رواية عذرا لكبريائي للكاتبة أنستازيا الفصل الثالث والخمسون
شارلوت: ما هذا.
يوجد شيء مزعج يتحرك دون توقف على جبيني!
ولكن.
لطيف إلى حد ما!
تقلّبت في مكاني ورفعت الغطاء الناعم على وجهي لأشعر مجدداً بالتضايق من شيء فوقي، تحديداً على معدتي. ثم فوق صدري! ما الذي يحدث؟!
ابعدت الغطاء ببطء، حاولت فتح عيناي ولكنني شعرت بالتثاقل والكسل الشديد، حاولت مراراً حتى تمكنت من فتحهما لأواجه أمامي مباشرة عينان واسعتان تحدقان إلي! انتفضت فزعة في حين أصدرت صوت المواء وهي تبتعد قليلاً.
تنهدت براحة ورسمت ابتسامة أنظر إليها للحظة وقد استوعبت أمر وجودي في منزل العجوز هيذر، يا الهي. لا أدري كيف غطيت في نوم عميق دون أن أشعر!
أعتقد أنني نمت هرباً من واقع ما حدث بيني وبين كريس ولم أمانع إطباق جفناي بقوة.
اعتدلت لأسند جسدي على مرفقي ونظرت من حولي، هدوء تام ولا شيء أكثر من هذا.
عدى من صوت جرس القطة التي عاودت تصعد فوقي تلمس بأطرافها الفراش وتشده.
جلست باحثة من حولي بعيناي ثم ابعدت شعري عن وجهي وازحت الغطاء بعيداً.
منذ متى وأنا نائمة يا ترى!
كان السؤال الوحيد الذي تبادر إلى ذهني عندما رأيت العجوز هيذر قادمة نحوي وعلى محياها ابتسامة لطيفة: ها قد استيقظت، أخشى ان لوسي قد ازعجتكِ؟
نفيت بإحراج: لا أدري كيف نمت فجأة! لم أخطط لهذا حقاً.
وما المشكلة في ذلك!
جدتي هيذر، هل رأيتِ هاتفي؟
أومأت وهي تشير إلى الطاولة الموجود فوقها طبق كعك الليمون والبسكويت المُغطى بغطاء بلاستيكي شفاف، لمحت هاتفي بجانب الطبق فتناولته لأنظر إلى الساعة بفضول.
ولكنني سرعان ما شهقت مجفلة أرفع يدي نحو فاهي واتسعت عيناي متسائلة: كيف نمت هذا الوقت كله!
تقدمت بأسى وقالت بصوتها المبحوح: لقد بدوت تغطين في نوم عميق ولم أرد إزعاجك، بالمناسبة هاتفك لم يتوقف عن الرنين.
نظرت إلى الشاشة مجدداً وحينها وجدت عشرات المكالمات الفائتة، من جينيفر وستيف وكذلك سام!
يا الهي. من الطبيعي أن يقلقواً! إنها تشير إلى الخامسة والنصف، هذا يعني أنني نائمة منذ قبل وقت الظهيرة وحتى الآن بشكل متواصل!
أسرعت دون تفكير أتصل برقم جينيفر ونظرت لهيذر لأبتسم لها: أرجو المعذرة سأجري مكالمة سريعة.
قلتها وانا اقف مبتعدة عن الأريكة لأقف في زاوية غرفة الجلوس بشيء من التوتر، انتظرت ثواني فقط حتى أتى صوتها: شارلوت! وأخيراً. لقد قلقت حد الموت لماذا تتجاهلين اتصالاتي ورسائلي! خفت أن أمراً ما حدث لكِ أو لكريس، هل كل شيء على ما يرام؟ أين أنتِ الآن؟ ألا زلت في منزله حتى الآن؟! اخبرني ستيف أنكِ لم تعودي للمنزل و.
قاطعتها مهدئة: لا لست في منزل كريس، ولكن. حسنا لا أدري كيف أشرح هذا ولكن دعينا من هذا الآن، المهم أنني أردت طمأنتكِ فقط، سأعاود الإتصال بكِ بعد قليل. إلى اللقاء.
قلتها مختصر الأمر وبدت ستقول شيئاً ولكنني أغلقت الهاتف ونظرت لهيذر بسرعة بخجل رغماً عني، لقد أطلت النوم في منزل هذه المرأة فما عساني أشعر سوى بالحرج منها!
بدت وكأنها استنبطت ما أمر فيه فضحكت بخفوت: توقفي عن المبالغة هكذا! كنتُ أعد العشاء على أي حال ولم أشعر بالوقت أنا أيضاً.
أردفت بصوت جاد وعينان تلمعان بالإهتمام: شارلوت، إلى أي مدى أنتِ تعيسة وحزينة!
ارتفع حاجباي بحيرة: هاه؟
اقتربت حتى وصلت إلى ووقفت أمامي مباشرة لتمسك بيدي اليمنى بكلتا يديها، أحاطني دفء لطيف وغريب لمجرد حركتها هذه وقد قالت وفي صوتها جزع و قلق: لم تتوقفي عن الحديث أثناء نومكِ، بدوتِ تحاولين قول أمور كثيرة وكأنك تتحدثين مع شخص ما! لقد ذكرتِ اسم زوجك بضع مرات.!
فغرت فاهي بعدم تصديق: أنا؟! و. ولكنني.
لا بد وأن موضوع زوجك يضايقك كثيراً، لا يمكنني لومك يا ابنتي، ولكن توقفي عن الضغط على نفسك إنها أسوأ طريقة ممكنة للهرب من الهموم.
زميت شفتاي بلا حيلة ونظرت إليها بصمت.
هكذا إذاً.
لم أتوقف عن مناداة كريس حتى أثناء نومي.
أخشى أن هذا ما أفعله أيضاً عندما أكون في المشفى برفقة جيمي ليلاً!
ليس في يدي حيلة. لم أعد أعلم ما على فعله. كل ما أعرفه أن شعور غريب انتابني قبل نومي وحتى الآن، شعور كما لو كنت قد بكيت لأيام متواصلة ثم خارت قواي ولا طاقة لدي للحديث أو حتى للتحرك.
اعتلت شفتاي ابتسامة لطيفة: معكِ حق، لا يجب أن أضغط نفسي أكثر.
أردفت بهدوء: ولكن لا زال على أن أحاول على الأقل. حتى تنتهي مهلة الخمسة أيام هذه!
ارتفع حاجبيها بعدم فهم: مهلة؟
طرفت بعيني أنظر بعيداً بتوتر: آه. قطعت وعداً لجيمي أن أعيد أباه خلال خمس أيام، بدى في نظري الأمر مستحيلاً عندما قابلته اليوم ولكن. لا أريد أن أبدو جبانة بهذه السرعة.
ارتخت ملامحها كثيراً تتأملني بشرود، مرت لحظات بطيئة أثقلها على بندول الساعة المزعج الذي لا ينكف يذكرني أن الوقت يمضي دون توقف.
أغمضت عيناي بإستياء عندما اقتربت مني وعانقتني مربتة على ظهري بحنان وهمست: يمكنني الشعور بالكم الهائل من الإنكسار في صوتك وعينيك مهما حاولت التظاهر ومجاراة الوضع.
رفعت يدي أشد على ملابسها بقوة وهمست بصوت مبحوح خرج متقطعاً رغماً عني: أنا فقط. لم أكن أعلم أنني أحب كريس إلى هذه الدرجة، أريد أن أعيده ولكن الفكرة برمتها تضايقني. لماذا على أن أعيده لابنه؟ لماذا على أن أقنع أباً أن يعود إلى طفله! لماذا لجأ إلى التصرف بهذه الخشونة ومعاملتي بتلك القسوة وهو ينظر إلى عيناي بكل برود. هو حتى لم يتفوه بإسمي ولو بالخطأ! وكأنني. بطريقة ما بتُ منسية وقد القى بي خلف ظهره.
