، تحمد الله أنها أعدت غداءً سريعًا قبل نومها.

فتحتها على دخوله للغرفة، يتخطاها متجاهلًا إياها.

وقررت هي أيضًا تجاهله.

منذ حديثهم عن العمل، وهو لا يحادثها. يعاقبها تقريبًا.

لا تدري الحقيقة، ولا تريد أن تفكر.

وقفت سريعًا بغضب، وسرعان ما داهمها تشوش في الرؤية ودوار شديد، جعلها تتأوَّه وتكاد تسقط.

لولا تلك اليد التي أحاطت خصرها سريعًا، وصوتها يهمس لها بقلق:

فريدة، في إيه؟ انتي كويسة؟

هزت رأسها دون أن ترد، ليحملها بسرعة، واضعًا إياها على الفراش مرة أخرى، وهو يجلب عطرًا يمرره أمام أنفها علَّها تفيق.

وفعلاً، مع مرور الدقائق، أصبحت تشعر أنها بخير.

فتحت عينيها تناظره بصمت، وهو يمسح وجهها، قبل أن يتابع بخوف: حصل إيه يا فريدة؟ حاسة بإيه؟ وشك أصفر أوي، وعَرْقان. انتي كويسة؟

ظلت تناظر عيناه المرتعبة بحيرة.

هي حقًا أصبحت مشوشة، لذا أجابت بهمس خافت:الحمد لله، أنا بس بقت الدوخة ملزماني بسبب إني وقفت الفيتامينات بقالِي فترة.”

هز رأسه قائلًا بتأكيد:اكتبلي أسماءهم، وأنا هجيبهم. أو إيه رأيك نكشف عشان نطمن؟

هزت رأسها نافِيًا قائلة بخفوت: لا، مش مستاهلة. أنا الحمد لله بخير. بس إرهاق.”

وصمتت.

ولم يجد هو ما يقول، فلفَّ ذراعه حول خصرها، يضمها إلى صدره بصمت.

صمت لا هي ولا هو يريدان انتهائه.

فربما أصبح الصمت هو الأنسب لهم.

❈-❈-❈

دلف الجميع إلى غرفهم.

مدحت إلى غرفته ليرتاح بعد عناء طال لأيام.

أنس وملك.

حور بالصغيرة.

آلاء بأطفالها، التي أصرت أن يناموا في أحضانها.

وبالفعل، حممتهم واحدًا تلو الآخر.

ووقفت تنظر لهم وهم مصطفين بجانب بعضهم البعض.

آية وآيلا بجانبهم عز، وتميم بين أحضانها يغفو.

وضعته برفق في الفراش، ووقفت تراقبهم لدقيقة، قل أن تلتفت تقف بجانب النافذة تفكر بهدوء.

طوال الوقت وهي تبعد عينها عن إخوتها:

حسام وحور، ملك وأنس.

تخاف عليهم من أن تحسدهم دون أن تدري.

تقرأ القرآن وتسم الله في سرها، وتدعو من كل قلبها أن يحفظهم الله.

لكن والله، أحيانًا لا تكون تريد أن تفكر.

أصبحت تخشى عليهم من نفسها، تخشى من قلبها المهان أن يحسد دون قصد.

ويعلم الله أنها تعاني، لكن ماذا هي فاعلة؟

حنان أنس وأخيها حسام، يفطر قلبها.

ليس عليهم، بل عليها.

على زوج لم يتصل بها ولو لمرة واحدة.

على أبٍ لم يفكر في السؤال عن واحد من أبنائه ولو لدقيقة.

على مظهرها أمام الجميع، وهو المتغيب الوحيد.

الجميع أتى، الجميع هنا، وهو خذلها كالعادة.

لا جديد.

أصبحت لا تريد أن تفكر، لكن إلى متى؟

إلى متى؟

لن تستطيع أن تظل هكذا طويلًا.

لا بد من أخذ القرار، لا بد من هذا.

❈-❈-❈

في غرفة يارا وأمير،

ها هي هنا منذ نصف ساعة، والمحترم زوجها لم يأتِ إلى الآن.

كادت أن تخرج لتري أين هو،

لكن دخوله للغرفة أوقفها.

