رواية حواديت رمضانية الفصل الثاني 2 بقلم مريم عثمان

رواية حواديت رمضانية الفصل الثاني 2 بقلم مريم عثمان

رواية حواديت رمضانية الجزء الثاني

رواية حواديت رمضانية البارت الثاني

حواديت رمضانية

رواية حواديت رمضانية الحلقة الثانية

ميلاد القمر
في أعماق الظلام، كان هناك حدث يوشك على الانبلاج. حدثٌ لم يكن يعرفه البشر بعد، ولكنه كان يعدّ في الأفق، ينتظر اللحظة التي يشرق فيها النور ليبدد الظلمات. في تلك الأيام العصيبة، حيث كان الناس يعيشون في ضياع بين خرافات وأصنام، كانت هناك إشارات تنذر بعصر جديد. لم يكن أولئك الذين شهدوا تلك العلامات يعلمون أن التاريخ سيكتب أسمائهم بأحرف من نور، أو أن الكواكب نفسها قد توقفت لتشهد على هذه اللحظة المفصلية.
في قلب الجزيرة العربية، كانت مكة المكرمة تسكنها عيون قد فقدت بصرها بين طيات الوثنية والخرافة. كانت الأصنام تملأ أركان البيت العتيق، والقلوب قد أظلمت، لا تعرف إلا طرق الضلال. كانت الكعبة الشريفة قد أصبحت مجرد حجر مقدس يعبدونه دون إدراك للحقيقة التي تنتظر. لكن، في ذلك الزمان، كان هناك أمل يكاد يكون خفيًّا في السماء، لا يراه إلا القليل، كان هذا الحدث أكثر من مجرد قصة؛ كان إشراقًا للعقول، وتحريرًا للقلوب، ونورًا يبزغ من رحم الظلام. لم يكن يدرك من عايش تلك الحقبة أن التاريخ سيشهد على لحظات تبدو وكأنها تحاك في السماء، لتنزل على الأرض كأقدار مقدرة سلفًا. كان الجهل يعمّ مكة، وتبتلع ظلمات الوثنية كل النور، ولكن هناك شيء كان على وشك الظهور. شيء أكبر من مجرد ميلاد؛ شيء سيغير مجرى تاريخ البشرية.
في مكة، كانت أصوات العبث تتردد في زوايا الطريق، بينما كانت الكعبة، في صمتها المقدس، تتأرجح بين الدنيوية والروحانية. كانت أصنام قريش تملأ الأركان، وتُعبَد من دون أدنى فهم لحقيقتها. كان أهل مكة قد فقدوا الرؤية، إلا أنهم لم يدركوا أن السماء كانت تُرسل لهم إشارات متتالية، تتنزل عليهم من السماء لتهيئهم للمفاجأة التي ستهزّ الأرض من تحت أقدامهم.
في عام 571م، كان هناك حاكم فارسي يظن أن العالم ملك له، فقرر أن يهدم البيت العتيق، ليحلّ محلّه بناءً في مدينة بعيدة، حيث يطلب من العرب أن يوجّهوا وجوههم إليها. فجهّز أبرهة الحبشي جيشًا عرمرمًا، وقرّر أن يركب الفيل ليطأ بهذا الفيل كعبتهم، ولكن ما كان يعلم أن الأرض ذاتها لن تسكت على هذا الظلم، وأن السماء، التي لا يراها إلا المخلصون، كانت تستعد لحدث عظيم. وبينما كان الفيل يسير نحو الكعبة، تحركت الطيور في السماء، تهاجم الجيش بحجارة من سجيل، وكأن كل حجر كان يُنبِّه البشرية إلى أمرٍ عظيم قادم. هذا الفيل، الذي كان في أيديهم أداة دمار، أصبح هو نفسه أداة هلاك. كانت الحجارة التي رمتها الطيور، كما لو أنها تبشّر بحفظ الله لبيته العتيق، وتُنبئ بأن هناك قوة لا تُدركها عقول البشر تراقب كل صغيرة وكبيرة في هذا العالم.
لكن هذه الحادثة لم تكن سوى البداية. فبعدها بساعات، وبينما كانت السماء تزدان بالنجوم، اهتز إيوان كسرى، قصر الفرس المهيب، ليتساقط من سقفه 14 شرفة، في مشهد كان يبدو كأنه زلزال يهزّ أركان الإمبراطورية الفارسية، كما لو أن السماء كانت تقول: “إن سلطانكم قد أضحى وشيك الزوال.” كانت تلك الشرفات، التي تساقطت كأوراق الشجر في فصل الخريف، تُمثل هشاشة تلك القوى الظاهرة التي تدعي السيطرة على مصير البشر. في تلك اللحظات العميقة، كان التاريخ قد بدأ في رسم خطوط جديدة على خارطة العالم.
