رواية تعافيت بك الجزء الثاني للكاتبة شمس محمد الفصل الرابع والثلاثون

رواية تعافيت بك الجزء الثاني للكاتبة شمس محمد الفصل الرابع والثلاثون

عيني لا ترى? سوى جمالك، و القلب لم يطلب غير وصالك
لَقيتُ الهزيمة في حروبي، و زينت العتمة دروبي، و بين ذلك و ذاك فقدت نفسي و ذاتي، أنا من تألم بصمت، أنا وحدي من يعرف معاناتي، حصدت من الزمان قسوته و من الأمان قِلته و حين وجدتك عرفتُ أن تلك ما فاتت لم تكن أبدًا حياتي، و تردد سؤالٌ في خاطري، ألم يأتي الموت بعد الحياةِ؟ و لكن كيف بعد رؤياكِ وجدت الحياةِ بعد مماتي؟

كانت خديجة تسير بجانبه و هي تعانق ذراعه بكفيها وسط الطريق بعدما نزلا سويًا يجلبا ما أمرهما به رياض و قبل التوجه نحو المحل، نظر هو بجانبه فوجد أريكة خشبية على الجهة الأخرى في الطريق و مع نسمات الهواء الباردة المحملة بعبقِ رائحة بداية الخريف استنشق الهواء ثم قال لها بنبرةٍ خافتة: بقولك إيه؟ الأجواء دي حلوة أوي، تعالي نقعد سوا قبل ما نرجع تاني ليهم، إيه رأيك؟

حركت رأسها موافقةً وهي تبتسم له تحثه على التوجه نحو إشارته، بينما هو أمسك كفها و هو يشدد عناقه عليه ثم سار بها نحو الأريكة الفارغة يجلسا عليها على الطرف الأخر من الطريق، جلست هي أولًا و هو بعدها فوجدها تسأله بتعجبٍ: تصدق الجو حلو هنا أوي، أو يمكن أنا من كتر القعدة في البيت بقيت بحس إن الشارع برة حلو أوي؟ تفتكر الجو هو اللي حلو؟

ابتسم هو لها بعدما حرك رأسه يطالعها بنظراتٍ صافية و رافق نظرته تلك قوله: الجو حلو علشان إحنا داخلين على الخريف، و دي أجواء في بدايتها بتكون حلوة علشان كدا قولت نقعد سوا هنا
أومأت له موافقةً فوجدته يتسم لها من جديد، لكنها سألته بنبرةٍ ظهر بها الاهتمام و الإصرار ورغم ذلك لازالت مُبتسمة: قولي صح أنتَ ليه خدت الشايب مكاني؟ أنا استغربت إنك كملت و اتعقابت مكاني.

اتسعت بسمته أكثر وهو يجاوب سؤالها ببساطةٍ: علشانك أنتِ
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ خافتة: تعرف أنا بحب أوي كلمة علشانك أنتِ، بحسها كلها حنية كدا، إنك تعمل حاجة علشان حد و تقوله علشانك أنتَ.

أومأ لها موافقًا ثم أضاف مؤكدًا: و علشان كدا بحب أقولها ليكي، علشان عارف أنك بتحبيها، بس هي دي الحقيقة أصلًا اللي المفروض كل الناس تعرفها، هي إن الإنسان لما يعمل حاجة يعملها علشان هو بيحب الشخص اللي بيقدمله الحاجة دي، أنا لو عملتلك كوباية شاي و جبتهالك بكل الحب اللي في قلبي هتوصلك بحب و تحسيها وصلتلك مشاعر كتير، إحنا اللي معقدينها أوي.

حركت رأسها موافقةً ثم أضافت بنبرةٍ ظهرت بها الراحة: بحب كلامك أوي علشان بستفاد منه، حقيقي و مش متذوق، بس نرجع بقى لموضوعنا ليه خدت الشايب؟

ابتسم هو على إصرارها ثم قال بنبرةٍ مرحة: هجاوبك علشان أريحك، لو كنتي خدتيه كان زمان رياض مظبطك في الأحكام، بما إنه اعتبرك بنته، و أنا علشان ميحصلش حاجة تحسسك إنك متضايقة قولت اتدخل أنا، و في النهاية عادي يعني، بس مكنتش حابب تحسي إنك على مسرح و إحنا بنفذ عليكي أحكام.

رفعت رأسها تطالعه بعدة مشاعر مختلطة يكسوها الامتنان و هي تقول بعينين لمعت بهما العبرات: أنا مكنتش هزعل بس كنت هتحرج شوية، بس إنك تخاف عليا من حاجة زي دي، دي كبيرة أوي، ممكن يكون بالنسبة ليك موقف عادي بس بسببه غيرك هيحس براحة إنه متقدر، حقك عليا علشان اللي عمو عمله فيك.

ابتسم هو بيأسٍ منها ثم تنفس بعمقٍ و قال بعدها: لا حق و لا حاجة، دي أقل حاجة عمو ممكن يعملها فيا، مشوفتيش أنتِ لما حكم عليا أنزل البحر الساعة 3 الصبح في اسكندرية.

تلاشت بسمتها و اتسعتا حدقتيها بقوةٍ و ظهرت الدهشة تكسو ملامح وجهها، فوجدته يضيف مؤكدًا بمرحٍ: و الله مش بهزر، كنا في إسكندرية و بنروح كلنا سوا، بليل الستات بيسهروا مع بعض في شقة و الرجالة في شقة، و أنا على حظي سحبته من عامر الندل، و اتحكم عليا حكمين، الأول أنزل أغني لبتاع السوبر ماركت و التاني أني أنزل البحر، رغم التاني كان أصعب بس نزلت البحر بس ساعتها خوفي قل من ضلمته و هدوءه لما لقيت خالد و ياسر و عامر نزلوا ورايا، عرفت إن الدنيا شبه البحر دا، و هما ساعتها كانوا الحاجة اللي طمنت قلبي من خوفه، الفكرة كلها عاوز أوضحلك إن هما طمنوني ساعتها و أنا طمنتك، هو كاس داير يا خديجة.

ضحكت رغمًا عنها وهي تقول بقلقٍ من والده: أنا كدا هخاف من عمو رياض، ربنا ميحكمش علينا بالوقوع تحت إيده
رد عليها هو يؤكد حديثها: حقك بصراحة تخافي، مش هو أبويا؟ بس فيه حاجات مخه صعيدي فيها و بتطلب معاه بتقفيل، بس على قد كدا هفضل طول عمري محظوظ بيه
تحدثت هي بحب و عاطفة: يا بختنا كلنا بيه، ربنا يباركلك فيه و يفضل معاك العمر كله يا ياسين.

وجه بصره نحوها يطالعها بعينيه الصافيتين وهو يقول بنبرةٍ خافتة: و يديم وجودك أنتِ كمان.

حركت رأسها تنظر أمامها وهي تبتسم بخجلٍ بعد نظرته تلك، أما هو ابتسم عليها لكن بسمته تلاشت حينما وجدها تتركه و تركض من جواره، فانكمش حينها حاجبيه بتعجبٍ فوجدها تخفض جسدها بجوار شجرة متوسطة الحجم، وقف هو الأخر يتوجه نحوها، فوجدها تربت بيدها على قطةٍ صغيرةٍ باللون الأبيض و يبدو عليها أنها لم تكن من قطط الشارع، تعجب هو من وضعها فسألها بنبرةٍ هادئة: بتعملي إيه يا يا خديجة؟ خضتيني و قولت طفشت مني.

حركت رأسها تنظر له بفرحةٍ و هي تقول: القطة دي حلوة أوي يا ياسين، أنا بحب القطط أوي و هي رجلها كانت مغروسة في حاجة.

حرك رأسه هو ينظر للقطة، لكنه تعجب حينما وجدها تميل برأسها على كف خديجة و كأنها وجدت ملاذًا أمنًا لها، زادت دهشته أكثر حينما وجد خديجة تربت على رأسها بحنانٍ و القطة تمسح برأسها على كفها، حينها أخرج هاتفه يلتقط لها تلك الصورة، فاستمعت هي لصوت إلتقاط الكاميرا، حينها التفتت له من جديد تسأله بحيرةٍ: بتعمل إيه يا ياسين؟ دي صورة تتصور بالله عليك؟ دا تشرد.

اخفض جسده و هو يميل لها حتى يصبح في نفس مستواها وهو يقول بمرحٍ: استغربت بصراحة يا خديجة، حتى القطة حبِتك و حست بحنيتك عليها، سبحان الله
حركت رأسها تسأله بصمتٍ فوجدته يقول بنبرةٍ تائهة بعض الشيء: القطة أمنت ليكي و في ثانية كانت حاطة راسها على إيدك، أنا قولت برضه مجنون اللي ميحبكيش يا خديجة، و لو هتتقاس بكدا يبقى أنا أعقل العاقلين في حُبك.

ابتسمت هي باتساعٍ له ثم أخفضت رأسها تنظر للقطة فوجدتها تموء بصوتٍ غريب عليها، فسألته بتعجبٍ: ياسين هي صوتها عامل كدا ليه؟ مش المفروض يكون صوتها أعلى من كدا؟
ربت بيده على القطة وهو يقول مفسرًا لها: القطة غالبًا بتشكرك يا خديجة، مش عارف أنا بهبل و لا لأ، بس ماما قالتلي قبل كدا، إن القطط لما بتحس بالأمان بتضحك و بتشكر اللي قدامها.