دفنت وجهي في كتفها لترفع يدها على رأسي: لا بأس. سيكون كل شيء بخير. ماذا عن سرد ما تمرين فيه لي؟ قد أساعدك بطريقة أو بأخرى!
ابتسمت بإحباط بيني وبين نفسي، فما الذي قد تفعله هذه المرأة اللطيفة مقابل كريس الذي تحول إلى شيطان غير مكترث بأي شيء.
ما الذي قد تعطيني إياه من كلمات سوى المواساة.
ولكن.
ألست بحاجة إلى الحديث حقاً؟ ألا ينبغي ان أخفف هذا العبء عن عاتقي قليلاً لأنفس عما أشعر به من ضغط وأفكر بجدية مرة أخرى بشأن هذه القضية التي لا أدري متى سنغلقها!
كان قراري بالفعل.
وإن كنت مترددة بعض الشيء ولكنني قررت البوح بما بات يخنقني شيئاً فشيئاً. بطريقة بطيئة ومميتة.
كنت أجلس على الأريكة وهي بجانبي، وبدلا من تناول العشاء في المطبخ فها نحن نمسك بأطباقنا ونتناوله هنا.
ومع ذلك لم تكن شهيتي تساعدني فاكتفيت ببضع ملاعق ووضعت الطبق على الطاولة هامسة: ألن تنزعجي حقاً من ثرثرتي؟ قد أطيل في الحديث وأفقد القدرة على التوقف! أنا أعلم جيداً أنني ثرثارة ومن الصعب إيقافي أحياناً.
مضغت الطعام ببطء ثم نظرت إلى معاتبة: ما الذي تقولينه! تذكري أنني من طلبت منكِ التحدث، لا يوجد ما أفعله يا شارلوت كما ترين!
ثم وضعت الطبق هي أيضا على الطاولة وقالت بحزم: كلي أذان صاغية.
كانت هذه آخر جملة تفوهت بها العجوز هيذر، فبعد ذلك كانت تنصت إلى وحسب وقد منحتني كل إهتمامها وتركيزها لتصغي إلى بهدوء تام.
لقد بحت لها بكل شيء.
منذ البداية.
ليست البداية المقصودة بشأن المشكلة.
بل بداية علاقتي بكريس حتى، أو ربما أبعد بكثير.
منذ الطفولة. حيث أخبرتها عن علاقة والداي بوالديه، زيارتي له التي لا أتذكرها ومع ذلك أخبرتها بما أعرفه، تقبيله لي قبل أربع سنوات دون أن أحظى بفرصة رؤية من سرق قبلتي الأولى، لقائي به في مدينتي وقد ظهر كشاب عازب مستهتر ومعسول اللسان، ثم عيشنا في تلك الشقة معاً. حيث ظننت أنني تعرضت للإحتيال وقد تعاملت مع شخصيته المرحة المزيفة والتي سرعان ما تغيرت وبدأ يتقلب مع الوقت ويصبح مزاجه أصعب. عناده معي، إجباري على خوض ذلك الإختبار الصعب بخصوص العيش معه في المنزل، ثم توقيع عقد الزواج وبداية لأمور كثيرة وعلى رأسها اكتشافي لعلاقته بعائلتي، بإيثان على وجه الخصوص. وكذلك أخبرتها بشعوري بتغيره ببطء. لكونه قد بات يتصرف بلطف أحياناً ويبدي إهتمامه بي، ولم أنسى المخيم، حيث بدأنا من جديد بسبب أوليفيا. بل وأخبرتها عن طفولته، حيث عانى على يد والدته منذ نعومة أظافره وحتى بلوغه للثانية والعشرون عندما حاولت إيذائه ثم انتحرت أمامه، وهربه من جنون أوليفيا بتوريط نفسه مع الجشعة كلارا وحملها بجيمي. بل وأخبرتها بما فعله مع رين وأنني لا زلت لا أملك ما أعذره به حتى الآن. وأخيراً ماكس الذي كتم الكثير من الأسرار وقد حاول التقرب إلى كريس بكل جهده ووجد بينهما سد هائل لا يمكن هدمه. ووفاته بتلك الطريقة البائسة ثم اختفاء كريس لشهر ونصف.
أظنني أخبرتها بأشياء كثيرة كنت قد نسيتها!
أشياء أدهشني كثيراً أنني مررت بها وتجاوزتها بالفعل.
مجرد تذكر المشاعر التي كانت تنتابني في تلك المواقف أتفاجئ أن الوقت لم يتوقف بالفعل وقد مضى على كل هذا!
كنت قد رميت بنفسي لأسند رأسي على حجرها هامسة: وكما ترين. هذا ما حدث اليوم، لذا لم أستطع التوقف عن البكاء وبدوت مثيرة للشفقة.
أردفت هامسة بعد أن تنهدت بعمق: أنتِ حقاً منصتة بارعة. جدتي هيذر ما رأيكِ أنتِ؟
لم أجد منها رداً مما أجبرني على النظر إليها، لأرى ملامحها لا تظهر سوى الحزن العميق وعينيها شاردتان في الفراغ، طال صمتها حتى قالت: كيف يكون القدر مبدع إلى هذه الدرجة في ترتيب الأحداث وربط الأطراف بهذه الطريقة ببعضهم البعض.
أضافت بصوت بدأ يرتجف: ذلك الشاب. ما مرّ به لم يكن قليل! لم يكن أمر يُحتمل. وكأنه وُلد ولم يجد فرصة يلتقط فيها أنفاسه. يركض ويركض. وعندما يتوقف يجد أنه توقف في المكان الخاطئ فيعاود الركض مجدداً. وكأنه لم يجد طريقه بعد. تائه. مشتت! يحاول جاهداً خلق عالمه الخاص الذي يعتقد أنه سيحميه.!
اتسعت عيناي بدهشة وقد هربت دمعة متسللة لتسيل على وجنتي في حين أكملت بجفن يرتجف وقد أغمضت عينيها: أن تتصرف والدته بتلك الطريقة. أن يهرب منها بدلاً من اللجوء إليها، أن يشعر بكونه غريباً بدلاً من شعوره بالألفة والطمأنينة معها، كيف كانت قادرة على فعل هذا به لمجرد حبها لرجل لم يلتفت إليها منذ البداية! يؤلمني حقاً أن ابنها وجد نفسه يتظاهر بحبها طوال الوقت ليحمي نفسه خوفاً منها. لطالما أدركت أن قسوة البشر ناجمة عن العثرات التي يسقطون فيها مراراً وتكراراً، لطالما كنت أعلم أن القسوة ليست إلا درعاً لحماية كيان مهزوز. ومع ذلك. لا يوجد أسوأ من مسافة هائلة بين الأم وأبنائها! أن تكون الأم مصدر للخوف والفزع بدلاً من فرد ذراعيها لحمايتهم. حيث يبدئون وبطريقة ما. بمراقبتها بحذر وجزع بدلاً من كونهم مُراقبون من قِبلها لتتأكد من كونهم سالمين. مطمئنين وساكنين.
نفيت برأسها ونظرت بزرقتيها إلى الفراغ بعدم تصديق: لا عجب أنه فقد ثقته في الناس ولم يعد يرغب في بناء صداقات بالرغم من محاولات تلك الصهباء المسكينة التي ذكرتها. هذا طبيعي بالنسبة لشخص ما ان فتح عينيه في هذه الحياة حتى وجد الرحم الذي خرج منه كان في الحقيقة مجرد منزل متهالك. شخص ما أن أبصر الحياة حتى وجد نفسه أمام عقلية غريبة مجنونة! عادة ما تنتج الوحدة عن فجوة فارغة في القلب بسبب أشخاص غابوا عن حياتنا. ولكن القسوة الحقيقية عندما تكون هذه الوحدة ناتجة عن أشخاص سيطروا على مجرى حياتنا ليسلبوا منا القدرة على مجرد تمني ما قد يكون عليه طعم الحياة النقية. الوحدة التي يشعر بها المرء بين الناس أسوأ من تلك التي يشعر فيها أثناء عزلته.