ولم تكن تلك الحوادث العجيبة لتتوقف عند هذا الحد. في ذلك المساء الذي شهد ميلاد النور، جفّت فجأة نار فارس المقدسة، التي كانت تشتعل منذ ألف عام، وكأنها قد فهمت أنها لم تعد في المكان الصحيح. كانت النار التي ظلّت تضيء ليالي فارس قد اختفت، والسماء، التي كانت تنذر بأن هذا الزمان قد انتهى، كانت تحمل بين خيوطها إشراقة جديدة. كانت هذه النار، التي كان يظن الفرس أنها لا تنطفئ أبدًا، تمثل زوالًا لدينهم وأسطورتهم، وبدايةً لزمان جديد يُهدى فيه النور.
وفي تلك الليلة، جفّت بحيرة ساوة، التي كانت عند الفرس بمثابة المقدس. ولم يعرف أهل فارس أن تلك البحيرة التي اختفت، كانت تمثل تلك المياه المظلمة التي تحجب رؤيتهم عن الحقيقة. فبينما كانت المياه تنحسر، كانت الحقيقة تظهر. كانت هذه الحوادث تُسجّل في أذهان الأجيال القادمة، تلك الإشارات التي لا يراها سوى المتفكرين، أن هذا العالم على وشك أن يشهد حدثًا سيكون له من التأثير ما لا يُدركه العقول في ذلك الزمان.
في السماء، كان هناك نجم جديد يلمع. نجم ينبثق من وسط العتمة، ليضيء دروب الباحثين عن الحقيقة. كان الكهنة، الذين نظروا إلى السماء طويلاً، يعرفون تمامًا أن هذا النجم ليس كأي نجم آخر. كان ذلك النجم إشارة لشيء عظيم. وعندما نظر بحيرا الراهب، كان يعلم أن هذه الإشارة هي بداية النهاية للظلام، وبداية العهد الجديد. كان هذا النجم علامة مميزة، كأن السماء تعلن أن الزمان قد حان.
وفي قلب مكة، كانت تلك الإشراقات تتوالى، تَتَسَابُق كأمواج البحر، تُمهّد الطريق لظهور النور الذي كان سيسطع على الأرض. فبينما كانت مكة تغرق في بحر من الخرافات والجهل، كانت إرهاصات النبوة تتجلى. كان الضوء ينساب من قلب الظلام، ليظهر على وجه الأرض في صورة مولود صغير، لم يعرف أحد حينها أن هذا الطفل سيكون نقطة التحول في مسار تاريخ البشرية. لم يكن ذلك النور سوى بداية لرحلة عميقة في قلب الزمن.
وفي تلك اللحظة، كان الكون يتنفس أنفاسًا جديدة، وكأن الزمان قد توقف ليشاهد ميلاد حدث عظيم سيُسطر في صفحات القدر، ويهز أركان الأرض. كان المولود المنتظر على وشك أن ينير ظلمات العالم بقدمه الصغيرة. وفي كل تفاصيل تلك اللحظة، كان الشوق يملأ القلوب، والقلوب تمتلئ بانتظار ما سيحمله هذا المولود من معجزات وأسرار لا تدركها العقول بعد.
كانت مكة، التي ظلت غارقة في سحب الجهل والخرافات، تنتظر الساكن في أحشائها. أما النجم الذي أضاء السماء منذ لحظة الولادة، فكان يرفرف بأضوائه على تلك الأرض التي تكاد تلهث وراء الفجر. كان هذا النجم أكثر من مجرد شعاع ضوء، كان رسالة عظيمة، موجهة للذين أمعنوا في الغفلة، لأصحاب القلوب المظلمة الذين لم يدركوا بعد أن الظلام لا يدوم، وأن النور قادم لا محالة.
ولكن في صمت الليل، بينما كانت مكة تسبح في ظلامها العميق، انطلقت من الأرض الأصوات التي ستغير مصير العالم. كانت أقدام هذا المولود الصغير، الذي لم يكن يعلم بعد أنه سيكون المخلص للبشرية، على وشك أن تخطو أولى خطواته على درب التاريخ. لم يكن ذلك المولود سوى إشراقة النور التي ستضيء الطريق للبشرية جمعاء. وفي تلك اللحظات، كان القدر يعكف على كتابة التاريخ بنبضات قلبه، وكل نبضة كانت تهمس للعالم: “لقد جاء من سيغير كل شيء.”