حركت رأسها موافقةً فوجدته يقول مُقررًا: طب إيه هنفضل هنا الليلة كلها جنب القُطة؟ يلا علشان رياض ميفهمش غلط، و يشك فيا
حركت رأسها موافقةً ثم تركت القطة من يدها فوجدتها ترفع رأسها لها، بينما وقف هو الأخر ثم قال بهدوء: ابقي فكريني بعد ما نجيب حاجتنا نجيب ليها أكل و نحطه هنا
سألته هي بحماسٍ: بجد! هتعمل كدا؟ أنا كنت هقولك أصلًا
أومأ لها مؤكدًا ثم أضاف: آه هعمل كدا و الله، أنا بحب آكل القطط و الكلاب أوي.

ردت عليه هي بنبرةٍ مرحة: أقولك على حاجة؟ أنا و وليد كنا مربيين 3 قطط في المنور من تحت، و في مرة وليد رماهم على هدير و إحنا صغيرين و خربشوها، من ساعتها مفيش قطة دخلت بيت الرشيد، كنت بحبهم أوي، بس هدير لما عصبت وليد و قالتله إنها بتخاف منهم و هتطردهم، هو اتسرع و رماهم عليها و قفل الباب.

ضحك بشدة حتى تحولت ضحكته إلى القهقهات على تلك الطفولة المُشردة، فوجدها تشاركه الضحكات هي الأخرى ثم اوقفتها حتى تقول بنبرةٍ ضاحكة: ساعتها البيت كله عرف و عمو محمود رماهم برة البيت و قال مفيش قطة تدخل البيت دا تاني، و من ساعتها محصلش
رد عليها هو بقلة حيلة: مش فيها وليد! لازم تبقى دي أخرتها، كويس إنكم محصلتوش القطط دي أنتو كمان
أيدت حديثه من خلال حركة رأسها الموافقة و كأنها تؤكد صدق حديثه بذلك.

أسفل شقة حسن أوقف سيارته فوجدها تنبس بترددٍ و كأنها تجاهد للحديث: حسن! هو، هو أنتَ كويس؟ يعني، بعد اللي حصل عند ميمي دا و عياطك بالطريقة دي، أنا خوفت عليك، قولي لو فيه حاجة مزعلاك.

تنفس هو بعمقٍ ثم زين ثغره ببمسةٍ هادئة و هو يجاوبها: متخافيش يا هدير، أنا كويس الحمد لله، بس مع اللي حصل مشاعري اللي كنت راكنها و بهرب منها طلعت و حسيت ساعتها كأن حسن العيل الصغير طلع مني و عاوز ياخد حقه من الدنيا، حقه في حضن أمه اللي اتحرم منها، و حقه فيكي أنتِ، و حقه في كل ليلة باتها لوحده زي التمثال من غير روح، ميمي بظهورها صحت كل الجروح النايمة، و سبحان الله في إيدها برضه الشفا للجروح دي، أنا أسف أني قلبت الليلة نكد كدا، بس غصب عني و الله.

تنفست هي الصعداء، ثم أمسكت كفه بين كفيه تربت عليه و هي تقول بنبرةٍ مختنقة إثر كتمها لدموعها و هي تجاهد بالثبات أمامه: أنا حسيت بيك لما حضنتها، هي حضنها حلو أوي، بس يمكن أنتَ تحس بيه أكتر علشان وجعك كان أكبر، و يمكن علشان اللي حضنوني كانوا كتير، بس أنا عاوزاك تطمن و الله يا حسن، أنا جنبك و معاك، ممكن مقدرش أديك الحنية اللي أنتَ مستنيها و ممكن مقدرش أكون هادية و طيبة علطول، بس و الله أنا هحاول علشانك أنتَ، هحاول أعمل كل حاجة تخليك تطمن و ترتاح معايا، و ممكن أوعدك كمان.

طالعها هو بدهشةٍ و كأنه يراها لأول مرّةٍ فوجدها تقول بنبرةٍ مُصرة: متبصليش كدا، أنا عاوزاك ترتاح و تطمن، عاوزاك تتعامل عادي معانا كلنا، و عاوزاك تفرح باللي معاك و تنسى اللي فاتك علشان دا مكانش ليك، صدقني أنا هحاول كتير لحد ما أنتَ بنفسك ترتاح و تقولي ارتاحت معاكي.

أومأ لها موافقًا و هو يرى الإصرار في حديثها و نبرتها و تمسكها به بتلك الطريقة التي لم يعدها من قبل، ثم نزل من السيارة و هي خلفه، لكنه كان مشغولًا بحديثها و تلك القسوة التي تتحدث بها عن نفسها، فها هي حتى الآن لم تستطع مسامحة نفسها على ما فات، حتى الآن تلوم نفسها على قسوتها، هكذا كان يُفكر في حديثها، حتى وصل أمام الشقة، أما هي حينما لاحظت شروده، حركت كفها أمام وجهه و هي تقول بتعجبٍ:.

يا بني! سرحت فين تاني يا حسن؟ هو أنا كنت بكلم نفسي تحت؟
انتبه هو لها ثم قال بعدما حمحم يُجلي حنجرته: لا مسرحتش و لا حاجة، يلا ندخل.

أومأت له موافقةً و لا زالت الحيرة كما هي على وجهها، حتى دلفت الشقة خلفه، بينما هو ارتمى على أول أريكة قابلته ثم أشار لها بصمتٍ حتى تجلس بجانبه، امتثلت لمطلبه ثم اقتربت منه و هي تحرك رأسها تستفسر منه عن مقصده، بينما هو بمجرد وقوفها أمامه أمسك كفها ثم أجلسها بجانبه و هو يقول بنبرةٍ هادئة: عاوز اتكلم معاكي كلمتين يا هدير، علشانك مش علشاني.

حسنًا استطاع هو بحديثه بث الرعب بداخلها، فجلست بجانبه و هي تزدرد لُعابها بخوفٍ من حديثه، بينما هو حينما استشعر خوفها البادي على وجهها، ربت على يدها و هو يقول مُطمئنًا لها:.

أنا عاوز أقولك على حاجة يا هدير، أنتِ مش وحشة و مش قاسية زي ما أنتِ فاكرة، يمكن تكوني غلطتي و دي علشان إحنا بشر مش ملايكة، متنسيش إن وجودنا على الأرض دي علشان سيدنا أدم أكل من الشجرة اللي ربنا سبحانه و تعالى منعه منها، و كانت النتيجة خروجه من الجنة، أنا هنا بفهمك إن النفس أمارة بالسوء، و مع الغيامة اللي على عنينا بنزيد في غلطنا و بيبقى صعب نرجع، بس الفكرة هنا بعد ما عرفنا غلطنا حاولنا نصلحه و لا لأ؟ بعد ما عرفنا عيوبنا حاولنا نسعى لتغيرها و لا لأ؟ بعد ما عرفنا إننا اذينا أو زعلنا حد، استمرينا كدا و لا وقفنا و راجعنا نفسنا؟ كل دا أنا شوفته فيكي، لما حاولتي تصلحي علاقتك بولاد عمامك، و لما حاولتي تكلمي خديجة كذا مرة، و لما بتحاولي تطمني فيا و أنا أصلًا مرعوب من بكرة، بس وجودك و حبك ليا عرف يطمني و دي أحن حاجة تعمليها لحد و هو إنك تطمنيه.

لم تشعر بنفسها غير و هي تندفع تسأله من بين بكائها و دموعها المُنسابة: يعني بجد أنا مش وحشة؟
حرك رأسه نفيًا بهدوء، فوجدها تقول بنفس البكاء: أنا كل يوم بفضل أحاسب نفسي على اللي فات، و مش بقدر أنساه، فاكر لما حاولت انتحر قبل كدا؟ الإحساس دا جالي مرة كمان، أنا مش هيأس بس خايفة من نفسي، و أصعب حاجة الإنسان يواجهها هي نفسه.

رفع كفه يمسح دموعها وهو يقول بحكمةٍ سيطرت على نبرته و كلماته: اليأس دا أخطر حاجة على الإنسان، لو اتملك مننا هنضيع، لازم نعيش عندنا يقين في ربنا سبحانه و تعالى و نمسك في الفرص التانية، تخيلي لو مفيش فرصة تانية يا هدير، مكانش فيه حد تاب و مكانش فيه حد عرف يبطل ذنوب، و كان زماننا غرقانين، بس ربنا كرمنا بالفرصة التانية علشان نعرف قيمة الدنيا و إنها ملهاش لازمة أصلًا، و مع كل دا هأكد عليكي تاني كفاية محاولتك إنك تغيري من نفسك، دي كفيلة تفرح عيوني بيكي.

ابتسمت له هي فوجدته يحضتنها بين ذراعيه وهو يقول بنبرةٍ خافتة: أنتِ مش وحشة و مش قاسية، أنا لقيت حنان الدنيا كلها معاكي، و أسألي قلبي المحروم من حاجة زي دي يا هدير.

ألقت رأسها على كتفه تنعم بذلك السلام المتسلل إليها من قربه و حديثه بينما هو ربت بيده على ظهرها و كأنه يعامل طفلة صغيرة في السن لم تقتنع سوى بتلك الطريقة، و بعد مرور دقائق على وضع سكونهما، صدح صوت هاتفه في سترته، ابتعدت عنه هي حتى يستطع إخراج الهاتف، بينما هو تعجب حينما وجد رقم طارق لكنه قام بالإيجاب فورًا، فوجده يقول بنبرةٍ متسرعة:.