أخفيت وجهي في حجرها متأثرة بتلك الكلمات التي هزت أوصالي ورجف كياني على أثرها، تمسكت بملابسها بقوة متشبثة بها دون قدرة على التعليق.
صوتها المرتجف، عينيها البائستان وملامحها العابسة. لسبب ما أحيت أشياء في داخلي. وفي المقابل أخمدت جانب آخر!
وكأن الجانب الذي كان يعاتب كريس بدأ يتلاشى أمامي وفي الجهة المقابلة ومض الجانب الذي كان يدافع عنه ويبرر له أفعاله التي من الصعب تسويغها! ذلك الجانب الذي يكاد يكون منافقا مني. حيث أحاول تجميل أخطائه لمجرد السير خلف مشاعري نحوه. بدوت حتى مستعدة لتبرير ما فعله اليوم معي! ما الذي يحدث لي مجدداً. ما الذي أمر فيه تحديداً!
هل هذا ما يبدو عليه الحال عندما أكون واقعة في الحب إلى درجة لجوئي بطرق مختلفة لا تعد ولا تحصى إلى البحث عن أي عذر لكريس لمجرد البقاء إلى جانبه؟ هل هذا ما أفعله؟
وكأنني أريد أن أميء برأسي إيجاباً وأؤيد ما تقوله هيذر فوراً ودون تفكير وأقول لها اليس كذلك؟ ألم يتعرض للكثير ويحق له التصرف كما يحلو له؟ وكأن هذه الجملة تتراقص على لساني منتظرة وقت خروجها. كيف يكون المرء مستعد للتنقيب عن الأعذار لأجل من يحب بكل جهد.
هل أحاول اقناع نفسي أو.
التمسك به أكثر؟!
هل أنا خائفة من جديته بشأن محاولته لإبعاده إياي عن طريقه؟ خائفة من أن يتركني خلفه إلى هذه الدرجة!
أجفلت قليلاً لصوت هيذر وهي تمرر يدها على رأسي: أتعلمين يا ابنتي. الإنسان لا يتصرف بقسوة دون مبرر، بل يكتسبها أولاً من شخص. من حدث أو موقف ترك أثراً قوياً في نفسه، يتعلمها وبمرور الوقت يلجأ إليها مؤقتاً فقط، ولكنه يبدأ لاحقاً في تطبيقها دون أن يشعر، مستمداً منها قوة كالحاجز الذي يظن أنه سيحميه من كل شيء قد يؤذيه.
أومأت مؤيدة ليخرج صوتي الأجش: جدتي هيذر. هل من الطبيعي أن أكره شخص لم أقابله في حياتي؟ شخص لم يعد على قيد الحياة. ولكن مجرد ذكر اسمه يجعلني أغلي. أتمنى لو يعود إلى الحياة لأذيقه القليل مما صنعت يداه! أذيقه ما جعل الآخرين يغرقون في عتمة الوحدة وعدم الثقة بالآخرين، أجعله يندم وإن لم يكن الندم وارداً في قاموسه.
الكراهية ليست عاطفة موجهة إلى الأحياء فقط. من حقنا أن نحب وكذلك أن نكره. العاطفة أمر لا نتحكم به، ولكن. هذا لا يعني أنه الضوء الأخضر لنكره! الكراهية تميت القلب. بطريقة أو بأخرى تتغذى على روحنا، نحن نتآكل في اللحظة التي نسمح فيها للكراهية أن تسيطر علينا!
اعترضت وقد ابتعدت عنها لأزمجر بغيض وبعين دامعة: ولكن. باتريشيا السبب في كل شيء! السبب في معاناة كريس. السبب في خيبة السيد ماكس الذي تمنى الكثير ورحل دون أن يحقق شيئاً، السبب في تضحيته لأجل البقاء إلى جانب كريس.
أعقبت أنفي برأسي بقوة وصرخت بحنق وأسى: السبب في تحويل كريس إلى شخص لا يعرف ما يريده حقاً! هو بالكاد يجيد التفوه بكلمات لطيفة. بالكاد يكون واضحاً وصريحاً! إنها السبب في جعله يكبت كل شيء في نفسه خوفاً من الناس وخشية على نفسه من الأذى! لم يقتصر أذاها عليه بطريقة جسدية بضربه وتعنيفه، ولكنها جعلت منه شخص بارع في دراسة من حوله كمن لو كنا مجرد كُتب يقرأها، في حين يكون شخص غير قابل للتفسير أو القراءة! شخص اختار أن يكون كيان لا وصف محدد لشخصيته وكأنه يستمتع بلعب دور الغامض المتقلب!
زميت شفتاي بإنهاك واعتدلت جالسة ابعد شعري عن وجهي بحزن غلب غضبي: إنها السبب. حتى العلاقة الأخوية التي كانت تجمعه برين. شعور يراودني أنها كانت السبب في ذلك! ومع أنني عاملته بتبلد عندما علمت بالأمر إلا أنني خائفة أن تكون ردة فعلي قد ضايقته كثيراً لسبب أو لآخر. أنا نادمة ومتوترة! حاول تبرير الأمر لي ولكنني خفت أن أسمعه ما سيقوله في لحظة تشتت وجزع! باتريشيا تلك. أمقتها. أنا حقاً أكرهها!
وضعت يدها على كتفي بعبوس وحزن وحاولت التخفيف عني إلا أن لساني عاود يتحرك وقد ارتخت ملامحي بضيق امسح دموعي: هذا ظلم. كيف كانت قادرة على فعل كل هذا، كيف تجردت من امومتها وإنسانيتها، كيف يمكن لأي شخص في هذا العالم أن يضع رأسه على الوسادة وينام بعمق، مبحراً في عالم أحلامه ورغباته في حين شخص آخر يعجز عن وضع رأسه على الوسادة بسببه، يعجز عن مجرد إغماض عينيه وهو يدرك أنه لن يهرب من الواقع الموحش. يعلم أنه سينام مؤقتاً ويستيقظ ليفيق على كابوس لا يدري متى سينتهي! كريس لم يكن يستحق كل هذا منذ البداية، لم يكن يستحق أن يولد من امرأة كتلك! لم يرتكب ذنباً ليتعرض لكل هذا الأذى منها. لو لم تكن تلك المخبولة المتملكة والدته لما كان كريس يتصرف بهذه الطريقة! لما بنى شخصية معقدة من الصعب فهمها!
جذبت رأسي لتريحه على صدرها وقد تنهدت بعمق، تنهيدتها كانت مرتجفة إلى درجة جعلتني أهمس بندم: أعتذر على إنفعالي بهذه الطريقة.
بالرغم مما قلتهِ. إلا أنكِ في النهاية أحببته بكل مساوئه وبشخصيته المعقدة، لقد أحببته دون حاجة إلى سبب للوقوع في شباكه، اليس كذلك.؟
ولكن.
لو لم تكن والدته لما قابلته، لما تزوج منكِ متعذراً برغبته في الثأر منكِ، لما تعلقتِ بابنه الذي دفع ثمن تهور وطيش والده في مرحلة كان يشعر فيها بالضغط.
ولكن باتريشيا.
باتريشيا لا زالت على قيد الحياة يا شارلوت، منذ أن بدأتِ بحكاية الأمور لي وحتى الآن. لم أستطع الشعور بأنها امرأة قد فارقت الحياة، لا تزال باقية. في داخل كريس، في داخل هذا الشاب الذي لم يطردها من تصرفاته أو من طريقة تفكيره. لم يتخلص منها ولم يلقي بالماضي خلف ظهره. في الواقع. قد يكون هو الوحيد الذي لا يزال متوقفاً فيه الزمن منتظراً من ينتشله من أنياب الذكريات التعيسة، هو لم يمضي قدماً بعد كما يعتقد، لا زال عالقاً هناك. وحده!
جف حلقي وانا أنصت إلى كلماتها هذه!