كان عبد الله بن عبد المطلب، شابًا في مقتبل العمر، مليئًا بالحيوية والنشاط، والوجه المشرق الذي يشع ببهاء الشباب، يسرح في عيون من يراه. كان من أسرة قريشية عريقة، يتنسم هواء مكة بكل فخر واعتزاز، وكأن الحياة نفسها لا تملكه، بل هو الذي يمتلكها. كان معروفًا بجماله الفتان، وقدرته على كسب قلوب الناس بحديثه العذب، وبشاشته التي لا تفارق وجهه. لم يكن مجرد شاب عادي، بل كان يتمتع بمقام رفيع بين قومه، وجاذبية تثير الإعجاب والدهشة في آن واحد.
لكن لم يكن جمال عبد الله هو ما جعل قريش تنحني أمامه، بل كان أخلاقه ونسبه الكريم، التي حملت من عراقة قريش ومجدها ما جعل منه رمزًا للرجولة والشجاعة. وهكذا أصبح محبوبًا بين الناس، ليس فقط بفضل جماله، بل أيضاً لطبعه الذي يميل إلى الرحمة والصدق، الذي كان بعيدًا عن الرياء والتفاخر.
وفي تلك الأيام، كان قلب عبد الله ينبض بحب صادق لآمنة بنت وهب، الشابة التي كانت أجمل نساء مكة، التي تميزت بمكانتها الرفيعة وأخلاقها الطاهرة. كانت آمنة أشبه بالزهرة النادرة، التي تتفتح في صحراء مكة القاحلة، جذابةً بعينين لامعتين من الطيبة، لا ترى في الدنيا إلا المساعدة والإحسان. لم يكن عبد الله يرى في الدنيا شيئًا أكثر جمالاً من تلك الفتاة، التي كانت محط أنظار الرجال، لكن قلبها كان قد اختار عبد الله ليكون رفيقًا لرحلة العمر.
تزوجا في صمتٍ هادئ، وكأن الزمان نفسه قد وقف احترامًا لهذا الاتحاد الذي سيُفضي إلى أعظم حدث في تاريخ البشرية. كان الجميع في مكة يعلم أن هذا الزواج المبارك سيكون له أثر عظيم، لكنهم لم يدركوا بعد ما الذي سيأتي منه. كان عبد الله وآمنة كزوجين مثاليين، يسيران معًا في درب الحياة بحب وتفاهم، وكان عبد الله في قلبه يحدوه حلمٌ بعيد، حلمٌ لم يكن يعلم أنه سيقوده إلى مكانة تتجاوز حدود مكة، بل ستصل إلى أرجاء العالم بأسره.
ثم جاء اليوم الذي ارتحل فيه عبد الله بعيدًا عن مكة في رحلة تجارية إلى الشام. كانت الرحلة طويلة ومرهقة، وكان عبد الله يحمل في قلبه حزنًا لم يعهده من قبل. كان يعلم أنه سيغيب عن آمنة لفترة طويلة، لكن قلبه كان مطمئنًا إلى أن عينيه ستلتقيان بها مرة أخرى، وأنه سيعود ليكون بجانبها مرة أخرى كما كان.
لكن الله كانت له خطة أكبر مما يمكن لعبد الله أن يدركه. ففي طريق العودة من الشام، سقطت قدماه في أرض يثرب، ليواجه مصيره المحتوم. في تلك الأرض الغريبة، توفي عبد الله تاركًا وراءه قلبًا محطَّمًا في مكة، وامرأة شابة تدعى آمنة، يحيطها الحزن والتساؤل عن غيابه المفاجئ.
كانت آمنة، التي كانت في بطنها تحمل الأمل والحلم العظيم، تنتظر رجوع عبد الله ليخبرها عن مغامراته في الشام، ولكنها لم تكن تعلم أن قدَرها كان قد حُكم عليه أن يمضي في طريق آخر، طريق كان قد بدأه عبد الله ولكنها هي من ستكمل رحلته.
مرت الأيام بعد وفاته، وآمنة كانت تغرق في آلام الحزن والفقد، لكن هناك شيئًا غريبًا كان يحدث. لم يكن الحزن وحده هو الذي يملأ قلبها، بل كان هناك شعور غريب بالسلام والطمأنينة في قلبها. وفي ليلة هادئة، رأت آمنة في منامها نورًا يخرج من جوفها، يسطع في السماء ليمتد حتى يضيء قصور الشام. كان ذلك النور يتراقص في الأفق، كأن العالم بأسره يتأهب لاستقبال نورٍ جديدٍ، نور سيكون بداية لعصر جديد. لم تكن آمنة تدرك تمامًا ما كان ذلك، لكنها شعرت في أعماقها أنه شيء عظيم، وأن مولودها المنتظر سيكون أعظم من كل شيء.