هدى مرات وئام بتولد يا حسن، هات هدير و تعالى علشان هي مصممة تشوفها، احنا طلعنا على المستشفى اللي ياسر شغال فيها
انتفض حسن من موضعه وهو يقول بنبرةٍ عالية بعض الشيء و متعجلًا في أمره: إحنا جايين حالًا يا طارق، سلام
وقفت أمامه تسأله بقلقٍ: حصل إيه؟ ريحني يا حسن
أردف هو بسرعة وهو يتحرك من أمامها: هدى بتولد و عاوزة تشوفك ضروري، يلا علشان نلحقهم.

جاوبها ثم دخل غرفته راكضًا و كأنه يصارع نفسه، بينما هي لحقته فوجدته يفتح خزينته و هو يقول بتلهفٍ: هاتي شنطتك يا هدير بسرعة
اقتربت تعطيه حقيبة ظهرها فوجدته يضع بها الأموال، قطبت جبينها بحيرةٍ من فعلته تلك، فوجدته يقول مُفسرًا: وئام لسه دافع الفلوس لوليد و أكيد مش عامل حسابه إن الولادة تكون دلوقتي، علشان كدا أنا هخلي دول معاكي و لما أقولك تجبيهم، تمام؟

حركت رأسها موافقةً عدة مرات و القلق يدب في أوصالها على شقيقتها، بينما هو أغلق الخزينة ثم امسك كفها و هو يركض بها نحو الخارج، بينما هي شُلت حركتها تمامًا لولا إمساكه بها يسير بها نحو الخارج لكانت وقفت كما هي ساكنة الحِراك.

وصل ياسين و خديجة إلى شقة والده وهو يقول بمرحٍ: معلش اتأخرنا عليكم يا جماعة، الواحد ما صدق يستفرد بمراته
وكزته هي في كتفه، بينما والده قال بفخرٍ و تعالٍ: علشان تقدر يا ندل، قولتلك تاخد مراتك و تنزلوا تفكوا رجلكم شوية
اقترب منه ياسين يضع الأشياء أمامه وهو يتشدق بنذقٍ: طبعًا، حد يقدر يتكلم؟ اتفضلوا الحاجة أهيه
نظر رياض للأشياء وهو يقول بسخريةٍ: أوعى تكون صرفت ال 200 جنيه كلهم؟

رد عليه مؤكدًا: أكيد طبعًا، جايب جاتوه و لب و بيبسي و مكمل من معايا كمان
أتت زهرة من الداخل و في يدها الأطباق و الأدوات و هي تقول بنبرةٍ مرحة: جدع يا ياسين، أقولك على حاجة كمان؟ خد الفلوس اللي دفعتها كمان متسبش حقك
رد عليها رياض ساخرًا: يا سلام يا ختي أنتِ و ابنك؟ ما هو لو مكانش خد الشايب مكانش زماني غرمان كدا، كمان عاوزاني أدفع الكِمالة؟، قولي حاجة يا خديجة.

ردت عليه خديجة بهدوئها المعتاد: هقول إيه بس؟ حضرتك أكيد صاحب الفضل هنا بعد ربنا، يعني سواء ل ياسين أو ل ماما حضرتك في الأول و الأخر السبب، يعني برضه منك أنتَ
ابتسم بفرحةٍ سيطرت على ملامحه وهو يقول بفخرٍ: تصدقي بالله؟ أنتِ مش هتخرجي من قلبي طول ما أنا عايش و أنتِ مرات الجحش دا.

ابتسمت له هي فوجدت ياسين يقول بنبرةٍ جامدة بعض الشيء: طب يلا علشان ناكل الحاجات اللي احنا جايبينها أحسن يقولي أنتَ عليك حكم شايب إنك متاكلش منهم
ضحكوا عليه و على حديثه، فتحدث رياض يقول بمرحٍ: جدع ياض برافو عليك، أنا كنت هقول كدا فعلًا، لماح بصحيح.

زادت الضحات عليهما، ثم التفوا حول الطاولة مرةً أخرى في جو ممتليء بالمرح، جديد عليها و لكنه تسوده الألفة و المحبة حتى أجزمت هي أنها تعيش وسط أفضل انتاجًا بشريًا استطاعت تلك الأسرة الاتصاف به.

مع اندماجهم في الأحاديث و السخريةِ على ياسين و رياض صدح صوت هاتفها برقم شقيقتها، استأذنت هي منهم ثم قامت بالرد على شقيقتها فوجدتها تقول مسرعةً: إيه يا خديجة برن عليكي من بدري، هدى بتولد في المستشفى اللي عمتو مشيرة كانت فيها، و وليد قالي أعرفك علشان نسي تليفونه
ردت عليها خديجة بخوفٍ: بتولد إزاي بس يا خلود؟ دي لسه في السابع، نهار أبيض.

ردت عليها هي بسخطٍ: و هو أنا اللي بولدها يعني؟ دا نصيبها يا خديجة، المهم شوفي هتعملي إيه
أغلقت مع شقيقتها الهاتف ثم اقتربت منهم تقول بنبرةٍ متلهفة: معلش أنا متأسفة، هدى بنت عمي بتولد و خلود كلمتني و قالتلي، أنا بس عاوزة أروح ليها
وقف ياسين يقول لها بلهفةٍ: طب يلا بسرعة، متعرفيش هي فين؟
ردت عليه هي مردفةً: في المستشفى اللي عمتو مشيرة كانت فيها، خلود قالتلي كدا.

رد عليها رياض مستحسنًا: طب كويس أوي، مديرها صاحبي، و ياسر شغال هناك، روح يا ياسين و أنتَ عارف هتعمل إيه
أومأ له موافقًا ثم اقترب منها يقول هامسًا بهدوء بعدما رآى الخوف على وجهها: متخافيش هي هتبقى كويسة إن شاء الله، مش عاوزك تخافي
أومأت له عدة مرات موافقةً، بينما هو أخذها و ذهب من المكان حتى يلحق بهم في المشفى.

في المشفى و بعدما فشلوا في التوصل لسيارة الإسعاف كان أخر الطرق في الوصول هو حمل وئام لزوجته على يده، و معه طارق و وليد ثم توجهوا بها نحو المشفى التي اختارها وليد لأنه يعلم أنها ستلقى بها الرعاية المطلوبة، و من بعدها أتى مرتضى و معه و محمود و نساء العائلة الثلاثة معهم حتى لا يتركونها بمفردها، كانت هي في داخل غرفة العمليات بعدما أخذها منهم الطبيب، و هم ينتظرون في الخارج و القلق ينهش قلوبهم عليها خاصةً بعدما أخبرهم الطبيب بتعسر الولادة و توقيتها الخاطيء، و أكثرهم خوفًا كان وئام و هو يجلس بجانب الغرفة و عينيه تبكي دون أن يعي لذلك، يتمنى من الله تمر تلك اللحظة عليه بسلام و لا يفقد أيًا منهما، فكليهما عليه عزيزًا، هي من خُلقت من ضلعه و هو من سيكمل مكان ذلك الضلع، حرك طارق رأسه يبحث عنه بعينيه فوجده جالسًا أمام الغرفة و هو يبكي، زفر بقوةٍ ثم اقترب منه يحضتنه و هو يقول مؤازرًا له:.

ينفع اللي أنتَ عامله في نفسك دا؟ هي دي الرجولة اللي مستنيها منك يا وئام؟ بتعيط كدا؟ هيخرجوا متخافش
رد عليه بنبرةٍ تائهة ممتزجة ببكاءٍ: خايف يا طارق، اللي جوة دول روحي كلها، مراتي و حبيبتي و ابني و حتة مني، الدكتور كلامه كان صعب و خوفني.

ربت عليه رفيقه وهو يقول بنبرةٍ ثابتة لم يشوبها الاهتزاز: دا كلام الدكتور، لكن فين كلام ربنا سبحانه و تعالى؟ ادعي و خلي أملك في ربنا كبير علشان يخرجوا ليك بالسلامة، متخافش.

حرك رأسه بقلة حيلة و هو يعلم تمام العلم أنه لم يملك شيئًا يفعله في تلك اللحظة سوى الدعاء من قلبه، أما طارق فكان هو الحصن المنيع له الذي شدد عليه العناق بينما الأخر استسلم بين ذراعيه، لطالما كانت علاقتهما سويًا على ذلك الحال، كلًا منهما يؤازر الأخر في محنته و يجاوره في أزمته، و كانا هما الثنائي الأخوي المُفضل و من بعدهما خديجة و وليد، و في تلك اللحظة خرج وليد من المصعد بعدما ساوى أمر الحسابات و قام بدفع مبلغ مالي تحت الحساب المجهول الذي لم تتم معرفته بعد، راقب ببصره الوضع فوجد والده و عمه كليهما يجلس في الممر و في يده المصحف الشريف يقرأ منه، و على الجهة المقابلة لهما النساء الثلاثة، بينما شقيقه جالسًا بين ذراعي توأم روحه و الأخر يضلل عليه، ابتسم هو حينما رآهما ثم توجه بهما يجثو على ركبيته وهو يقول بنبرةٍ خافتة:.