حيث ابتعدت قليلاً أنظر إليها بعدم تصديق فرسمت ابتسامة لطيفة على ثغرها وأعقبت بتحفيز: تماماً كما قلت الآن، هو عالق هناك وينتظر من ينتشله من والدته، حين يتركها خلفه ويتخلص من العائق الذي يمنعه من التحرك. ستكون حينها قد توفيت بالفعل!
ماذا عساي أفعل! الحوار لم يعد يجدي نفعاً معه. ولست أقوى منه لأستخدم يدي في العراك معه، أنا حقاً لا أدري ماذا أفعل.
لا تفكري بالأمر لمجرد كونه مهلة لخمسة أيام تعيدين فيها كريس إلى ابنه، بل اجعليها يوم واحد تتحدين فيه نفسك وتتحدينه هو أيضاً، مبرهنة على قدرتك في انتزاعه من هذا السخف الذي يلجأ إليه، قدرتك على توجيهه إلى المسار الصحيح الذي سيسلكه. يمكنني القول انه وصل إلى حدوده، عزلته تشير إلى هذا بالفعل. قد يكون في أضعف حالاته الآن، لذا عليكِ الوقوف إلى جانبه، لا تلجئي للقوة في حالة كهذه. سيكسره هذا أكثر ولكنه سيتصرف بقسوة أكبر ليحمي نفسه مجدداً.
ارتخت ملامحي بإستياء وصدى كلماتها لا يكف عن التردد في أذني.
يوم واحد! م. ما هذا فجأة؟!
نظرت إليها بعدم استيعاب فأخذت شهيقاً عميقا وقالت بجدية ونبرة عالية: ما أحاول قوله هو. ماذا لو كنتِ قادرة إلى إعادته خلال يوم واحد بدلاً من خمسة؟ ماذا لو كان في الغد يسير معكِ إلى ابنه ليزوره في المشفى ويخرج من العتمة التي يجلس فيها؟ ليعود حيث ينتمي وحيث يجب أن يكون.
التطبيق دائماً أصعب من الكلام، لا شيء أسهل من الكلام جدتي هيذر. مقابلة كريس ليست أمراً يستهان به، على أن.
قاطعتني ممسكة بكتفاي بحزم: توقفي عن إهدار الوقت! أعيدي زوجك إلى رشده، فلتشعري بالفخر لقدرتك على إعادته إلى صوابه، هل تنوين حقاً الإنتظار أكثر؟ ما هي الخطوة التالية أصلاً! الجلوس لتندبي حظك ثم تأتين في الغد مشتتة؟ هل هذا كل شيء! فلتعودي إليه وأخبريه أنكِ هنا لأجله. حاولي التصرف بطريقة ستؤثر عليه، حاولي التحدث بأسلوب سيخرسه! أسلوب سيجعله يحدق إليك مستمعاً إلى كلماتك رغماً عنه! حتى وإن كنتِ لا تتذكرين طفولتكِ معه حاولي أن تعودي إلى تلك الطفلة وتستخدمي لكنتها بكل ما أوتيت من جهد!
ولكنني. أنا حقاً لا أدري كيف أتصرف أمام أفعاله الغريبة! الشخص الذي تعاملت معه لم يكن كريس الذي أعرفه.
ولهذا تحديداً عليكِ المحاولة مجدداً، بحيث يفقد صبره وينفجر تماماً، تذكري. ما تريدينه حقاً في قرارة نفسكِ هو استسلامه وخضوعه لضرورة التفريغ عما يكاد يخنقه بدلاً من كبت كل شيء لنفسه!
أنا أريد هذا. أريد هذا بلا شك.
قلتها بتردد وإرتباك فارتخت يدها من على كتفي، وقفتْ وأجبرتني على الوقوف كذلك لتومئ برأسها بجدية: ما قلتهِ لا يشير إلا إلى أن زوجك أحبكِ قبل وقوعك في حبه بزمن بعيد! وإن كنتِ لم تلاحظي هذا فأنا فعلت. هذا المدعو كريس أرادكِ بجانبه، لربما وجد فيكِ ما يناقض شخصيته فتمسك بكِ، أو ربما وجد فيكِ ما يشعر بأنه يخفف عنه العبء الذي يحمله على عاتقيه، وربما وجد فيك جزء سيعوضه عن الكثير، لذا توقفي عن التردد وكوني جادة واتخذي خطوة حازمة، اذهبي إليه وتصرفي بطريقتك الخاصة، أمسكي بيده بقوة ولا تفلتيها، لازلتِ صغيرة على استيعاب كم سيكون الفراق مؤلماً يا ابنتي، يمكنني الشعور بوجود عاطفة مميزة غريبة تجمعكما. إياكِ والسماح له بإخمادها بتهوره وحمقه في لحظة الضعف هذه! إن حدث هذا. فكلاكما سيندم أشد الندم.!
تسمرت عيناي عليها بدهشة وشرود دون أن يطرف لي جفن!، ظلت عينيها تحدقان إلى مباشرة لوقت طويل.
ك. كلماتها.
تشعرني بمسؤولية كبيرة!
كبيرة جداً.
ولكن ليس إلى حد تثبيطي بل. العكس.
إنها تجعل الدماء تندفع في عروقي بقوة! وكأنني كنت غريقة وعاد النبض إلى مرة أخرى!
إنها محقة! إن كنت أريد البقاء إلى جانب كريس فلا يجب أن أستسلم بهذه السرعة، وما الذي كنت أتوقعه أصلاً؟ أن يقابلني بحفاوة ويسعد بوجودي؟ بالطبع لا. كل شيء كان متوقعاً. مواجهة جافة، أو حتى عنيفة. كل شيء لم يكن مستبعداً.
ولكن ما ذكرته هذه المرأة قبل لحظات. لا زال يسري في جسدي!
ما قلتهِ لا يشير إلا إلى أن زوجك أحبكِ قبل وقوعك في حبه بزمن بعيد .
هيا يا شارلوت.
ألا تريدين سماع اعتراف مشابه من كريس نفسه؟
ألا ترغبين في رؤيته يتفوه بكلمات كهذه من تلقاء نفسه؟ ثم تزعجينه وتشاكسينه قائلة تغلبت عليك وأرغمتك على الإعتراف؟! .
نعم أريد.
أريد البقاء مع كريس، لست نادمة على أي شيء قد مضى، لست نادمة على أي شيء مررت به وجعلني أبكي، كل شيء مررت به في الفترة الماضية منذ لقائي به جعلني أتعلم الكثير.
لقائي بكريس لم يجعلني أضعف.
بل أقوى.
حتى أنني كنت في معركة طاحنة مع كبريائي الذي هزمته وقد اعترفت بمشاعري له وجهاً لوجه، صارحته كثيراً بمشاعري تجاهه!
هذه جرأة، قوة وصراحة لم تكن بهذا المستوى مسبقاً، لم أكن لأقول كلمات كهذه لولا لقائي به! ليس أمراً احزن لأجله أو أحرج منه.
سأواصل الإعتراف له مستقبلاً! سأستمر في مصارحته.
بللت شفتاي ورسمت ابتسامة ممتنة وأنا أنظر إليها: سأعود إليه. سأحاول بذل أقصى جهدي، لن أفعل هذا لأجل جيمي وحسب بل لأجلي ولأجل كريس أيضاً.
أومأت بحزم: تماماً، هذا ما أريد سماعه.
اتسعت ابتسامتي وزاد امتناني لهذه المرأة أكثر فهمست وقد شعرت بالغصة: أنا حقاً شاكرة لإنصاتك إلي! أنا ممتنة لكلماتك!، أشعر أنني كنت بحاجة إلى دفعة قوية ولم أتخيل تلقيها بهذه السرعة بعد فشلي الذريع في لقائه.
لم أفعل شيئاً يذكر، كل ما فعلته هو الإصغاء إليكِ والثرثرة قليلاً.