وكأن السماء كانت تتنفس من جديد، ومع النور الذي انبثق في الحلم، انتشرت الأنباء بين بعض العرافين والكهنة. رأى بعضهم نجمًا جديدًا في السماء، يضيء في اللحظة نفسها التي رأت فيها آمنة نورها، وكانت تلك هي بشارة لا تُخطئها العين. همس بعضهم بأن نجمًا قد ظهر في السماء، نجم ليس ككل النجوم، نجم سيتبعه آخر الزمان، نجم يُعلن عن ولادة آخر الأنبياء، نجم سيتبعه نور يُنير العالم بأسره.
قال بعضهم إن هذا النجم كان هو بشارة الأكوان بمولد النبي ﷺ، ذلك النبي الذي كان القدر قد اختاره ليحمل رسالة السماء. أما آمنة، فقد كانت تهمس في قلبها بكلمات لم تدرك مغزاها تمامًا، لكنها كانت تشعر في أعماقها أن هذا النور الذي خرج منها كان بداية لرحلة غير تقليدية، رحلة ستمضي بها إلى مكان لم تستطع أن تتخيله بعد.
لم تكن آمنة تعلم حينذاك أن لحظة ولادة محمد ﷺ ستكون أعمق من أن تُدركها كلمات البشر. وفي تلك الليلة التي خيم عليها السكون، لم تكن النجوم وحدها تضيء السماء، بل كان النور الذي حلمت به آمنة قد بدأ يتراءى أمام عينيها. كان الألم يزداد في بطنها، ولكن في قلبها، كان النور الذي رأته في منامها يضيء لها الطريق. لم يكن الألم كما في الولادات المعتادة؛ بل كان أشبه بتلك اللحظات التي تأتي فيها الروح لتولد من جديد، لحظات تفتح فيها أبواب السماء وتتلاقى مع الأرض.
بينما كانت آمنة ترقب آلامها، كان البيت يعج بالحيرة والقلق. كانت نساء مكة يتجمهرن حولها، لكن هنالك شيئًا ما في الهواء، كان يشير إلى أن شيئًا غير مألوف قد وقع. وفجأة، وفي تلك اللحظة المهيبة التي تكاد تتوقف فيها دقات قلب الزمان، صرخ الطفل.
لقد كان صوت الصرخة الذي انطلق من فم محمد ﷺ في تلك اللحظة، صرخة تبعث الأمل في قلوب الناس وتُعلن عن قدوم النور الذي سيغير مصير الأمة. ولم يكن ذلك الصوت مجرد صرخة طفل، بل كان بمثابة نغمة موسيقية تتردد في أرجاء الكون كله، تدعو كل قلب غارق في الظلام إلى الاستيقاظ. وعلى الرغم من أن آمنة كانت في أشد لحظات الألم، إلا أن قلبها شعَر بالسلام حين سمعته يصرخ، كأنما الجراح التي كانت تعصف بها قد تحولت إلى رياح عذبة تهب على وجهها، وتدعوها للاحتفال بنجاح مهمتها.
فور ولادته ﷺ، تجمعت أضواء السماء حوله، وكأن العالم بأسره قد تجمّد، فابتسمت مكة في تلك اللحظة وكأنها قد شهدت فصلًا جديدًا في تاريخها. كانت آمنة قد أنجبت النور الذي طالما بشر به الكهان، النور الذي كانت السماء تترقبه. وكل من كان في الجوار علم أن هذه اللحظة هي لحظة فريدة لا تتكرر، وأن السماء كانت قد اتخذت من محمد ﷺ رسولًا لها، واختارته ليحمل نورها.
لقد مرّت ساعات الولادة كما لو كانت أحداثًا تتسابق على بعضها البعض. وفيما كانت آمنة تستلقي على فراشها، احتضنت طفلها واحتفل به قلبها، شعرت بحالة غير مألوفة تملأ المكان. كانت الكلمات التي تتحدث بها النسوة حولها تتلاشى في أذنيها، والحديث عن ولادة طفلٍ جديد كان يشغل الجميع، إلا أن شيئًا واحدًا كان يمر في ذهن آمنة: «ماذا سيحدث لهذا المولود؟». تلك الأسئلة التي كانت تدور في قلبها كانت عميقة وغامضة، وكأنها كانت تدرك شيئًا لم تفهمه بعد.
وفجأة، حدث شيء غريب. فقد بدت ملامح الطفل التي لم تكتمل بعد وكأنها تحمل شيئًا غير عادي. كان وجهه يتوهج بنور لا يشبه أي نور سبق أن رآه الناس من قبل. لم يكن النور الذي ينبعث منه فحسب، بل كان أيضًا سكونٌ من نوع آخر يعم المكان، وكأن العالم كله كان يتوقف ليبني له مكانًا خاصًا.