انشف كدا يا وئام و أمسك نفسك، أول ساعات ليه في الدنيا و هيعمل فيك كدا؟ سلمها لله علشان ترتاح
أومأ له موافقًا ثم رفع رأسه يتضرع بصمتٍ دون أن يتحدث، فيكفي داخله يبكي خوفًا من القادم، و في تلك اللحظة اقتربا منهم حسن و هدير يركضا بخوفٍ، فأقتربت هدير من النساء تسألهن ببكاءٍ و خوف بعدما اقترب هو من الشباب:
هدى فين يا طنط مروة؟ طمنيني عليها علشان خاطري.

وقفت أمامها زينب تربت على كتفها وهي تقول بنبرةٍ هادئة: اهدي يا هدير هي كويسة الحمد لله، و دخلت أوضة العمليات، متخافيش عليها
بكت من جديد وهي تقول بنبرةٍ متألمة: مخافش عليها إزاي؟ هدى هي اللي بقيالي يا طنط زينب، أنا قلبي بيموت علشانها، حد فيكم يقولي إنها هتبقى كويسة علشان خاطري.

احتضنتها زينب وهي تقول بنبرةٍ خافتة تحاول بث الطمأنينة لتلك التي ترتجف بين ذراعيها: متخافيش عليها يا حبيبتي، هتبقى كويسة و الله، ربنا يكرمها إن شاء الله
أومأت لها موافقةً و هي تحاول صدق ذلك الحديث و كأنها تحاول اقناع نفسها بأنه من المؤكد حدوث ذلك، أما على الجهة الأخرى وقف وئام بجانب الشباب بعدما اوقفوه، فمال حسن على أذن وليد يسأله بنبرةٍ هامسة:.

بقولك إيه؟ خليك معاهم هنا و أنا هنزل أشوف الدنيا تحت و أتطمن برضه.

أومأ له موافقًا ثم حرك رأسه ينظر لشقيقه و هو يتعجب من تغير حالته، و كأن عمره أصبح الضعف خلال ساعات، و قبل أن يغمس في شروده بأخيه استمع لصوت ياسين و خديجة من الخلف، التفت هو ينظر لهما، فوجد هدير تترك النساء ثم ارتمت على خديجة تتمسك بها وهي تقول ببكاءٍ: كويس إنك جيتي، أنا كان نفسي تيجي تكوني معايا علشان خوفي يقل، أنا خايفة أوي يا خديجة.

ربتت خديجة على ظهرها وهي تقول بتأثرٍ: أنا معاكي يا هدير متخافيش، هدى هتخرج تاني بالسلامة، ادعيلها أنتِ بس
مال ياسين على أذنها يقول هامسًا: خديها و اقعدي جنب عمك و أنا هروح أشوف وئام لحد ما ياسر يجي.

أومأت له موافقةً ثم أخذت ابنة عمها و هي تتوجه بها نحو المقاعد الجلدية، أما هو توجه نحو الشباب يقف بجانبهم و هو يؤازر وئام في تلك المحنة، بينما الآخر كان كما هو عقله و قلبه و كيانه بالكامل لازال معها بالداخل و الظاهر أمامهم فقط هو الجسد، أما الروح فهي بالداخل مع رفيقتها، استمر الوضع على ذلك لوقتٍ من صعوبته أجزم البعض أنها سنواتٍ، حتى حسن الذي جلس بجانب زوجته يمسك كفها بين كفيه و هي تبكي خوفًا على شقيقتها، حتى وجدها تحتضنه تبكي بين ذراعيه و على الرغم من خجله من الحاضرين إلا أنه آثر التجاهل للجميع ثم ربت عليها يبثها الأمان المفقود، بينما خديجة انسحبت من جانبهما ثم وقفت بجانب ياسين و هي تحاول الثبات في وقوفها و لكنها تعاني من الإرهاق الشديد، أمسكها ياسين بيده يحاول ألا يلفت النظر إليها، لكن وليد كان الأسرع حينما اقترب منها يقف مجاورًا لها وهو يقول بنبرةٍ خافتة:.

أنتِ وشك أصفر كدا ليه؟ روحي البيت عندنا أنتِ ملكيش لازمة هنا
ردت عليه هي بإصرارٍ ترفض ما تفوه به: هدير هنا مش هترضى تمشي، و أنا هنا علشان هُدى، عاوزني إزاي أمشي و أسيبهم؟ أنا كويسة متخافش عليا
زفر هو بقوةٍ أمام عنادها، فتحدث ياسين يقول بهدوء يحاول إقناعها: أنتِ صاحية من الصبح يا خديجة، و مريحتيش حتى، على الأقل روحي اروحك تطمنيهم و هرجع تاني أخدك من هناك.

حركت رأسها نفيًا ثم قالت: مش هينفع، طنط مروة و ماما و طنط زينب مش هيعرفوا يتصرفوا مع هدى، و هدير بتعيط، معلش خليني هنا أحسن
أمسك وليد كفها وهو يقول بنبرةٍ جامدة: معلش يا ياسين أنا عاوزها معايا تحت، ثواني و هرجع بيها تاني.

أومأ له موافقًا بعدما ألقى عليها نظرةٍ واحدة فوجدها راضخةً لم يظهر عليها بوادر الرفض، فأخذها وليد ثم تحرك بها من الجهة الأخرى حتى لا ينتبه لهما البقية، حتى وصل بها إلى الكافتيريا الموجودة بنهاية الرواق، حركت رأسها هي تستفسر منه بصمتٍ فوجدته يقول بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
جايبك هنا علشان آكلك و علشان تشربي عصير قبل ما تقعي من طولك، أنا مش حمل حاجة زي دي كفاية عليا وئام.

حركت رأسها تستسلم لأمره فهي تعلم تمام العلم أنه لم يتركها دون أن تتناول الطعام خاصةً مع ارتجافة يدها و انكسار جفنيها، فجلست بجانبه و هو يمد يده لها بالعصير و في اليد الأخرى الكعك المُعلب و هو يطعمها بيده، و في نهاية الرواق كان هناك زوج من الأعين يراقبهما و رغمًا عنه ابتسم حينما رآها تأخذ الطعام تعطيه له حتى تطعمه، حينها أدرك أن تلك الرابطة الموجودة بينهما كبيرة و لن يقوى أيًا من الأخر على إيجاد ونيسه في شخصًا أخر، ابتلع وليد الطعام ثم رفع رأسه وهو يرتشف من زجاجة المياه حتى وقع بصره على ياسين يراقبهما، أنزل رأسه مرةً أخرى، فوجده يقترب منهما وهو يبتسم بخفةٍ، فوقف وليد وهو يقول بنبرةٍ محرجة بعض الشيء:.

معلش كنت بأكلها علشان متقعش من طولها، أصلها لو فضلت كدا هتقع من طولها
حرك رأسه موافقًا ثم قال هو مُفسرًا تواجده هنا: أنا كنت جاي بس علشان أشوفكم و علشان أجيب مياه ليهم
أومأ له موافقًا ثم قال بثباتٍ: طب خليها تكمل العصير و أنا هروح أشوف بابا و وئام، و أكلم أحمد اتطمن منه على اللي في البيت.

أومأ له موافقًا وهو يتابع انسحابه، فاقترب منها يقول أمرًا لها: كملي العصير اللي معاكي دا علشان متقعيش مني، أنتِ شكلك واقع أصلًا
ردت عليه هي ببكاءٍ زائفٍ: حرام بقى أنا مش عيلة صغيرة، أنتَ و وليد عليا و كدا كتير
ابتسم لها باستفزازٍ وهو يقول: حظك إننا بنحبك يا كتكوتة، اسمعي الكلام بقى ولا أنا لازم أبقى وليد يعني؟

حركت رأسها نفيًا ثم أخذت الزجاجة ترتشف منها البقية، فابتسم هو لها يستحسن فعلها، فقالت هي بنبرةٍ هادئة: ها حلو كدا؟ ممكن بقى نروح ليهم علشان محدش ياخد باله
أومأ لها موافقًا ثم قال: هاتي ليهم عصير و مياه علشان مامتك عطشانة و علشان هدير كمان، و أنا هروح أكلم ياسر كدا
أومأت له موافقةً ثم سارت معه تجلب ما حدثها عنه.

في بيت آل الرشيد اجتمع البقية مع طه و محمد و حسان و مشيرة، فتحدثت الأخيرة تقول بحنقٍ: طب ما نروح علشان نتطمن عليها، هنفضل هنا الليلة كلها نضرب أخماس في أسداس؟ خدني يا أحمد ليهم
رد عليها أحمد مردفًا: مش هينفع يا عمتو، خليكم هنا علشان لو هما احتاجوا حاجة مننا، و بعدين العدد كبير أوي
تدخلت جميلة تقول بقلقٍ: أنا كلمت طارق و هو قالي إنهم لسه مخرجوش من العمليات، أنا مبعرفش استنى، عاوزة أروح ليها.

ردت عليها عبلة بنفس الخوف: خير إن شاء الله، لما حد فيهم يتطمنا على خروجها هنبقى نروح ليها كلنا براحتنا، بس دلوقتي صعب أوي
رد طه على الجميع بهدوء: خلونا هنا علشان البيت ميبقاش فاضي، و علشان اللي هنا، و إن شاء الله ربنا يجبر بخاطرنا و نتطمن كلنا
أومأ له الجميع بقلة حيلة، فأسلم حل هو البقاء في المنزل حتى يتم التوصل إلى الأخبار التي تُثلج نيران الروح المتأهبة لسماع ما يسرها.