وهي تراه يلقي بالهاتف على الفراش،

يحرك رأسه بتعب.

وهي تقف تتحرك بعصبية.

نقل عيناه نحوها ولم يتحدث،

بل تابع ما يفعله وهو يخرج ملابس مريحة للنوم.

إلا أن هتفت بعصبية لا تقدر على الاحتمال:

أنت عايز تجنني؟

تنهد وهو ينظر لها قائلاً بهدوء:

في إيه يا يارا؟ عايزة إيه؟

اتسعت عيناها وهي تستمع إلى صوته الهادئ البارد لتنفجر قائلة بغضب: بجد؟ ده ردك عليّ؟

جايبني هنا،

ومخليني سايبة شغلي وحياتي وكل حاجة هناك،

ورزعني هنا أخد بالي من العيال،

وحضرتك قاعد في المستشفى بحجة أخوك،

بتاخد بالك من شغلك؟

وأولع أنا؟

يولع شغلي؟

طبعًا وأنا إمتى كنت في حساباتك؟

وتابعت بحزم وقوة: أنا هرجع بيتي يا أمير،

مش عايزة أقعد هنا.

أنت عايز تقعد، اقعد،

أنت حر،

وأنا حرة،

ظل يطالعها بهدوء،

قبل أن يقترب منها ببطء،

واقفًا أمامها قائلاً:

أولًا، صوتك ميعلاش.

مش عايزين مشاكل.

ثانيًا، مفيش رجوع غير معايا.

خلاص تميم فاق،

يومين، تلاتة بالكثير،

وهنرجع.

ف كلام كتير وزعيق،

أنا مش عايز.

ومتنسيش شغلك اللي أنتي فرحانة بيه ده،

أنا السبب فيه.

ف مش عايز مشاكل لحد ما نرجع.

استحملي، مجتش من يومين.

وأخذ ملابسه ودلف إلى الحمام،

صافعا الباب خلفه،

تاركًا إياها تغلي غضبًا،

تكاد تنفجر.

❈-❈-❈

كان مسطحًا على فراشه،

يشاهد خروج حسام من الغرفة لِيُحادث زوجته،

وليتركه ليرتاح.

لكن أي راحة؟

أصبحت كلمة بعيدة كل البعد عنه.

أي راحة، وقد غادرت قطعة السكر من حياته.

غادرت من كانت تزين حياته،

من يحيا منتظرًا أن يضمها إلى قلبه قبل صدره،

مخبرًا إياها: “أنا أحبك”.

طارت الأحلام، حلّقت بعيدًا،

بعيدًا جدًا،

حيث لا مكان لوجودها،

حيث مستحيل أن تتحقق.

أرجع رأسه للخلف،

شاعرًا بالاختناق،

وكم يصعب عليه أن يقول إنه ليس بخير.

غادرت، وتركت بداخله أثرًا،

أثرًا دُمغ بنيران عشقه المفقود،

وأغمض عيناه بألم.

كان الألم الذي يعتصر قلبه أشد من أي جرح،

فكلما تذكرها، شعر وكأن روحه قد فقدت نصفها الآخر،

وضاع الأمل في عينيه كما يضيع الغروب في بحر من الظلمات.

❈-❈-❈

“الصباح كفصل جديد يُضاف إلى كتاب الحياة،

يحمل بين سطوره وعودًا غير مكتملة،

وأحلامًا تنتظر من يوقظها.

الشمس تمد خيوطها كأنها تكتب رسالة للكون:

انهضوا، فالنور لا ينتظر المترددين.

في كل زاوية، همسات الفجر تملأ الهواء بنكهة البدايات،

تُذكّر الأرض بأنها خُلِقت لتُعاش،

وأن كل إشراقة هي فرصة أخرى، لمن يدركها.”

وقفت سيارة الأجرة أمام المستشفى،

قبل أن تخرج منها وتنظر للمستشفى برهبة،

حاملة باقة ورد رقيقة تماثلها رقة،

تضمها لصدرها بتوتر،

وهي تخطو ببطء شديد نحو الداخل.

قبل أن تقف أمام فتاة الاستقبال،

متسائلة بهدوء وابتسامة مرتبكة:

لو سمحتِ، عايزة رقم غرفة

تميم مدحت العسلي.