وُلد النبي ﷺ ليكون في كامل الطهر والنقاء، وفي تلك اللحظات التي لا يصدقها عقل، كانت عيناه تلمعان بتلك النظرة التي توحي بحكمة عميقة. لم يكن الأمر مجرد ولادة طفل، بل كان بداية انبثاق نور هائل، لا يمكن تفسيره بالكلمات. سمع الجميع في تلك اللحظة التي أضاء فيها الكون صوتًا غير مُعتاد: “لقد وُلد النبي ﷺ، وها هو النور يتجسد بين أيدينا”. كان هذا الصوت غير الصوت، إشعارٌ من السماء أن هذا المولود هو الفجر الذي سيشرق في الأرض كلها.
ما أن مرَّت لحظات الولادة، حتى بدأت مكة تشهد إشارات أخرى تُنبئ ببشائر عظيمة، تلك الإشارات التي تنبأت بها الكهان والعرافين قبل سنوات، وكانوا يتحدثون عنها على استحياء. قال بعضهم إن نجمًا ساطعًا قد ظهر في السماء ليلة ولادة هذا الطفل، وهو النجم الذي رآه من كانوا يتطلعون إلى السماء بحثًا عن العلامات الكبرى.
قالوا أيضًا إن البحر قد تغير لونه في تلك اللحظات، وإن الطيور في السماء كانت تطير بشكلٍ غريب، وكأنها تُعلن عن قدوم ملك جديد. توافدت بعض الأخبار إلى مكة بأن هناك زلازلًا قد حدثت في أماكن نائية، لكن الناس في مكة لم يفهموا بعد دلالات تلك الحوادث العجيبة.
وكان بعض الحجاج الذين قدموا إلى مكة في تلك الفترة قد سمعوا عن ظهور نجم في السماء، فسألوا القوافل عن معاني تلك الظواهر العجيبة، وحينما سمعوا عن ولادة محمد ﷺ، أدركوا أن هذه هي اللحظة التي طالما انتظروها.
وفي صباح اليوم التالي، كان الهواء في مكة قد تغيّر. لم يكن هناك ريح، بل كانت الأرض قد بدأت تبعث بعبير جديد، عبير لا يشبه ما عرفته مكة من قبل. جميع الأعين كانت تتجه صوب بيت آمنة، حيث كانت الحياة قد بدأت من جديد. لم يكن هناك شك في أن النور الذي أشرق في السماء هو إشعار بعهد جديد قادم.
وهكذا وُلد محمد ﷺ في مكة، حاملاً في جوفه رسالة عظيمة لم يولد مثلها من قبل. ورسالة فاقت جميع التوقعات، رسالة ستغزو الأرض وتملأ الأرجاء أنوارًا من الهداية، ليظل هذا اليوم مُخلَّدًا في قلوب البشر على مر الأزمان.
آمنة، تلك المرأة الطيبة، العفيفة، التي ولدت النبي ﷺ في وقت كان فيه الرجال يقاتلون من أجل السلطة والمال، كانت هي الحامية لهذا النور اللامع، ودرعًا تحميه من كل مكروه. ولدت محمدًا ﷺ في ظروفٍ استثنائية، وفي قلبها إيمان لا يتزعزع بأنه سيحمل رسالة عظيمة. ولعل تلك الرؤى التي كانت تراها في نومها كانت هي الميزة الأولى لتلك الأم التي كانت تحمِل في قلبها إيمانًا عميقًا برسالة ابنها، حتى وإن لم تكن تَعرف شكل تلك الرسالة أو كيف ستتطور.
كان محمَّد ﷺ، كما قيل، أشبه ما يكون بالصورة المضيئة التي تهتدي بها البشرية، وكان يربط بين السماء والأرض بطريقة عجيبة، بحيث كان كل من حوله يشعرون بذلك الطهر العظيم الذي كان ينبعث من محياه.
كان محمد ﷺ ليس فقط نبيًا مرسلًا، بل كان في نسله سلسلة من الأبطال والعظماء الذين ساروا على درب الحق، وحملوا في جينات دمائهم أسمى القيم وأرفع الأخلاق. ولدت النبوة في هذا النسب الطاهر، وتدرّجت عبر قرونٍ طويلة، تَسَلَّمَ فيها كل واحد من نسل عبد الله بن عبد المطلب رسالة الرسالة، حتى جاء محمد ﷺ ليكون المرسل الأخير.
إذا تتبعنا جذور نسب محمد ﷺ، نجد أن آباءه كانوا شرفاء في قومهم، شهد لهم التاريخ بحسن الخلق وقوة القلب وصدق اللسان. كان عبد الله بن عبد المطلب هو الحلقة الأقوى في سلسلة هذا النسب الذي امتد لقرون عديدة، فإذا قرأنا سطور تاريخ العرب وقبائلهم، نجد أن نسل محمد ﷺ يمتد من أعلى وأطهر سلالة عربية يمكن للإنسان أن يفتخر بها.