في المشفى بعد مرور بعض الوقت وصل الشباب الثلاثة مع بعضهم، و في مقدمتهم ياسر حتى اقتربوا من موضع الرجال، فقال بنبرةٍ متلهفة بعد القاء التحية: مين الدكتور اللي معاها جوة؟ حد فيكم عارف الإسم
رد عليه وليد يجاوبه: آه دكتور إسمه صبري، مكتوب إسمه كدا و أنا بمضي الورق تحت.

أومأ له موافقًا ثم قال مستحسنًا: طب الحمد لله، متخافوش دا دكتور شاطر أوي و يعتبر من أنجح الدكاترة في مصر في المجال دا، أنا هروح اتطمن و أرجع ليكم
أومأ له الجميع بموافقةٍ وهو ينحسب من أمامهم، بينما عامر اقترب من وئام يربت على كتفه و هو يقول بنبرةٍ هادئة: متخافش ياسر هنا و هيعمل اللي عليه، اتطمن أنتَ بس.

أومأ له وئام وهو يقول بنبرةٍ خافتة يجاهد حتى يتحدث بها: أنا مسلمها لربنا يا عامر، هكدب لو قولت مش خايف، بس هما اتأخروا عليا أوي، و أنا مش عارف المفروض أعمل إيه؟
رد عليه خالد مُطمئنًا له: أنا كنت تايه زيك كدا يا وئام، و كل دا هيتنسي مجرد ما تمسكه في إيدك، صدقني هيخرجوا سوا و هتفرح بيهم في بيتك و هما منورينه.

رد عليه عامر ممازحًا حتى يلطف تلك الأجواء: أسأل الخبرة دا، بياخد على وشه كل يوم قلم مسمع في العمارة، سميناه خالد أبو كف من كُتر ما خد على وشه من إبنه
ضحكوا عليه بخفةٍ، و في تلك اللحظة فُتح الباب و ظهر منه الطبيب المسئول عن ولادتها، و حينها تأهبت الأجساد في وقفتها و حركتها، و قبل أن ينطق أيًا منهم يستفسر عن الحالة، تحدث هو مُردفًا:.

اطمنوا الحمد لله الولادة نجحت رغم إنها كانت صعبة في الوقت دا، بس الجنين لازم يتنقل الحضّانة فورًا واطمنوا هو نازل سليم بس لازم نتأكد أكتر، مبروك جابت ولد
انتشرت الهمهمات الفرحة و كلًا منهم يحمد الله في سره، بينما وئام سأله بلهفةٍ: طب هي يا دكتور، طمني عليها، كويسة صح؟

سأله بترقبٍ خوفًا من الإجابة، فوجده يبتسم له و هو يقول بنبرةٍ هادئة: اتطمن، هي كويسة و كلها ساعات و تفوق كمان، عن إذنكم و ألف مبروك، يتربى في عزك.

ابتسم هو أخيرًا بعدنا اطمئن عليها، و لم يشعر بنفسه سوى و هو ساجدًا فوق الأرض امتنانًا للمولى عز و جَل، و الجميع من حوله يبكون بفرحةٍ وهم ينظرون لبعضهم، و بعض مرور دقائق اوشكت على الستون أخرجوها من الغرفةِ هي أولًا على السرير المتحرك، و أبان ذلك صعد ياسر بملابسه العملية وهو يقول ل وئام: متخافش أنا اللي هبقى مسئول عن ابنك في الحضّانة، الدكتور طمني على حالته، الحمد لله.

أومأ له موافقًا فوجده يدخل للصغير الغرفة الخاصة بالولادة، و بعدها خرج و الطفل بين يديه بجسده الصغير، فاقترب منه وئام يقول بلهفة ممتزجة بالخوف: هو هيروح الحضّانة ليه؟ مش هو كويس يا ياسر؟
رد عليه ياسر مُفسرًا: علشان الولادة كانت بدري، و المفروض إنه كل ما يطول في جنين الأم يكون أفضل، بس الحمد لله هو حالته غير المتوقع خالص، و يعتبر مكتمل تمامًا، هي حقنة بس هياخدها و أنا مش هسيبه متخافش.

أومأ له موافقًا فوجده يعطيه له وهو يقول مُبتسمًا بهدوء: خد شيله بقى و سمي الله قبل ما أخده منك تاني، يتربى في عِزك.

أومأ له موافقًا ثم مد ذراعيه المرتجفين يحمل صغيره و في تلك اللحظة ارتفعت ضربات قلبه بمجرد لمسه، احساسٌ غريبٌ عليه يشعر به، قطعة صغيرة منه بين يديه تتحرك بخفوتٍ و كأنه يخشى فتح عينيه على تلك الدنيا، بينما هو أخفض رأسه يضعها نحو موضع قلبه فاستمع لدقاته التي تناسب صِغر حجمه و في تلك اللحظة بكا هو رغمًا عنه، بكاءًا لا يدري سببه، لكنه فرحًا به، و اندمج في حالته تلك حتى وجد ياسر يأخذه من يده وهو يقول بنبرةٍ متأثرة:.

هاته علشان يدخل الحضّانة، كتر وجوده براها غلط عليه، بس متخافش هو في إيد أمينة
أيوا و عيون زرقا.

قالها عامر بمرحٍ وهو يربت على كتف صديقه، الذي ابتسم له بيأسٍ، ثم نزل تحرك به من أمامهم، و أثناء سيره به طالع الصغير على ذراعيه بعينين دامعتين كعادته وهو يفكر هل كل الأباء يشعرون بنفس الشعور؟ أم أن والده فقط هو من يختلف عن الجميع؟ رؤيته ل وئام و هو يحمله بين ذراعيه جعلته يشعر بعدة مشاعر مختلطة، كان يفكر بتلك الطريقة حتى وصل إلى الحضّانة و حينها أعطى الصغير للممرضة حتى تعتني به، بينما هو وقف يتابعها حتى وضعته على الفراش الصغير، حينها اقترب منه و قبل أن يبدأ عمله، ابتسم له وهو يقول و كأنه يحدث صديقه:.

تعرف أني شيلت كتير زيك على إيدي؟ بس أنتَ و يونس حسيت بيكم إحساس غريب، هما هيسموك إيه صحيح؟، مش مشكلة هقولك يا ابن وئام لحد ما نعرف أنا و أنتَ.

في بيت آل الرشيد علموا جميعًا بنجاح الولادة و بنجاة الاثنين منها، و حينها ملأت الفرحة البيت بأكمله و أصوات تهليلهم بأول حفيد يأتي لعائلة الرشيد، فردٌ جديدٌ أضيف للعائلةِ ليحظى? بمكانةٍ في قلوب الجميع، أما في المشفى خرجت هدى من حالة الأفاقة لتستشعر بما حولها و أولهم كان زوجها الذي ركض إليها يسألها بخوفه و لهفته و قلقه: هدى! أنتِ كويسة؟ طمنيني عليكي بالله عليكي.

ازدردت لُعابها و هي تشعر بجفاف حلقها، ثم حركت رأسها موافقةً و هي تحاول البحث عن صوتها، فوجدت هدير تركض إليها وهي تقول ببكاء: عاملة إيه يا روح قلبي؟ أنتِ كويسة صح؟
حركت رأسها موافقةً وهي تجبر شفتيها على التبسم و بعد أن وجدت صوتها تحدثت بنبرةٍ أقرب إلى الهمس: هو فين؟ فين ابني؟ هو كويس صح؟

ردت عليها مروة بامتنانٍ للمولى: الحمد لله كويس، جبتي ولد زي القمر، يتربى في عزك و عز أبوه، قومي أنتِ بس و شدي حيلك علشان تشوفيه
سألتها بتأثرٍ و نبرةٍ شبه باكية: طب هو فين؟ أنا عاوزة أشوفه، ليه مش جنبي؟
رد عليها وئام مفسرًا: متنسيش إنك والدة في السابع، يعني بدري عن ميعادك، هو في الحضانة تحت مع ياسر، قومي أنتِ بس علشان تكوني جنبي.

حركت رأسها موافقةً ثم ضغطت على جفنيها تحاول ردع تلك العبرات التي تهدد بالاعلان عن نفسها، فوجدته يقترب منها ثم قبل قمة رأسها، بينما هي ضغطت بكفها على كفه بمسكتها الواهية.
و في تلك اللحظة دلفت زينب و خلفها سهير حتى يطمأنا عليها، بعدما إطمئنا على الطفل في الأسفل.

في الأسفل أمام النافذة الزجاجية وقفت خديجة تراقب الطفل الصغير و هي تشعر بمشاعر عديدة تجاهه، فها هو ابن أخيها بالرضاعة أتى لتلك الدنيا حتى يُضيء حياة الجميع، ابتسمت هي باتساعٍ وهي تتذكر شوق العائلة بأكملها لذلك الطفل، و فجأة وجدت وليد يقف بجانبها وهو يقول ساخرًا:
كان نفسي أقول الواد دا طالع لعمو بس الواد دا أهبل أوي.