أعقبت بحزن: كنت غاضبة كثيراً لتصرفه معي بقسوة ووقاحة، ولكنني أعذره الآن ولا زلت آمل أن أكون قادرة على التحدث معه بحوار لطيف، أنا واثقة أنكِ ستعودين برفقته. واثقة بأنه سيستلم ويتوقف عن العبث بكيانه أكثر من هذا.
هذا ما أرجوه.
ليس ما ترجينه بل ما عليكِ فعله، تذكري هذا!
نعم. محقة.
بعدها اعتذرت منها لضرورة إجراء مكالمة هاتفية فجلست على الأريكة ممسكة بهاتفي في حين جلست هي على الأريكة المجاورة تداعب لوسي المستمتعة وقد استقرت على حجرها.
ابتسمت أحدق إليهما حتى أتى صوت جينيفر التي قصدت الإتصال بها وما ان أجابت حتى صرخت بخوف: شارلوت! هل أنتِ على ما يرام؟ لماذا أغلقت في وجهي قبل قليل هذا لؤم منكِ، صحيح أنني غاضبة منك ولم أتجاوز خيانتك ولا زال علينا التفاهم ولكن لا يجب أن تفعلي هذا بي! أخبريني أرجوكِ، هل كل شيء بخير؟ أصابكِ خطب ما؟ كريس بخير صحيح؟ يا الهي لماذا انت هادئة هكذا حدثيني! أجيبي بسرعة. لا يمكن!؟ هل أنتِ في خطر ولا تستطيعين الحديث؟ سأسرع بتعقب العنوان إن لم تكوني في منزل كريس وأساعدك على.
إسمحي لي بالتفوه بحرف واحد على الأقل وستعلمين أنني بخير ولا زلت أتنفس!
قلتها مبتسمة رغماً عني بلا حيلة فسمعتها تتنهد بقوة وبراحة: حمداً لله! لقد ارتديت ملابسي وكنت على وشك المجيء إلى العنوان!
سمعت بالفعل صوت لإغلاق السيارة وبدت وكأنها ترجلت منها، قلت فوراً بأسف وإحراج: كل ما أردته قبل قليل هو طمأنتك وبدوت مستعجلة، ما حدث أنني. كنت أغط في نوم عميق ولم أشعر بالوقت، أعتذر لإقلاقك، لا أدري كيف سأواجه سام ايضاً فلم يتوقف عن الإتصال بي.
سام كان غاضباً على كثيراً! ظل يحملني المسؤولية وقال أن ستيف أعلمه بأمر خروجكِ معي، هددني بأنه سيتصرف معي بطريقة لا تحمد عقابها إن مرت ساعة أخرى دون أن تجيبي على الهاتف.
يبدو أنكِ لم تكوني قلقة على بقدر خوفكِ منه! كيف انقلب الحال هكذا وتصرفتِ معه بخوف! هذا على غير عادتك حقاً.
ولكنها ضحكت بسخرية وثقة: كفاكِ سخفاً، سام شاب لطيف ولبق لن يتجرأ على إيذاء آنسة جميلة مثيرة مثلي.
هذا لأنكِ تعرفين نقطة ضعفه بشأن النساء ولكن للأسف. هذا لم يعد ينطبق عليكِ.
أضفت مستوعبة ثرثرتي: آه صحيح. لدي ما أقوله لكِ!
ماذا؟! هل كريس بجانبك؟ هل اقتنع؟
لا، ولكن سيحدث هذا بحلول يوم. حسنا على الأغلب، أياً يكن أريدك أن تسدي لي بخدمة صغيرة.
لا تخجلي مني قوليها مباشرة، أنا قادمة لجلبك.
لم يكن هذا ما أريده!
ماذا إذاً؟
قالتها بحيرة وقد بدأ الفضول والإهتمام يسيطران على نبرتها فأخذت شهيقا قبل أن أقول بجدية: أنا لن أعود إلى المنزل الليلة، أريدكِ أن تتستري على الأمر وتقولي أنني برفقتك في منزلكِ.
هاه!
لدي ما أقوم به يا جينيفر ولا أريد العودة قبل الإنتهاء، أنا واثقة أن ستيف وسام وكذلك كلوديا لن يتوقفا عن السؤال بشأن إطالتي في الخارج لذا انهي الأمر وقولي أنني أتيت برفقتك إلى منزلك واخترعي أي سبب، إنها مهارتك على أي حال ولا داعي للقلق! أريد العودة برفقة كريس في الغد بدلاً من اخبارهم بشأن مكانه ثم أخيب أملهم.
لحظة واحدة.
قالتها باستغراب واستنكار شديد مردفة: أين أنتِ الآن؟!
سأخبرك بكل شيء غداً.
غداً؟! أنا لن أنتظر حتى الغد يا شارلوت.
يا الهي! حسناً أنا في منزل جارة كريس، لا يوجد ما أقوله أكثر لذا أخبريني وحسب أنكِ ستسدي لي هذه الخدمة الصغيرة من فضلك!
بدت منزعجة كثيراً وهي ترغب في الإستفسار أكثر حتى تمتمت على مضض: الا يمكنك التلميح لي؟ أخبريني على الأقل هل كريس على ما يرام؟ ألم يغضب لرؤيتك.؟
بلى.
ولكن. هذا ظلم! هذه الإجابة المختصرة لم تشفى فضولي! هذه قسوة.
قالتها معترضة بصوت عالي كاد يفجر طبلة أذني فقلت بملل: سأغلق.
ولكنها أسرعت تصرخ بصوت راجي ألا أفعل ومع ذلك أغلقت الهاتف متنهدة: جينيفر صعبة الإقناع وتجاوزها أصعب بكثير.
لفت انتباهي هيذر التي رفعت يدها اليمني وكأنها تحاول لفت انتباهي فنظرت إليها بحيرة، ارتسم على ملامحها عدم الفهم وهي تقول: هل ذكرت للتو اسم ستيف وسام؟
ارتفع حاجباي بشيء من البلاهة وانا أميء برأسي إيجاباً واضع الهاتف بجانبي: نعم جدتي هيذر. لماذا تسألين؟
آه! هكذا إذاً.
قالتها بسعادة وحبور وهي تضيف بصوت لطيف: التقيت بهاذين الشابين في الأمس، كانا لطيفان جداً ولبقان لم يتهاونا في مساعدتي.
سام. وستيف؟!
عقدت حاجباي بعدم فهم أحدق إليها بتشتت، لو ذكرت اسم أحدهما لقلت أنه تشابه أسماء ولكن. كلاهما؟!
ما الذي يعنيه هذا!
تحرك لساني لأستفسر أكثر وقد ظهرت تقطيبة صغيرة بين حاجباي: سام وستيف. كانا هنا! هل تتحدثين عن شاب ذو شعر أسود وآخر بشعر بني يبدوان متشابهان في التصرفات؟
بدى الحماس عليها وقد اتسعت ابتسامتها: تماماً! كما توقعت. أنتِ تعرفينهما إذاً! لا عجب فلقد كانا هنا لأجل زوجك كذلك.
اتسعت عيناي بدهشة وقد نظرت بعيداً بعدم تصديق!
سام وستيف كانا هنا لأجل كريس؟!
ما الذي.
يعتقدان نفسهما فاعلان بالمجيء إلى هنا دون إخباري بحق الإله!
أحكمت قبضة يدي متذكرة تصرف ستيف عندما أخبرته بإحتمالية معرفة إدوارد لمكان كريس وإنكاره للأمر!
وسام الذي قابلته ولم يكلف نفسه بإخباري!
لماذا؟!
شعرت بالإنزعاج يعتريني ولكن صوتها انتشلني من كل هذا الغضب المفاجئ وهي تسأل: ما هي علاقتكِ بهما؟
أجبتها محاولة الإبتسام بصعوبة: سام يكون أخي الأكبر، ستيف ابن عمة كريس.
عبست بوجهها فور انتهائي وقد تذمرت بإنزعاج: هاذان المحتالان. أخبراني أنه صديق لهما!