أول أسلافه الذين نقف عندهم ببهاء وشرف هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، ابن النبي الذي نجَّاه الله من نار نمرود ليكون أبًا لشعب عظيم. وُلِد إسماعيل في صحراء مكة، وفي هذا المكان الطاهر كان نزول الوحي وتحديد مكان الكعبة، ليحمل في ذريته هذا النور الذي ظل يتنقل من جيل إلى جيل.
كان إسماعيل هو أول من سكن مكة من ذريّة إبراهيم عليه السلام، حيث أمره الله مع والدته هاجر بالاستقرار في تلك الأرض القاحلة التي لم يكن فيها سوى الرمال الجرداء. ولكن الله أراد أن يجعل من تلك الأرض الغريبة مركزًا لنور هداية البشر. فكانت مكة عند قدم إسماعيل بن إبراهيم، هي المهد الذي نشأ فيه الإسلام، وبهذا أصبحت مكة معقلًا للروحانيات، ومهبطًا للأنبياء.
تدور الأيام، ويتوالى الزمان، وتتسلسل الأجيال، حتى ينتهي بنا المطاف في عبد الله بن عبد المطلب. في قلب مكة، كان عبد الله يمثل شباب قريش في ذروته، شابًا ذا وسامة وجمالٍ فائق، يحمل من الشرف ما لا يُعدّ ولا يُحصى، وكان محبوبًا بين الناس. وكان كما قيل في الأثر: “أفضلهم نسبًا وأسمى في خلقه، سيرة وحسًا”. فكان كما يبدو بريق النجوم، ساطعًا في سماء مكة، ذاع صيته بين القبائل بما حازه من الكرم والشجاعة والمروءة.
إلا أن محن الحياة شاءت أن ينفصل عن زوجته آمنة بن وهب، بعدما أنجب منها محمدًا ﷺ، وتوفي في تلك الرحلة التي سار فيها في تجارة إلى الشام. لم يكن يعلم عبد الله حينما رحل عن الدنيا أنه يترك وراءه النور الذي سيضيء الأرض بأسرها.
كان والد النبي ﷺ، عبد الله بن عبد المطلب، من أسرة عظيمة نبيلة. كانت قريش تحتفل بنسبه ويفتخرون بكونه من أسيادهم. إذ كان عبد المطلب بن هاشم، والد عبد الله، هو الذي أعاد إلى قريش شرفًا كبيرًا، فأصبح سيدًا بينهم، وهو الذي أسس حضارة مكة وأصبحت قريش بفضل حكمته وحنكته من أقوى قبائل العرب.
أما إذا عدنا إلى نسب النبي ﷺ، فتسلسل الأجيال يبهر العقول، فهو يمتد من عبد الله بن عبد المطلب، مرورًا بجده هاشم بن عبد مناف، الذي كان أحد أعيان قريش، والذي كان له دور عظيم في جمع شمل القبيلة وتوحيد صفوفها. وهو ابن عبد مناف بن قصي، الذي كانت له مكانة كبيرة في مكة. وقصي بن كلاب كان هو من أسس الشرف في قريش، ووضعهم في مركز عظيم من الزعامة.
وتستمر السلسلة، حتى نصل إلى إلياس بن مضر، الذي يعتبر من أسلاف النبي ﷺ وأحد أساطير العرب في الشرف والنبل. ثم يتواصل النسب حتى نصل إلى عدنان، الذي يُقال أن نسب النبي ﷺ يتصل به. ومن عدنان يتجه النسب نحو إبراهيم عليه السلام، الذي أصبح أبًا للأنبياء، والذي وضع حجر الأساس لأمة عظيمة تخرج من صلبه.
نعود الآن إلى الوراء في سلسلتنا النسبية، لنرى أن عبد الله كان أحد أبناء عبد المطلب بن هاشم، الذي كان سيد قريش وأحد أبرز رجالها في زمانه. وعبد المطلب بن هاشم هو أحد أبناء هاشم بن عبد مناف، الذي كان ذا هيبة عظيمة في مكة، ثم هو ابن عبد مناف الذي سُمي على اسم جده قصي بن كلاب، الذي كان يعدّ من أئمة قريش العظماء وأجداد مكة، وكان له من مكانة عالية في قومه.
وقد قيل في قصي بن كلاب أنه كان من أساطير قريش في شرف النسب وقيادة الناس، وهو الذي أسس حكم قريش كما ذكرنا وأصبح إمامًا لهم. وقصي كان من نسل كعب بن لؤي، الذي كان هو الآخر له أتباعه ومنزلته في قريش. وتعود سلسلة نسب محمد ﷺ في النهاية إلى إلياس بن مضر، ثم إلى نبته بن عدنان، ومنه نصل إلى إبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء، الذي كان النور الأول الذي انبثق منه هذا النسل الطاهر.