ابتسمت على حديثه بعدما حركت رأسها تطالعه باستنكارٍ لم تفصح عنه لكنه التقطه من عينيها، لذلك جاوبها مفسرًا:
الأهبل مستعجل على الدنيا و نازل قبل ميعاده بشهرين، فاكر نفسه مولود في دريم بارك، الله يمسيها بالخير سهير مرات عمك محمد كانت بتقفل الشهر التاسع و تاخد 3 أيام في الشهر العاشر، تقريبًا حامل في جواميس.

ضحكت هي بقوةٍ ثم تحدثت من بين ضحكاتها: حرام عليك بقى بطل طولة لسان، مش سهير دي حماتك؟ يعني جاموسة منهم مراتك، و بعدين إشمعنا جواميس يعني
رد عليها مفسرًا ببساطة لم تخلو من السخريةِ: علشان الجاموسة بتولد في الشهر العاشر، و مرات عمك جايبة التلاتة بعد ما قفلت التاسع، فكراها عمارة ناقصها تطلع بالسطح بالمرة.

ضحكت مرةٍ أخرى فوجدته يضع يده على كتفها وهو يقول بعدما زفر بعمقٍ: عقبال ما أشوف عيالك و أمسكهم بإيدي، ، بتهيألي دي هتبقى أكبر فرحة أحس بيها في حياتي
ابتسمت له بسمتها الصافية فوجدته يبادلها النظرة بمثيلتها حتى أتى ياسين من خلفهما وهو يقول بضجرٍ: هو أنا كل شوية هلاقيكم مع بعض؟ مش مالي عينكم طيب؟

التفت له وليد يقول بلامبالاة: واحد و أخته ليك فيه؟ و بعدين عاوز منها إيه و إحنا في مستشفى؟ مش هتعرف تعمل حاجة
رد عليه هو بحنقٍ: أنا نفسي تلم نفسك و تسيبني في حالي، و بعدين كنت بتقولها إيه؟
رد عليه بخبثٍ حتى يثير حنقه: كنت بقولها أني فخور ب وئام أخويا أوي، خلاني عمو وليد، عقبال ما أبقى خالو إن شاء الله، ربنا يكرم بقى.

اتسعتا حدقتيها بشدة حتى مرحلة الجحوظ، بينما ياسين حدثها بعتابٍ: عاجبك كدا؟ شمتيه فيا؟
حركت رأسها نفيًا بقوةٍ، فوجدت وليد يقترب منه وهو يقول بنفس الطريقة: هو أنتَ زعلت ليه؟ أنا عاوزك تبقى بابا، عاوز الواد اللي أنا مش عارف اسمه دا يلاقي معاه ناس في ضهره بدل ما يفضل لوحده كدا
رد عليه ياسين بثقةٍ: طب ما تتشطر أنتَ و تجيب له أخ؟ على الأقل أنتَ من نفس العصب، يلا.

ابتسم له وليد وهو يقول بسخريةٍ: ياريت و الله بدل الحوجة، بس أنا لسه تحت التشطيب، لكن أنتَ سوبر لوكس
ضرب ياسين كفيه ببعضهما بيأسٍ منه فوجده يغمز له وهو يقول بمرحٍ: سلام يا، سوبر
قال جملته ثم انسحب من أمامه فنظر في أثره بتعجبٍ فوجدها تقترب منه و هي تقول بخجلٍ: والله هو دا هزاره، ساعات بيبقى رخم، بس هو طيب.

ابتسم لها وهو يقول مُطمئنًا لها: خلاص خدت على هزاره دا، أنا عمري ما أزعل من وليد، زي ما عمري ما أزعل منك كدا
ابتسمت له هي ثم قالت متحمسة: تعالى بص على البيبي، صغير أوي يا ياسين، حاجة كدا شبه اللعبة، سبحان الله مين يصدق إن الإنسان بيتولد كدا و يجي يوم و يبقى زينا و طولنا و جسمه بيكبر؟ الحمد لله.

تركها هو ثم توجه نحو الزجاج يطالع منه الطفل الصغير بعدما تم توصيله على عدة أجهزة حتى يكتمل نموه بعد خروجه من رحم الأم، و لأن هذه الحالة غريبة عليه وجد نفسه يتأثر تدريجيًا، فوجدها تقف بقربه وهي تقول بنبرةٍ هادئة: شوفته عامل إزاي؟ صغير أوي، نفسي أحضنه و مش عارفة ليه، بس حاجة جوايا عاوزاني أخده في حضني يا ياسين.

حرك رأسه لها هو بعد حديثها، فوجدها تقول بنبرةٍ أقرب للبكاء من شدة تأثرها: يمكن علشان هو جوة لوحده؟ و لا علشان نزل على هنا علطول؟
رد عليها هو بنفس التأثر: و يمكن علشان أنتِ طيبة و حنينة أوي و حسيتي بيه؟ بس عارفة دلوقتي حالًا أنا نفسي اشوف ابني منك أنتِ
حركت رأسها هي حتى يتسنى لها رؤيته بعدما كانت تراقب الصغير داخل فراشه، فوجدته يحرك رأسه موافقًا وهو يقول:.

الإحساس دا بقى بيكبر جوايا غصب عني، أنا بقيت عاوزك تشاركيني الإحساس دا أوي، تخيلي معايا مجرد الفكرة كدا بتفرحني أومال لو بقت حقيقة هيحصل إيه؟
لفت هي كفيها تتمسك بذراعه وهي تقول بنبرةٍ هادئة: لو بقى حقيقة هبقى أسعد واحدة في الدنيا كلها إنك أبو عيالي، أنا كمان نفسي أجرب الإحساس دا، ربنا يكرمنا بيه
ابتسم هو لها ثم أومأ بأهدابه و هو يحرك رأسه للأمام حتى يراقب الصغير مرةً أخرى.

في غرفة هدى دلف لها الطبيب وهو يقول بنبرةٍ عملية: الحمد لله أنتِ و طفلك خرجتوا بعد كرم ربنا و فضله، المهم أنتِ تخلي بالك من صحتك و منه لحد ما يخرج من الحضانة، و دكتور ياسر هيبقى يتواصل معاكم علشان الطفل و علشان الرضاعة
أومأت له موافقةً ثم قالت بنبرةٍ مصرة ممتزجة بالبكاء: طب أنا عاوزة أشوفه، مش معقول أفضل من غير ما أشوفه أو ألمسه.

رد عليها هو مقررًا: دلوقتي صعب، حالتك صعبة و الولادة كانت متعسرة، ممكن أخر اليوم و هو كمان متوصل على الأجهزة تحت علشان النمو يكتمل
سأله وئام بخوفٍ: بس ياسر قالي أنه نازل كويس الحمد لله، ليه متوصل على الأجهزة؟
رد عليه مفسرًا: دا روتين للولادة في الوضع دا، الحمد لله على كل حال و متخافش إن شاء الله هيبقى زي الفل.

أومأ له بقلة حيلة ثم زفر بقوةٍ وهو يشعر بالخوف على ابنه، و بعدها دلف ياسر بعدما خرج الطبيب المسئول عن الولادة: أنا مش عاوزكم تقلقوا هو الحمد لله كويس أوي، غير كتير اتولدوا في الوقت دا، ما شاء الله يعني، و هي مسألة أيام و يروح معاكم البيت، متخافوش، متخافيش يا مدام هدى
ردت عليه ببكاءٍ: عاوزة أشوفه، لو سمحت عاوزة أشوفه، حتى لو هنزل زحف على رجلي بس اريح عيني بشوفته.

زفر هو بقوةٍ ثم قال لها بتوترٍ: أنا مقدر وضعك و الله، بس صعب، هو كويس تحت و ياسين و وليد و الشباب قاعدين قصاد الأوضة
انفعلت هي تصرخ في وجهه: يعني كلهم شافوه و أنا أمه لأ؟، أنا كنت بعد الثواني علشان أشوفه، اعتبرني أختك طيب
تنفس هو الصعداء ثم قال محذرًا لها: تمام، يبقى الحل إنك تسمعي كلام الممرضة و تستني المحلول دا لما يخلص علشان تقدري تنزلي ليه، غير كدا مش هتخرجي من هنا.

أومأت له عدة مرات بموافقةٍ فترك هو الغرفة لهم ثم نزل إلى موضع الصغير.
و بعد مرور بعض الوقت كانت هدى تقف بجانب صغيرها وهي تبكي رغمًا عنها عند رؤيتها له بتلك الحالة بينما وئام حدثها بعتابٍ: يا ستي هو كويس الحمد لله، حرام عليكي كدا هخلي دكتور ياسر يطردنا
رد عليه ياسر مؤكدًا: بالظبط، أنا جايبك تشوفيه علشان مقدر إحساسك كأم عامل إزاي، لكن كدا غلط و بعدين أنتِ تعبانة أوي.

ردت عليهما هي ببكاءٍ: غصب عني بس هو صعبان عليا، صغير على كل دا
رد عليها ياسر مُردفًا: أنا دكتور و بقولك الحمد لله على كل حاجة، فيه أطفال بتبقى حالتهم خطر أوي، لكن إبنك الحمد لله طبيعي و زي الفل
سأله وئام بقلقٍ و خوف: هو هيخرج من هنا إمتى؟ يعني هيفضل هنا قد إيه؟ مش هقدر أروح من غيره.

رد عليه مفسرًا: هو الحمد لله نازل نموه سليم لأنه كان بينمو بشكل طبيعي في رحم الأم، أيام إن شاء الله نتابع حالته و نموه و هيخرج بالسلامة.