ولكن سرعان ما اختفى العبوس عن وجهها وقالت نافية بابتسامة صغيرة: ولكن لا يهم. كانا لطيفان بالفعل وهذا يكفي، أرى أنهما كانا قلقان على زوجك بلا شك، ربما علما بعنوانه في الأمس فقط ولم يترددا.
تقوست شفتاي بضيق: ولكن ستيف. تصرف وكأنه لا يعرف شيئاً.
اسندت رأسي على الأريكة للوراء أنظر للسقف فقالت بهدوء: تبدين منزعجة حقاً.
أنا فقط. تائهة بعض الشيء، سام لن يخفي عني أمراً إلا لمصلحتي. أدرك هذا جيداً. ستيف كذلك يراعي مشاعر الآخرين كثيراً ولهذا أفكر فقط في هدفهما من إخفاء الأمر عني وهما يعلمان أنني كنت أنتظر حرف واحد يدلني على مكان كريس.
أغمضت عيناي محاولة تجاوز شعوري بالغيض ليبدأ شعور أخر بالإنضمام إلى كومة الخوالج هذه!
صحيح.
سام لن يخفي أمر تواجد كريس هنا إلا لمصلحتي.
ربما رأى تصرفات كريس أو أي شيء قد بذر منه جعله يعتقد أنه سيحطمني وأراد حمايتي وحسب.
بلا شك.
هذا الشقيق الأحمق. يجيد التصرف بلطف وحكمة حقاً.
ابتسمت رغماً عني وقلت وعيناي لا تزال معلقة على السقف: دعيني أخمن، هل حاول أخي التلاعب معكِ بالكلمات المعسولة يا ترى؟
ضحكت بخفوت وقد وقفت: يبدو انكِ على دراية تامة بشخصيته، قدمت له ولستيف بعض النصائح بهذا الشأن وارجو أن يأخذا بها.
نفيت ضاحكة بإنهاك: لقد نصحته ولا زلت أنصحه منذ ولادتي ولكن سام اعتاد على هذا الأسلوب مع الأسف.
استرسلت بشرود والبسمة لا تفارق ثغري: إنه شخص يُفتخر به. قادر على تحمل المسؤولية على عكس ما يبديه مظهره. أظنه كان يخشى على من اكتشاف ما آل إليه الوضع مع كريس وحسب، ربما أراد أن يتريث قليلاً قبل أن يخبرني بنفسه. أعلم جيداً أن لن يخفي عني أي شيء إلا لغرض إبعاد الأذى عني فقط.
تحركت هيذر لتقف أمامي بوجه شارد وهي تنظر للفراغ وتؤيدني: الأخوة أمر رائع بالفعل، الدفاع عن بعضكما البعض والخوف على مشاعر بعضكم، هذا لا يُقدر بأي ثمن ومن الصعب تعويضه.
صحيح.
أعقبت أضم قدماي إلى فوق الأريكة: شقيقي الآخر يبذل جهده كذلك ليقف إلى جانب صديقة طفولة كريس التي أخبرتكِ عنها، إنه متيم بها ولم يتركها ليوم واحد، هو حتى لا يعود من شقتها حتى يتأكد من خلودها إلى النوم، ناهيك عن طهوه للطعام ومحاولة إجبارها على التسوق والتنزه لتتجاوز الأمر.
ارتفع حاجبيها تنصت إلى قبل أن تطرف بشرود: هذا حقاً. لطيف جداً، عليك أن تستمري في تقدريهما جيداً! لديكِ شقيقان طيبان، قد يقف أحدهما أمامك لتأمين طريقك والآخر خلفك لحمايتك. ، لا شيء سيصف العلاقة الأخوية التي لا تُبني على مبدأ المقابل.
شعرت بالسعادة لجملتها الأخيرة كثيراً وقد أطرقت برأسي قليلاً.
إنها محقة.
لا مقابل.
مجرد أفعال برغبة الحماية وبث الطمأنينة سواء كانت مدروسة أو لا. دون أي مقابل!
انتفضت مجفلة عندما تذكرت أمر كريس وقلت واقفة فوراً: سيدة هيذر ما الذي تعتقدينه؟ هل أطرق عليه الباب أم أقتحم منزله؟
ابتسمت لي بخبث وقد ضاقت عينيها الزرقاء المحاطة بالتجاعيد: الخيار الثاني بالطبع. لا مجال للإستئذان، أنتِ في وضعية الهجوم الآن هل نسيتِ؟
اتسعت عيناي وفغرت فاهي قبل أن أضحك نافية: غير معقول!
كانت هذه تقريباً آخر جملة حول موضوعه، فلقد أعطتني معطفاً خفيفاً وبسيطاً لأرتديه، في حين أخبرتها أنني ذاهبة إليه دون أي تردد أو مزيد من التأجيل!
ومع أنها كانت تبدو متضايقة لمغادرتي إلا أنني وعدتها أنني لن أغادر مع كريس قبل توديعها.
هذه العجوز انتزعت من جوفي الكلمات بكل سلاسة وبساطة، جعلتني أتحدث دون توقف لأثرثر بكل شيء. وكأنني كنت أقوم بإعداد ملخص لما تمحورت حوله القصة منذ لقائي بكريس وحتى اليوم.
تنهدت بعمق وأنا أخرج من منزلها لأنزل الدرجات القليلة بينما تقف خلفي وقطتها لوسي واقفة عند قدمها أمام الباب.
ابتسمت لها بلطف وانا لا أزال أمشي فبادلتني ابتسامة مشجعة، اتجهت نحو الدرجات المؤدية الى منزل كريس ووضعت رأسي على الباب أسترق السمع.
وعلى عكس ما توقعت فأنا لا أسمع أي شيء في الداخل، لا صوت تلفاز أو حتى أي شيء آخر يدل على وجود حركة.
مازال الساعة تشير إلى السابعة الآن، لذا ينبغي أنه يتناول العشاء على الأقل اليس كذلك؟
لفت انتباهي دخول هيذر إلى منزلها وإغلاقها للباب عندما حاولت لوسي الخروج، عاودت أوجه نظري للباب أمامي وأنزلت القبضة بفضول وكما توقعت كان لا يزال مغلقاً.
حسنا يا شارلوت.
وقت الإقتحام.
ومع أنني كنت محرجة بسبب سكان الحي اللذين يرونني الآن أتسلق المسافة الصغيرة نحو النافذة إلا أنني حاولت جاهدة تخيل عدم وجود أي كائن بشري في المكان.
لم تكن النافذة مرتفعة، والأهم أنها لم تكن مؤصدة!
لو لم أجدها مفتوحة لاتجهت إلى باقي النوافذ حتى أجد مولجاً دون يأس ولكن هذا جيد، اختصرت هذه النافذة مشوار كاد يكون طويلاً.
تعلقت بالنافذة وفتحتها ببطء، تعمدت ألا أصدر أي صوت.
ليس وكأنني إن طرقت الباب سيفتحه ويرحب بي مجدداً فإما أنه سيتجاهلني أو يطردني، لذا لا بأس بالتصرف كاللصوص في وقت كهذا!
رفعت جسدي أكثر لأنظر إلى الداخل، التلفاز غير مفتوح، وكل شيء كما كان!
لا أسمع خطاه. ولكن باب الغرفة كان لا يزال مردوداً قليلاً.
ربما يكون في الداخل، وحتى لو لم يكن في المنزل فسأفاجئه بوجودي هنا.
دفعت نفسي أكثر لأدخل وقد فعلت وأغلقت النافذة خلفي، ابعدت خصلات شعري خلف أذني منزعجة من نسيان طلب ربطة شعر من السيدة هيذر!
فليكن.
مشيت باستغراب وأول ما فعلته هو الإتجاه إلى المطبخ.
رأيت الوضع كما كان، حيث أرى الطعام الذي القيته في القمامة وقد بدأت أشعر بتأنيب الضمير، كنت غاضبة إلى درجة عدم التفكير وانا القيه ببساطة! هذا هدر مؤسف حقاً.