ومن إبراهيم عليه السلام، تسلسلت رسالة الله سبحانه وتعالى عبر الأجيال، من إسماعيل بن إبراهيم، الذي كان النبي الوارث لهذه الرسالة في نسل آخر الزمان، إلى محمد ﷺ الذي كان خاتم الأنبياء.
لقد كان إبراهيم عليه السلام هو الطيّب الذي زرع بذور النبوة في ذريته، حينما رفع بيديه الكريمتين قواعد الكعبة، وقال ما قال عن ذلك البناء الذي سيكون مصدر الهداية لجميع الأمم. كان إبراهيم عليه السلام يُشرف على بنائه بإلهامٍ من السماء، وفي قلبه يقين كامل بأن هذا البيت سيكون مَجْمعًا للناس كافة. وفي تلك اللحظة التي تَأَمَّل فيها إبراهيم مكّةً، كان يُدرك أن هذا المكان سيكون مهدًا للرسالات السماوية.
ثم جاء إسماعيل، وأخذ من أبيه صفاته الطيبة، وصبره، وقوته، وكان أحد أنبل الأنبياء الذين ذُكروا في القرآن الكريم، حتى جاء من نسله هذا النبي الكريم، محمد ﷺ وفي سلسلة نسب محمد ﷺ، نجد أنه ليس مجرد نسَبٍ عادي، بل هو نسب اختارته السماء، وطهرته يد الله عز وجل، فقد كان هذا النسب هو الرفيع بين جميع الناس، الذي اجتمع فيه طهر القلوب، وصدق الأفعال، وصبر الأنبياء. كان هذا النسب الكريم مُؤَهَّلًا لحمل أمانة الوحي، وبذلك لم يكن محمد ﷺ مجرد ابن عبد الله بن عبد المطلب، بل كان هو الابن الذي اختاره الله من بين عباد الأرض ليحمل رسالته.
وها هي سلسلة النسب الطاهر تمتد عبر الأزمان، تنساب من إبراهيم عليه السلام إلى محمد ﷺ، الحامل للرسالة التي ستستمر حتى يوم القيامة، ويتوالى ذلك النور عبر الأجيال.
تتسلسل الأقدار في سلاسة، ويشهد الزمان كيف أن السلالة الطاهرة، الممتدة من إبراهيم عليه السلام، تَحْمِل في طياتها نور النبوة الذي سيبدد ظلمات الأرض، ويهدي البشرية إلى الحق. من مكة التي كانت قِبلة الأمل، إلى المدينة المنورة التي ستصبح مركزًا للسلام، كانت رحلة النسب الكريم التي قادها الله بيديه، بلطف ورؤية إلهية، حتّى وصلنا إلى محمد ﷺ، الذي كان الفجر الذي أضاء الدنيا من مكّة.
إبن الذبيحيين قصة الذبيحين، كما رُويت في كتب السماوات، ليست مجرد سردٍ تقليدي، بل هي إشاراتٌ ذات معنى عميق ورمزية متجددة، تتشابك فيها خيوط القدر بين الإيمان والطاعة والتضحية. وفي قلب هذه القصة، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ يختزل فيه الله جل جلاله فصولًا من الرحمة والابتلاء.
في قلب تلك الحكاية الأولى، كان إبراهيم عليه السلام، الذي ابتلاه الله عز وجل برؤيا ثلاث مرات، يرى نفسه يذبح أحب الناس إليه، ابنه إسماعيل. كانت تلك الرؤيا التي لا تميز بين الحقيقة والوهم، لا تقبل التأجيل ولا الجحود. ذهب إبراهيم إلى إسماعيل، لم يكن هناك مكانٌ للهروب، ولا أفقٌ للرفض. في كلماته الطاهرة التي حفرت في الأجيال، أخذ إبراهيم ابنًا كان في ريعان شبابه، وقال له بلغة الأبوة التي تدمع لها العيون: “يا بني، إني أرى في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى”.
رد إسماعيل، ذاك الفتى الذي لم يتأخر عن طاعة ربه، ليجيب بأمانةٍ لا مثيل لها قائلاً: “يا أبتِ، افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين”. وهكذا تحركا معًا في سبيل امتحانٍ عظيم، عابرٍ للزمان والمكان. وصل إبراهيم بابنه إلى مكان الذبح، حيث الجبال الشاهقة، وسطح الأرض الذي لم يكن سوى لحظة اختبار لم يكن مشهد الذبح هو نهاية القصة، بل كان اختبارًا لله عز وجل، حيث أبى الفداء إلا أن يكون أسمى من أن يكون فداء بشرٍ لبشر، فكانت الرحمة الإلهية كما قدرها الله، حيث جاء الكبش العظيم من السماء ليكون فداءً لهذا الفتى المؤمن.