انقضت المدة التي حددها الأطباء لبقاء الصغير داخل الحضّانة الطبية و بعد مرور الأيام و تحديدًا كان يوم الخميس مساءًا فوق سطح البيت كانت عبلة جالسةً و في يدها ورقة و قلم تدون به أشياءًا هامة، حتى استمعت لصوت وليد يخرج من المصعد وهو يتحدث في الهاتف، ابتسمت هي بسخريةٍ حينما تذكرت الأيام الماضية ة كانت تراه صدفةً و إن انتبه لها من الأساس، لكنها كانت مدركةً أن خوفه و قلقه على شقيقه هو ما حركه كما أن الوقت لم يكن مناسبًا لتلك التفاهات، ابتسمت هي حينما وجدته يقترب منها يسألها بتعجبٍ من تواجدها هنا بذلك الوقت: بتعملي إيه هنا يا سوبيا؟

ردت عليه هي ببمسةٍ صافية: كنت قاعدة بكتب حاجات هجيبها الصبح علشان هدى و وئام لما يرجعوا هنا، و قولت اطمن عليك بقالي كتير مشوفتكش
رد عليها هو بسخريةٍ: جواز تحت الطلب، أنا كويس اطمني الحمد لله
حركت رأسها موافقةً ثم سألته بنبرةٍ عادية: هما جايين بكرة أكيد صح؟
حرك رأسه موافقًا بهدوء فوجدها تبتسم بحماسٍ له، حينها تحدثت هي بتوترٍ طفيف: طب، أنا هنزل بقى تصبح على خير.

وقفت هي بعد جملتها و قبل أن تتركه وجدته يمسك كفها وهو يقول بنبرةٍ هادئة: رايحة فين؟ اقعدي معايا شوية، أنا لسه مش هنام دلوقتي
ردت عليه هي بنبرةٍ خافتة: هنزل علشان أسيبك ترتاح شوية، أنتَ من الصبح في المُستشفى
وقف هو مقابلًا لها ثم حرك رأسه نفيًا يرفض حديثها وهو يقول بنبرةٍ هامسة: لو عاوزاني أرتاح يبقى خليكي معايا يا عبلة، علشان أنا مش هرتاح من غيرك.

رفعت عينيها تطالعه بخجلٍ فوجدته يحرك رأسه مؤكدًا حديثه ثم تبع فعلته بقوله الهادئ: عيب لما أبقى جايلك تعبان كدا و تمشي و تسيبيني، و بعدين أنا عاوز أعتذرلك علشان اتعصبت عليكي في التليفون و قولتلك أنتِ فاضية و زعقتلك، حقك عليا
ابتسمت هي رغمًا عنها ثم قالت ساخرةً من نفسها و تعاتبه هو: محدش في الدنيا دي كلها هزقني زيك و لا حد بهدلني غيرك يا وليد.

رد عليها هو بلهفةٍ: بس عمري ما اعتذرت لحد و عمري ما اتأسفت حتى لو أنا غلطان، بس أنتِ حاجة تانية، أنتِ الوحيدة اللي بتأسفلها و بتحايل عليها كمان، هقولهالك للمرة اللي أنا مش عارف هي الكام، بس هقولك حقك عليا و على قلبي يا عبلة.

تنفست هي بعمقٍ ثم حركت رأسها موافقةً، فوجدته يقترب منها يقبل قمة رأسها ثم طالع عمق عينيها وهو يقول بمرحٍ: اعمليلنا كوبايتين شاي بالنعناع يقى من أيدك الحلوة دي و اقعدي معايا و قوليلي كنتي عاوزة إيه ساعتها لما زعقتلك
ردت عليه هي بمعاتبةٍ: كنت بكلمك علشان أسألك كلت و لا أبعتلك أكل مع طارق تاكله مع وئام؟

ظهر الخجل و التوتر على وجهه وهو يقول بنبرةٍ مترددة نتيجة احراجه: حقك عليا بس ساعتها كان فيه حالة وفاة هناك بوظت أعصابي، أم و ابنها ماتوا و حالة جوزها كانت صعبة أوي، و على الحظ حسن كان معايا و فضل يعيط و هو بيفتكر مراته و إبنه
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بنبرةٍ عادية تخلو من المشاعر: أنا عرفت من طارق و قالي إن حالتكم كانت صعبة أوي علشان حسن، ربنا يكرمه و يعوضه.

حرك رأسه بقلة حيلة ثم قال: طب يلا أعمليلنا الشاي و خليه بالنعناع علشان نفسي اشربه من إيدك و تعالى اقعدي معايا علشان وحشتيني.

حركت رأسها موافقةً ثم توجهت نحو غلاية المياه الموضوعة فوق السطح حتى تقوم بإعداد الشاي لهما بينما هو أخرج هاتفه وهو يبتسم بخفةٍ ثم قام بتشغيل احدى الأغنيات القديمة للعندليب الأسمر وهو ينظر للسماء حتى اقتربت منه هي تستمع لكلمات الأغنية وهي تقول بنبرةٍ لم تخلو من المرح رغم تعجبها:
عبد الحليم حافظ و شاي بالنعناع و باصص في السما! دي حالة حب جديدة دي ولا إيه.

ابتسم لها وهو يقول مفسرًا: الحب الجديد هو حبك القديم اللي مش مكتوبله يخلص أو أشبع منه يا عبلة، بس أنا كنت جاي و ناوي أصالحك.

جلست بجانبه فبدأت الكلمات وهي: على حسب وداد جَلبي يا أبويا راح أجول للزين سلامات، سلامات، سلامات، على حسب وداد جَلبي يا أبويا، ضيعت عليه العُمر يا أبويا و أنا ليا معاه حكايات، حكايات، حكايات، حكايات، حكايات، على حسب وداد جَلبي يا أبويا، على حسب وداد جَلبي يا أبويا، راح أجول للزين سلامات، ضيعت عليه العُمر يا أبويا، و أنا ليا معاه حكايات، حكايات، حكايات.

موال، موال الصبر أهو داب، من يوم الحب ما غاب و لا عمر يا عين يا ليلي، يا ليلي يا عين، يا ليلي يا عيني، ما اتقرب لينا أحباب، و أنا صابر على المقسوم يمكن يرجعلي في يوم، و أنا صابر على المقسوم يمكن يرجعلي في يوم، و تكونلي معاه تاني يا أبويا أيام حلوة و حكايات، حكايات، حكايات، على حسب وداد جَلبي يا أبويا، على حسب وداد جَلبي يا أبويا.

ابتسمت هي حينما فهمت مقصده من تلك الأغنية و زاد يقينها حينما وجدته ينظر لها بعمقٍ من عينيه التي تشملها بحنانها حتى أخفضت رأسها بخجلٍ منه، فوجدته يقول مبتسمًا متغزلًا بها: أُنّظُرّي فِي وَجهي وَ ألّقي بِدفء عَيْنيكِ عَلّى? قَلّبي السّلامْ، كُونّي طَبيبةً لِجُرّوحي و أمّحي بِ مَحّبَتِكِ الأَلام.

رفعت رأسها وهي تبتسم له فوجدته يغمز لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة: كنت بفكر فيكي و لقيت نفسي بقولها، ليكي، دا علشان تعرفي إن أنا و الغلبان دا ملناش غيرك.

كان يتحدث وهو يشير نحو موضع قلبه، فوجدها تقترب منه تقول هامسةً: و مش هينفع يكون ليك غيري علشان مفيش حد في الدنيا دي كلها هيقبلك زيي يا وليد، خاف مني براحتك و ابعد عني و أمشي و سيبني زي ما أنتَ عاوز، مسيرك أنتَ و قلبك ليا و بترجعلي في الأخر، خلاص اتعلمت منك اللامبالاة و هتعامل معاك بيها لحد ما نشوف من فينا نفسه أطول يا وليد
ابتسم لها وهو يقول ساخرًا: عَلمته الرماية
فلما اشتد ساعده رماني.

وكم علمته نظم القوافي
فلما قال قافية هچانى، يوم ما تتعلمي الهجر هتهجريني؟
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول بنبرةٍ عادية: أنا مبهجرش و مبمشيش بس مستنية منك رد فعل يخليني اتأكد إنك مأمنلي و لحد ما يوصلني رد الفعل دا أنا موجودة دايمًا ليك، علشان متقولش اني هجرتك و تبكي على الأطلال.

رفرف هو بأهدابه عدة مرات فوجدها تبتعد عنه ثم اعتدلت في وقفتها حتى تتركه و بمجرد التفاتها وصلها صوته يقول لها مُقررًا بنبرةٍ ممتزجة العاطفة و اللهفة: مجنون مين اللي يسيب ونيسه في الدنيا دي، و علشان إيه؟
توقفت هي عن السير ثم حانت من رأسها التفاتة بسيطة وهي تقول مؤكدة من خلال اتكاؤها على الحِروف: اديك قولت مجنون مين؟ أخاف توصل للإجابة فيا أنا.

اختفت من أمامه تاركته خلفها يشعر بالتخبط و التعجب و الحيرة، حتى رفع رأسه بيأسٍ ينظر للسماء وهو يفكر في الغد تاركًا أمر عبلة لحين إشعار آخر.