لويت شفتي بتضايق ثم استدرت لأخرج من المطبخ، تحركت قدماي نحو الغرفة التي تصرف فيها بطريقة غير معقولة، الباب مردود ويمكنني رؤية الغرفة مظلمة بعض الشيء.
اقتربت بحذر وبدوت أخف من ذرات الهواء للحظة.
دفعت الباب ببطء وشكرت الإله على كون هذا الباب كان يقف حليفاً لي في صفي وعدم إصداره لأي صرير مزعج.
هذه الإنارة قادمة من حمام الغرفة، لقد كان باب الحمام مفتوح ومد الغرفة بإنارة بسيطة استطعت على إثرها رؤية الجسد الذي يستلقي على السرير بطريقة فوضوية.
إنه هو!
ن. نائم؟
عقدت حاجباي بعدم تصديق وانا اطرف مرارا وتكرارا، لماذا قد ينام في وقت كهذا أصلاً!
الآن؟
عند السابعة؟!
تقدمت بقليل من التردد الذي اسرعت أمحيه لئلا اتراجع، خطوت ولكنني في اللحظة الأخيرة انتبهت لزجاجة النبيذ أسفل قدمي والتي كدت ادفعها على غفلة مني.
هذه الزجاجة لم تكن هنا عندما دخلت الغرفة.
مما يعني.
أنه قام بشربها وانهاؤها بالكامل!
هذا الأحمق.
يوجد الكثير من الزجاجات في الخارج ايضاً، لو استمر الوضع أكثر فسيضر نفسه وستتدهور أعضائه إن واصل المبالغة في الشرب. اللعنة! على إيقافه عند حده. لا مزيد من النبيذ! ولا حتى قطرة واحدة.
هذا يفسر تصرفه بتلك الطريقة عندما كنا نتحدث، فلقد لمحته يمرر يده كثيراً على عينه وجبينه في كل مرة وبدى متضايقاً او متألماً، الإكثار من النبيذ في فترة قصيرة والمبالغة لن تأتي سوى بنتائج غير محمودة.
صداع يشعر فيه المرء بانشطار رأسه، عدم وضوح في الرؤية وكذلك الغثيان وفقدان الشهية.
تمالكت نفسي متجاهلة كل هذا واقتربت لألتف حول السرير وفي نيتي القاء نظرة على وجهه.
وكما ظننت. إنه نائم بالفعل!
ارتخت ملامحي كثيراً أحدق إلى وجهه النائم.
هذه الملامح المسالمة التي افتقدتها كثيراً!
كان ينام على جانبه الأيسر وشعره فوضوي إلى حد كبير! لا غطاء على جسده والفراش أسفله غير مرتب.
ما الذي تنتظرينه يا شارلوت؟ تعلمين جيداً أن نومه ثقيل.
وتعلمين أنه شرب تلك الزجاجة بلا أدنى شك!
اقتربت منه بأسى لأجلس فوق السرير أحدق إليه عن قرب، وحينها كانت الطامة.!
م. ما هذا!
لماذا. أهداب عينيه تبدو رطبة؟!
سرت رجفة في جسدي مستوعبة أمر تورد أنفه ووجنتيه كذلك.
حسناً! لنقل أن تورد وجنتيه سينجم عن هذا النبيذ اللعين ولكن.
أنفه.
أهدابه!
ازدردت ريقي وبدأت خفقات قلبي تتسارع لمجرد التوصل إلى استنتاج كلجوئه إلى البكاء في خلوته.
لماذا جزء مني يرفض تصديق الأمر؟
لأنني اعتدت رؤيته قوياً؟ لأنني اعتدت رؤيته يتصرف بكبرياء بالغ يرفض إظهار ضعفه لأياً يكن؟! لأنني لم أكن لأتخيل رؤيته بهذا الضعف يوماً؟
ولكن.
ولكنه في النهاية كما قالت السيدة هيذر.
قد يستسلم ويبكي! إلا أن هذا يظل صعباً علي.
من الصعب حقاً رؤية كريس بهذا الضعف.
نفيت دون شعور وكأنني أرفض تقبل هذا الواقع!
بدأت أشعر بوخز مؤلم في قلبي بالفعل! مما جعلني أرفع يدي لأهدئ نفسي وعيني لا تزال متعلقة عليه.
لماذا يبدو مظهره كطفل تائه أطبق جفنيه ويبدو سعيداً بهربه من الواقع مؤقتاً؟!
أنا.
أنفاسي تتسارع، عيناي تحرقانني وكأنها تنذرني برغبتها في ذرف القليل من الدموع ولكن أبداً.
لن أبكي مجدداً في لحظات كهذه!
أنا بحاجة إلى قوتي.
بحاجة إلى إستيعاب كل شيء بسرعة.
اقتربت منه أكثر أمد يدي المرتجفة لأرتب شعره العسلي المبعثر والفوضوي بطريقة متطايرة حول وجهه وعلى الوسادة.
بل واقتربت لأطبع قبلة مستاءة على جبينه بكل بطء. وكأنني أماطل الوقت!
ثم ابتعدت قليلاً أمرر أناملي على أهدابه الرطبة وهمست دون شعور: من اللؤم أن اعتاد على رؤيتك قوياً وأرفض كونك ضعيفاً. على أن اعترف لنفسي أنا أيضا بأن لك كامل الحق في التنفيس عن ضعفك بالطريقة التي تختارها. إلى أي مدى بكيت؟ هل فعلت هذا بصوت خافت أم العكس؟ هل تفوهت بأي كلمة أثناء ذلك؟
لم يحرك ساكناً.
ومع ذلك أطلت التحديق إليه.
كريس.
أنا حقاً مشتاقة إليك بجنون.
أنا لن أعود إلا معك، لن أستسلم. أنا ارفض العودة دونك! يكفي ما كنت أمر فيه طيلة الفترة الباقية.
يكفي.
سيطرت على الكثير من الخوالج التي دفعتني إلى التقرب أكثر، بحيث أرفع سبابتي أمررها على شفتيه بشرود وقد اعتلت وجنتاي حمرة طفيفة.
لم أكتفي بذلك.
بل دنوت نحوه لتكون أول مرة.
أكون فيها المُبادرة!
ربما أستغل نومه. وربما لأنني لن أجرؤ على هذا إن كان مستيقظاً.
هذا سيء. لا يزال هناك جيش من الدموع التي تحاول التسلل مجدداً من وكرها.
هذا الشعور.
من الصعب وصفه!
ابتعدت عنه رويداَ أفصل تلك القبلة وقد رفعت يدي نحو ثغري بخجل.
هذا.
مُحرج!
مع أنه نائم ولكن. هذا حقاً. يجعلني أبدو كمنحرفة تستغل اللحظات لصالحها!
حاولت نفض كل هذا من رأسي وأنا أتنهد بلا حيلة وأستلقي بجانبه. مع أنني أتيت ظننا مني أننا سنخوض حديثاً طويلاً ينتهي بعودته معي ولكنني لم أتوقع ان يغط في النوم في وقت مبكر كهذا.
كما لا أظنني سأنتظر لوقت قصير حتى يستيقظ.
هل هذا يعني. أن حوارنا سيتم تأجيله للغد؟!
انتابني شيء من الخيبة والضيق وأنا لا أزال أحدق إليه لوقت طويل.
نعم. وقت طويل. حرفياً!
حتى عندما تحرك كلا جفنيه وفتح عينيه.
حتى عندما نظر إلي.
وحتى عندما ظل يحدق إلى بنعاس دون أن يطرف!
لم أكن مذهولة.
ولم أكن متوترة، خائفة، مشتتة.
كنت مسترخية بشكل غريب.
وكأنني انتظرت كل هذا الوقت في تأمله وكأنني راغبة في الإستعداد للحظة التي سيفتح فيها كلتا عينيه وينظر إلي.
لم تسيطر على أي من المشاعر المنفعلة.