لكن الله، الذي لا يخيب رجاء عباده المخلصين، تدخل برحمته، حيث جاءت الفدية من السماء، كبش عظيم يعوض الذبح البشري، في حدثٍ جلل خلدته السماء وأصبح سنة للأمة في كل عام.
بعيدًا عن سماواتٍ أخرى، في أرض مكة، وفي مكان آخر، كان عبد المطلب جد النبي محمد ﷺ، ، قد نذر لله نذرًا غريبًا، في زمنٍ كان القحط يضرب الأرض. “إن رزقني الله عشرة أبناء”، قال في نذرٍ صادقٍ، “لأذبحن أحدهم قربانًا لله”.فقج كات يعاني من قلة الأبناء، فنذر لله إن رزقه الله بعشرة أبناء وأعانوه في بناء زمزم، ليذبحن أحدهم قربانًا لله. وهكذا منحت السماء عبد المطلب عشرة أبناء، كان أصغرهم وأحبهم إليه هو عبد الله.
بعد سنوات، كانت نعم الله تتجلى، فتبارك عبد المطلب بعشرة أبناء، وكان عبد الله هو الأثير عند قلبه وعندما بلغ الأبناء مبلغ الرجولة، جاء الوقت ليصدق عبد المطلب نذره، فجمع أبناءه وأجرى القرعة على الكعبة لاختيار من سيضحي به ، لتخرج سهامها ويقع الخيار على عبد الله، الابن الأصغر، الأوحد الذي حبه يملأ الأرض.فصار القرار صعبًا، كيف يمكن أن يضحي بأبنه؟ اشتد الجدل بين قريش، ولكن عبد المطلب لم يتردد، بل ذهب ليشاور الكاهنة، التي نصحته بأن يزيد من فدية عبد الله بالإبل، حتى يرضي الله.
وما كان إلا أن بدأ عبد المطلب يضع القرعة مرة تلو الأخرى، ولكن لم يكن الفداء سهلًا، ففي المرة الأولى، أخرج السهم لعبد الله. فزاد العدد إلى عشرين، ثم ثلاثين، حتى بلغ الرقم المئة، وفي النهاية جاء الفداء من الإبل بمئة وتقبل الله عمل عبد المطلب ، ففاضت الرحمة، وانتهت القصة بفداء عبد الله بتلك الإبل، ليصبح هذا الحدث بداية لدية الإنسان في الإسلام، مئة من الإبل.
كل من هذين الحدثين له مغزى عميق، فلا يعقل أن يكون ابن الزبيحين مجرد لقب يُطلق على شخص. كان النبي محمد ﷺ، كما قاله العرب، “ابن الذبيحين” لأن في قلبه تجسد من جميع ألوان العظمة. فقد نجا إسماعيل من الذبح ليكون جد النبي، بينما نجا عبد الله ليكون والد النبي.
في كلا الحدثين، كانت السماء تمتحن إرادة البشر، وفي كلا الحدثين كانت الاستجابة تسعى نحو إرضاء الخالق، متحلقة في رحمةٍ عظيمة، فلا يذبح الابن ولا الأب. بل يأتي الفداء، حتى لا تكون النار سوى شعلة تحرق قلوبنا في تذكّر السكينة في الظلمات.
ومع مرور الزمن، كانت هذه الحكايات تُقال على لسان العرب، ليُذكروا بأن النبي محمد ﷺ هو “ابن الذبيحين”، الذي نجا من فداءهما: إسماعيل الذي أصبح جدًا له، وعبد الله الذي أصبح والدًا له. وفي ذلك تجسد معاني الإيمان بالله والقدرة الإلهية على الفداء، كما تجسد الحكمة التي تبني قلوب البشر على الطاعة والتضحية في سبيل الله.
وهكذا بدأت بشائره قبل ولادة فمنذ أن أضاء نوره ﷺ، بدا كما لو أن الله قد جمع في جسده المبارك إرث الفداء والتضحية، ليكون هو النبي الذي جمع بين أحضان الإيمان وقلوب المسلمين. وكلما سُئل عن نسبه، قال: “أنا ابن الذبيحين”، في إشارة إلى تلك اللحظات الفاصلة في تاريخ أمةٍ عظيمة، أمة كان النبي محمد ﷺ هو من أتى ليكمل مسيرتها، وليكون له الفضل الأكبر في هداية البشر.
تظل هذه القصص، وكأنها جواهر تلمع في أعماق التاريخ، تشهد على كيف يمكن للإنسان أن يضحي ويُفدي، وكيف يمكن لهذه التضحية أن تُكتب في سجلات العظمة والقدرة الإلهية.

يتبع…….

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية حواديت رمضانية)