في شقة محمود جلست هدير مع جميلة و طارق و حسن وهي تقول بحماسٍ:
طب هنرحب بيهم إزاي؟ يعني السبوع وقته فات خلاص، و في نفس الوقت دا أول طفل يجي العيلة هنا، هنعمل إيه؟
ردت عليها جميلة بنفس الحماس: بصي هو وليد قالي إنه هيظبط الدنيا و خلود و سلمى زينوا الأوضة اللي في شقة خالو مرتضى بكرة برضه هنشوف عبلة هتعمل إيه.

تدخل حسن يقول ساخرًا: اللي أعرفه إن اللي والدة دي بيجهزوا ليها مُغات، حلبة، شوربة خضار، فرختين تتقاوت بيهم، بلالين إيه دي اللي بتجهزوها يا عيلة مجانين؟
أيده طارق بقوله: معاك حق و الله، أنا مش فاهم جايب 200 بلونة ليه؟ و قال إيه هاتهم أسود في دهبي علشان دا ولد؟ إيه يعني مش فاهم.

ردت عليه هدير مردفةً: ما هو علشان ولد جبناهم أسود في دهبي لو كانت بنت كنا جبناهم أبيض في دهبي، بصوا خليكم في الحلبة و المُغات ملكمش دعوة انتو.

في اليوم التالي و قبل صلاة العصر تفاجأ الجميع بوجود ياسين و الشباب و خديجة و أول من سألهم بتعجبٍ عن الأشياء التي يدخلون بها كان وليد: هو إيه اللي معاكم دا يا رجالة؟ مين الحاجات دي؟
رد عليه عمار مردفًا: جايين نحيي الليلة عقبال فرحك يا رب، قولي العسل هيجي إمتى؟
رد عليه وليد بنبرةٍ تائهة: عسل مين؟ و ليلة مين؟ دي كاميرا خفية يا رجالة؟

رد عليه عامر بمرحٍ: مش المعلم الصغير جاي البيت النهاردة؟ جايين نعمله حفلة استقبال، سلم لينا نفسك بس
تدخل خالد يقول مؤكدًا: أيوا اسمع كلام عامر و عمار و قولنا الكهربا اللي هنا فين علشان نلحق نظبط الدنيا، و ياسر هيجي مع وئام.

ابتسم لهم وليد ثم حرك رأسه موافقًا فوجدهم يبتسمون له وبعد مرور دقائق بدأ العمل على قدمٍ و ساق من الشباب في حالة حماس غريبة منهم و من الفتيات التي وقفت تتابعهم بفرحةٍ كبرى و كانت نتيجة ذلك العمل كالآتي: استطاع الشباب تزيين وَاجهة البيت الخارجية بأضواء الزينة من أول السطح حتى منتصف البيت، و في الداخل تم تزيين الردهة الرخامية بتلك الأضواء حتى أمام البيت أيضًا، أما حسن فذهب و قام بشراء الحلويات و المشروبات الغازية و معها بعض الألعاب الصغيرة، و في الأعلى قامت الفتيات بتزيين البيت بتلك البلالين كترحيبًا منهن يالصغير و أكثرهم حماسًا كانت خلود و سلمى و فجأة رفع ياسين صوته يقول للجميع:.

ياسر بيتصل، وقفوا كل حاجة علشان الصوت، عامر اوعى تشغل اغاني
أومأ له الجميع بموافقةٍ بينما هو استمع لصديقه ثم أغلق معه و هو يقول بنبرةٍ عالية: خمس دقايق و يجوا هنا، اللي بيعمل حاجة يوقفها أو يخلصها بسرعة.

عاد الحماس من جديد لهم وهم ينهون ما بدأوا فعله، و بعد مرور ثوانٍ وقف الجميع في ردهة البيت بينما عمار وقف بجانب مقبس الكهرباء و مع إشارة عامر له ابتسم باتساع ثم قام بتشغيل الكهرباء و من خلالها أنارت الأضواء و معها الأغنيات التي قام عامر بضبطها و قام باختيارها لكنه اخفض الصوت و عند دخول وئام و زوجته رفع الصوت من جديد لتبدأ كلمات الأغنيات المتداخلة وهي: سلام للنونو، أنا الكبير هو الكبير، فلوس و سلاح و سطوة و جيش 3000 غفير.

ارتفعت ضحكات الجميع فوجدوه يشير لهم بالتريث ثم قام بتشغيل المهرجان الشعبي الذي قام بتشغيله في فرحه و كانت بدايته: أمنوا المداخل، البابا داخل
من بعدها بدأت التهنئات و الترحيبات بذلك الفرد الصغير، و بعد جلوسهم في الجزء الخاص بمناسبات العائلة تحدث حسن يقول بنبرةٍ مرحة: ربنا يباركلك فيه يا وئام، بس لو تعرفنا إسمه إيه هنفرح كلنا، هو سر حربي يا عم؟ إسمه إيه الاستاذ؟ عاوز أوزع الحاجة على شرفه.

ضحك عليه الجميع، فتحدث خالد ساخرًا: متدقش يا عم حسن، أنا لحد الاسبوع التالت كنت ناسي اسم ابني و بقوله يا ابن الكلب لحد ما افتكرت إنه يونس
رد عليه عامر ساخرًا: علشان كدا بيطرقعك على وشك، تصدق إنك تستاهل والله
ضحك الجميع عليهما، فقالت هدى بامتنانًا حقيقيًا: شكرًا بجد على كل الحاجات الحلوة دي، أنا قولت هرجع ألاقي البيت ساكت خالص، بس انتو عاملين فرح.

ابتسم لها الجميع، فتحدثت خلود تقول بنبرةٍ مرحة: بصراحة هو إحنا مكناش هنعمل كدا، بس ياسين و أخواته ربنا يكرمهم بقى عملوا حس والله، وجودهم مبهج أوي
ابتسموا لها جميعًا فقالت سلمى بنفس المرح: و الله مجهودهم يحترم شكرًا والله ليهم، رجال المهام الصعبة
في تلك اللحظة و في زاوية أخرى وقف وليد مع عمار يسأله باهتمامٍ: أنتَ كويس؟ حد فكر يجي جنبك تاني بعد اللي حصل؟

رد عليه براحةٍ ظهرت في نبرته: لأ الحمد لله متخافش كل حاجة تمام، حتى أنا أصلًا نسيت اللي حصل و الدنيا مشيت عادي، بس زعلت لما عرفت إن صاحبه دا خاطبها، هتتظلم أوي
رد عليه وليد بلامبالاةٍ: دي ملناش دعوة بيها علشان أحنا مش هنمشي نصلح الكون، و بعدين خليك في نفسك و متشغلش بالك بيهم.

حرك رأسه موافقًا فوجده يقول له بنبرةٍ مؤكدة: الناس حلوين من بعيد يا عمار، زي الصور كل ما تفضل تقرب و تكبر الجودة تقل و الملامح تبهت، هما حلوين بس من بعيد علشان بيعضوا فجأة
سأله عمار بسخريةٍ: أنتَ شوفت إيه منهم يخليك مقلق أوي كدا، كلامك عنهم يخوف، أنا بشوفهم إنهم عادي و إنهم بيحبوا الخير لبعض.

رد عليه وليد بتهكمٍ: هما هيحبولك الخير بصحيح، بس هيزعلوا لما يجيلك، اتعلم تسند نفسك بنفسك علشان لما تقع محدش منهم هيشيلك
ابتسم له عمار فوجده يربت على كتفه وهو يقول مغيرًا للحديث: يلا علشان نشوف السبوع اللي جوة دا، يلا
دخلا سويًا للداخل مرةً أخرى فتحدث وئام يقول بعدما لمحه: طب انتو سألتوني على الإسم، و الحقيقة أنا معرفوش، علشان وليد هو اللي هيسميه مش أنا.

صفق الجميع بمرحٍ بعد جملة وئام أما وليد وقف تائهًا لا يدري ماذا يفعل أمام موقف شقيقه، فوجده يقترب منه بالطفل على ذراعه وهو يقول بعاطفةٍ أخوية: سمي الله، و بعدها سمي ابن أخوك يا وليد، محدش هيسميه غيرك، يرضيك يفضل من غير إسم كدا كتير؟

قال جملته ثم مد يده له بالطفل، فلمعت العبرات في عيني وليد تأثرًا بما يحدث حوله، لكنه استعاد ثباته هو يأخذ الصغير على يده يراقب ملامحه الصغيرة و كفيه المضمومين بشدةٍ، و قبل أن ينطق بالإسم، توجه نحو توأم روحه التي كانت تتابعه بتأثرٍ، حتى توقف أمامها وهو يقول بنبرةٍ هادئة مصطبغة بالعاطفة: أنا مش ناسي لما أنا و أنتِ اتفقنا على أسامي عيالنا، و فاكر لما قولتلك أنا كان نفسي أسمي يكون إيه؟ لو فكراه لسه يبقى نقوله سوا.

ردت عليه هي بتأثرٍ: مفيش حاجة تخصك أنساها يا وليد، طبعًا فكراه و على فكرة لايق عليه أوي
سألتهما هدير بلهفةٍ واضحة: انتو هتذلونا؟ إيه الإسم بسرعة؟
ابتسما كليهما للآخر ثم نطقا معًا في نفس اللحظة بنفس الحماس و المرح و كأنهما طفلين صغيرين: فارس وئام مرتضى فايز أحمد الرشيد.