كل ما فعلته هو النظر إليه مباشرة.
ربما لأنني غرقت.
غرقت بالفعل، كمن لو كنت لأول مرة في حياتي أحملق في وعاء شديد البياض يملأه العسل الصافي، النظر إلى لون عسليتيه عن قرب. بهذه المسافة الصغيرة. يسمح لي برؤية جمال إندماج وتداخلات هذا اللون بتدرجات لطيفة تأسر المتأمل. وكأنني أجلس في قاعة لِقبة فلكية. ولكن بدلاً من إحاطتي بألوان الفضاء فها أنا ذا. لا يُعرض أمامي سوى أقرب صورة ممكنة لكوكب زحل بالأجرام المحيطة به وحسب.
كيف يمكن لعينان أن تأسر إنساناً بهذه الطريقة؟!
كدت أغرق أكثر فأكثر حتى ألفظ آخر أنفاسي. ولكنني في أقل من لحظة.
أدركت أنه لم يكن قد استيقظ حقاً.
فلقد عاود يغمض عينيه بعد لحظات من النظر إلي.
أغمضهما بالفعل!
أنفاسه لا تزال منتظمة. هو لم يستيقظ بعد، ولكنه رفع يده التي تفاجأت بها تحيط بي.
قربني إليه حتى التصق رأسي بصدره، غلفني الدفء وذراعه تحكم التمسك بي.!
بل أنني قد شعرت بيده التي لامست ظهري وقد تشبث بمعطفي الخفيف ممسكا به بقوة!
وحينها فقط تساءلت.
إن كان على سبيل المثال.
يظنني مجرد طيف.
مجدداً.
هاه؟ مجدداً؟! ص. صحيح! ألم يقل هذا مسبقاً؟ عندما جلسنا بمفردنا نحدق إلى شروق الشمس قبل الحادثة، حيث أخبرني أن لقائي الاول به في الطفولة كان قد جعلني أبدو كطيف ظهرت له من العدم.
هل تُراه يظنني طيف مجدداً؟
هو لن يتمسك بي بهذه الطريقة إن كان يدرك أنني أستلقي أمامه بشحمي ولحمي، لن يتشبث بي بقوة إن كان يعلم أنني عدت مجدداً مقتحمة المكان كما يحلو لي.
أتساءل كيف ستكون ردة فعله حقاً.
ولكن لا يهم.
فطريقة تشبثه بي هكذا، ودفء صدره أمران يقودانني كالأسيرة إلى زنزانة لا أقوى على الهرب منها.
أشعر بالأمان بشكل غريب وإن كان يتصرف كالمجانين، أشعر بالطمأنينة حتى وأنا على دراية بما قد تكون عليه ردة فعله. غريب هذا الحب الذي أكنه لكريس. بالفعل غريب!
وجدت نفسي اقترب منه أكثر وأغمضت عيناي أستمتع بدفء ذراعيه وصدره.
إنه وقت الراحة. على أن أستمد كل قواي المفقودة، فلا أدري أي نوع من الحوارات سأخوضه معه عندما يستيقظ، كما لا أعرف كيف سيعاملني.
بعد ذلك لا أدري كم مضى من الوقت وأنا نائمة إلى جانبه، ولكنني أدرك أنها لم تكن ساعات قليلة!
فتحت عيناي بتثاقل شديد.
تحركت ببطء وبكسل ولكنني تسمرت في مكاني للحظة وقد شعرت بذلك الثقل على صدري!
اتسعت عيناي لرؤية رأسه التي استقرت على صدري وهو ينام بعمق ويده التي التفت حول خصري كما لو كنت مجرد وسادة!
ازدردت ريقي بصعوبة بالغة ونظرت إلى المكان من حولي باحثة عن أي منبه أو ساعة.
وحينها فقط استوعبت أمر أشعة الشمس التي تنير الغرفة، لا يمكن أنه اليوم التالي بالفعل!
لقد. كان نوماً عميقاً بالرغم من نومي في منزل الجدة هيذر!
اعتدلت محاولة انتزاع نفسي من يده مقيدة بكل قوة شعور الخجل لئلا يسيطر علي، ابعدت يده أولاً برفق وبطء، ولحسن الحظ أن نومه الثقيل هذا أسدى خدمته لي فهو لم يستيقظ بعد.
ابعدت رأسه كذلك ووضعت الوسادة أسفلها وتحركت أشعر بشيء من الصداع بسبب الإطالة في النوم، أعترف أنني بالغت في نومي بمنزل هيذر وهنا وكأنني لم أكتفي. حسنا لا وقت لأهدره أكثر.
في النهاية نزعت المعطف وأسرعت أخرج من الغرفة، وبما أنه لم يستيقظ بعد فاتجهت إلى المطبخ افكر بتشتت بما على فعله.
وحينها علمت ما قد تكون الخطوة الأولى.
إعداد الفطور!
هذا ما نويت فعله ولكنني وقبل هذا قررت ترتيب هذه الفوضى في غرفة الجلوس، أحضرت أحد الأكياس السوداء المخصصة للقمامة ووضعت زجاجات النبيذ الفارغة والملقاة في كل مكان، وعندما جمعتها أخذت الكيس إلى المطبخ وباشرت في تنظيف الأرائك وأخذ الملابس المرمية على الأرض وحتى على طاولة التلفاز لأضعها في السلة التي وجدتها ثم دفعتها بعيداً قرب الغرفة.
من يصدق أن ملامح المنزل كانت مختفية بسبب هذه الفوضى العارمة!
تنهدت وانا احاول ابعاد شعري المنسدل والمزعج عن وجهي وقد اتجهت نحو النافذة التي تسلقتها في الأمس، فتحتها لأسمح لأشعة الشمس بالولوج إلى المنزل والتنفيس عن هواءه الثقيل.
ولكنني وبينما أفعل ذلك لفت انتباهي سيارة سوداء تلمع بطريقة ملفتة قد توقفت أمام درج المنزل الآن.
لم تكن سوى بضع ثواني حتى فُتح الباب الخلفي ولمحت ذلك الكعب العالي ذو اللون الأبيض السكري والساق الرشيقة التي ظهرت من تحت ذلك الفستان بلون المارون الداكن وذو الخامة الناعمة.
عقدت حاجباي بحيرة وبلاهة محدقة إلى المرأة التي ترجلت من السيارة وأغلقت الباب خلفها ثم أشارت بيدها لمن يقود السيارة بأن ينتظر، ولكنني لم أستطع رؤية من تشير إليه نظراً لقوة التظليل الموجود على نوافذ السيارة!
م. من هذه!
تبدو امرأة في بداية عقدها الخامس، وبالرغم من انها ليست صغيرة في السن ولكن. أراهن بكل ما لدي أنني سأبدو كجدتها من قبل أربعة أجيال بسبب عنايتها الفائقة بنفسها، هالة الثراء الغريبة تحيط بها بكل وضوح، والأهم من هذا. هو ملامحها الحادة التي تميل إلى الجفاء وهي تنظر إلى المكان والحي بعدم رضى وشيء من الإزدراء.
ازدردت ريقي بصعوبة ولا أدري لماذا! ربما لأن الهالة المحيطة بها قوية إلى درجة شعوري بالإنكماش رغماً عني.
تحركت لتخطو بكعبها العالي وفي عينيها تلك الحدة الغريبة، ولكن. لحظة واحدة!
هذه العيون الزرقاء والشعر الأشقر المُجمر إلى الأعلى بطريقة أنيقة جداً وفمها الذي قد التوى بإشمئزاز.
لماذا تبدو ملامحها مألوفة بعض الشيء؟! ليس وكأنني قابلتها ولكن. هل تشبه شخص أعرفه؟!
هاه؟ ماذا تفعل؟!
هذا ما سألته عنه وأنا أراها تصعد الدرج فشهقت مستوعبة توجهها إلى هنا، تعالى صورت الجرس في المكان فارتجفت في مكاني بعدم استيعاب.!